مقالات الرأي

اللجنة الدستورية والفهم الأعور للواقعية السياسية

لم أفهم كل هذا الصخب الذي انطلق بُعيد إعلان تشكيل اللجنة الدستورية المُولَّجة بكتابة دستور جديد للبلاد، بحسب رواية المعارضة، أو تعديل الدستور القائم، بحسب رواية النظام. وكأن الحدث كان غريبًا ومفاجِئًا.

الواقع أن إعلان تشكيل اللجنة ليس إلا محطة جديدة من محطات هذا القطار المنطلق بثبات، منذ سنوات، نحو الهاوية؛ منذ أن بدأ ممثلو المعارضة السورية بتقديم التنازلات واحدًا تلو الآخر، تحت ذريعة الواقعية السياسية، التي يجري التعبير عنها بمقولات مثل: حقن الدماء، عدم ترك الساحة للآخرين، تجنُّب ما هو أسوأ، لا يوجد خيار أفضل، السياسة فنّ الممكن… حتى وصلنا إلى هذا الدرك: اللجنة الدستورية.

محطات كثيرة مرّ بها هذا القطار، مدفوعًا بضغوط حلف المنتصرين (النظام وروسيا وإيران)، وتخلِّي الآخرين، وتنازلات المعارضين. ومع كل محطة/ تنازل كانت المعارضة تفقد بعضًا من أوراقها، وبعضًا من مكانتها، وبعضًا من شرعيتها. ومع كل محطة، كانت حظوظ السوريين بالخلاص تبتعد.

ألم تكن مشاركة المعارضة المسلحة بمسار أستانا خطيئة قاتلة، كسرت ظهر المعارضة السياسية بانتزاع ورقة الفصائل المقاتلة من يدها، وأضعفت مسار جنيف التفاوضي بنقل قيادة العملية السياسية، من يد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى يد روسيا، وسمحت للنظام وحلفائه باستفراد مناطق المعارضة واحدة تلو الأخرى، والسيطرة عليها عبر اختراع مناطق خفض التصعيد وما تلاها من ضغط فـ (مصالحات) فتهجير..؟ ومقابل ماذا؟ هل تمكن أبطال أستانا، عبر 13 جولة محادثات، من إخراج معتقل واحد من سجون النظام، أو إيقاف سقوط برميل واحد على رؤوس الناس، أو ضمان أمن أو حياة شخص واحد، أو إدخال علبة حليب لطفل جائع في منطقة محاصرة؟. ثم ألم تكن جلسة واحدة أو جلستان كافيتين لاتضاح الصورة، على فرض أنها لم تكن واضحة؟ أم إنه ضغط الضامن التركي الذي لا يُرد؟ أم إنه حبّ التفرد والقيادة والظهور، مرض السوريين العام؟ أم كلاهما؟

ألم يكن القبول بإعادة تشكيل هيئة التفاوض، وإبعاد العناصر الصلبة منها، وإضافة منصتي موسكو والقاهرة وهيئة التنسيق إليها، على قدم المساواة، سقطةً كبرى، زادت الهيئة ضعفًا وتشتتًا وهشاشة، وأضعفت قدرتها على التفاهم فيما بينها، وفخختها بعناصر من صنع النظام وحلفائه؟ (أقصد منصة موسكو تحديدًا).

وماذا عن السير في لعبة دي ميستورا، لتفريغ القرارات الدولية من مضمونها بتوجيه من موسكو، بدءًا بلعبة السلال الأربع وصولًا إلى تغليب السلة الدستورية وتجاهل ما عداها؟ ألم تكن سقطة مهولة أيضًا؟

قبول المعارضة بالانخراط في العملية الدستورية حصرًا كمدخل وحيد للحل السياسي، وتجاهل كل ما يتعلق بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي كمقدمة لتوفير مقومات الانتقال السياسي، ومنها الدستور، على ما جاء في القرار الأممي 2254، أفقد المعارضة ورقة القوة الوحيدة التي تملكها، والتي كان من المفترض أن تعضَّ عليها بالنواجذ. وقدّم لروسيا ولتحالف الأعداء فرصة ذهبية لدفن ذلك القرار الوحيد والثمين الذي يعترف للسوريين بشيء من حقوقهم التي دفعوا من أجلها كل هذه الأثمان. ورفع الحرج عن كاهل المجتمع الدولي الذي كان، قبل قبول المعارضة بالعملية الدستورية، ملزمًا، نظريًا وأدبيًا، بمتابعة تطبيق قراراته وفرض احترامها..

ما نحن فيه الآن، أي اختزال القضية/ المأساة السورية بمجرد دستور ولجنة دستورية، ما هو إلا نتيجة، تحصيل حاصل، لكل هذه المسيرة المخزية لمعارضة بائسة، لم تستطع يومًا تجاوز أمراضها، ولا خلافاتها، ولم تستطع تمييز الهدف والطريق. وسرعان ما تاهت تحت ضغط الظروف وتعقيدات الواقع، وسرعان ما ارتهنت لقوى خارجية لم تتردد في استثمارها وتوظيفها في أجنداتها الخاصة، البعيدة كل البعد من هموم السوريين ومصالحهم.

عندما سألت أحد الائتلافيين ذات يوم عن سبب قبولهم بخالد خوجا رئيسًا للائتلاف، قال: “نحن مجبرون، تركيا فرضته علينا”. قلت: وماذا لو رفضتم؟ قال: “سنُطرد من تركيا، ونصبح بلا دعم ولا مأوى”. قلتُ له أوليس ذلك أفضل لكم، وأحفظ لكرامتكم، ولاستقلالية قراركم، ولمكانتكم بين السوريين، ولقيمتكم بين الدول؟!

أعطَينا الانطباعَ منذ اللحظة الأولى أننا قابلون للضغط وجاهزون لتقديم التنازلات، حتى دون أي مقابل. ودائمًا الذريعة إياها، الواقعية السياسية..

نعم للواقعية السياسية، فتجاهلها يعني الانتحار، لكن ثمة فرق كبير يجب إدراكه بين الواقعية السياسية والتفريط والتنازل المجاني.. فعندما يصبح واضحًا للأعمى أن النظام وحلفاءه لم ولن يغيّروا شعرة من سلوكهم وبرامجهم، مهما قدمت لهم من تنازلات، فعلامَ التنازلات إذن؟

اليوم، نحن أمام مشهد حزين.. لجنة دستورية، هي كل ما تبقى من العملية السياسية، يُراد منها دفن فكرة الانتقال السياسي، الذي هو أمل السوريين الوحيد ورجاؤهم. يتحكم فيها الروسي، حليف النظام وشريكه حتى النهاية في قتل السوريين ووأد ثورتهم. يتفاوض فيها فريقان: نظام دموي يرى نفسه منتصرًا، وهو الذي لم يقدّم أي تنازل عندما كان في أسوأ لحظاته. ومعارضة ضعيفة مشتتة مخترقة مرتهنة لا تملك من أمرها شيئًا. ومجتمع دولي ناءٍ بنفسه، مُسَلِّمٌ بالقيادة الروسية للمسألة السورية ضمن تفاهمات معينة. فماذا نتوقع من مشهد كهذا؟

شخصيًا، ليس عندي أيّ وهم حول جدوى عمل اللجنة، وما يمكن أن تجود به، فهي ضمن هذه البيئة وموازين القوى المشار إليها، ليست إلا أداة لتصفية الحراك الثوري، ودفن أحلام السوريين بالتغيير، وإعادة تأهيل وشرعنة النظام، ربما مع بعض الرتوش، والعودة إلى ما قبل آذار 2011 وكأن شيئًا لم يكن..

سيُغرق النظام اللجنة بالتفاصيل والمشاكل، وما أكثرها في مسألة معقدة كالدستور، وما أسهل المهمة على خبير محنّك كالنظام! وسيدور الجميع في حلقة مفرغة لسنوات، مع الطنين والضجيج الذي يوحي للسوريين وللعالم بأن عملًا ما يحدث. إلى أن ينتهي النظام وحلفاؤه من حسم الأمور على الأرض، واستعادة السيطرة على المناطق، وإيجاد التسويات اللازمة لإعادة تأهيل النظام. وعندها سيأتي من سيدفن هذه اللجنة بكلمة واحدة.

الاختراق غير ممكن، واللعبة ممسوكة بقوة، والطنين والضجيج هو المُنتج الوحيد المطلوب من هذه اللجنة، هذا بالتحديد ما يحتاجه تحالف النظام لاستكمال مهماته الحقيقية، وهذا بالتحديد ما يحتاجه الغرب لإراحة ضميره وتبرير تخليه، وربما هذا ما تحتاجه بعض المعارضة لإثبات أنها ما زالت تتنفس… ولو كانت هناك إرادة دولية حقيقية لفعل شيء؛ لما سُمح للروس بتمرير هذا الاختراع السام المسمى باللجنة الدستورية على جثة القرارات الدولية والانتقال السياسي.

هل ثمة ما يمكن عمله الآن؟

يبدو لي أن أفضل ما يمكن لوفد المعارضة عمله الآن هو التوافق على بعض المبادئ التي لا يجوز التخلي عنها، أو عن أي جزء منها تحت أي ظرف، والتي تمثل الحد الأدنى لما يجب التمسك به، ولما يعتبر التخلي عنه تفريطًا بكل تضحيات السوريين وطموحاتهم. من هذه المبادئ، وعلى رأسها، عدم القبول بترشُّح الأسد أو أي من أركان نظامه لأي استحقاقات سياسية قادمة. (سأقترح بعض هذه المبادئ في دراسة قريبة لي عن اللجنة الدستورية)

التوافق “الصلب” على هذه المبادئ من قبل عدد كبير من أعضاء فريق المعارضة، وربما عدد من أعضاء الفريق المحايد، (فريق الأمم المتحدة)، والإعلان عنها، يؤدي، بحسب اعتقادي، غير فائدة في غير اتجاه، فهو يُطمئن السوريين أولًا إلى أن الحد الأدنى من حقوقهم وطموحهم سيكون مصانًا، وهو يمنحهم معيارًا للرقابة على أداء الفريق المعارض، وبالتالي مقدارًا من الثقة به، يتعزز ويكبر مع الأداء الملتزم. وهو يُرسل رسالة قوية، إلى الرُعاة والمجتمع الدولي، مفادُها أن ثمة سقفًا للتنازلات لن يتم تجاوزه تحت أي ضغط، وأن عليها الضغط على الطرف الآخر، إذا أرادت لهذه اللجنة الاستمرار أو الإنجاز. وهو أخيرًا يمنح الفريق المعارض مقدارًا من الوزن والقيمة هو بأمس الحاجة إليه، سواء لدى السوريين أو لدى الخصوم أو لدى المجتمع الدولي..

صحيح أن وزن المعارضة، بجناحيها السياسي والعسكري، أصبح صفرًا في معادلات القوة، إلا أن ثمة وزنًا محفوظًا لها بحكم الحاجة إلى توقيعها وموافقتها على تمرير التسويات، وهذا ما لا يمكن تجاوزه، ويجب وعيه والتعويل عليه. ويبقى رضى الناس هو الوزن الحقيقي الذي يغير المعادلات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق