اقتصادسلايدر

استمرار انهيار الليرة يلهب الأسعار في الأسواق ويستنزف جيوب السوريين

 

  • “المركزي” ينسحب من (معركة الدولار)، وواشنطن تعمل على تجفيف موارد النظام وحلفائه

 سجل سعر صرف الليرة السورية مستوى قياسيًا جديدًا، حين تجاوز في دمشق، قبل أيام، الـ 691 ليرة للدولار الواحد، في أدنى مستوى تاريخي للعملة المحلية، وهذا أمرٌ ينبئ -بحسب محللين اقتصاديين سوريين- بأزمات معيشية طاحنة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والمعارضة على حدّ سواء، في الفترة المقبلة، أزمةٌ لن ينجوا منها إلا قلّة من السوريين من ذوي الدخل المرتفع، وبخاصّة بعد أن قرر المصرف المركزي التوقف عن دعم الليرة في ظلّ تهاويها إلى مستويات غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد المحلي يعيش بين ركام الحرب المعلنة ضدّ السوريين منذ منتصف آذار/مارس 2011 بعد الاحتجاجات الشعبية التي قامت في البلاد ضدّ نظام بشار الأسد مطالبة برحيله، وتحوّلت فيما بعد، وعلى نطاق واسع، إلى حرب ونزاع إقليمي بالوكالة.

متابعون محلّيون لأوضاع المواطنين السوريين رصدوا تزايد مخاوفهم يومًا بعد يوم من موجة غليان الأسعار التي تجتاح الأسواق في كافة المحافظات من دون استثناء، بعد أيام قليلة من تخلي المصرف المركزي عن دعم العملة المحلية، التي تتهاوى بين الحين والآخر إلى مستويات غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية.

  • إفلاس خزينة “مركزي” الأسد..

نائب حاكم مصرف سورية المركزي محمد حمزة، كشف أنّه تمّ اتّخاذ قرار حاسم في المصرف المركزي بأنّه “لن يتدخل في السوق ولا بدولار واحد، مثل السابق، وكلّ مُقَدّرات المركزي سوف تخصّص لتمويل الدولة والسلع الأساسية”. وفقًا لما نقلته صحيفة “الوطن” المقربة من النظام، الأربعاء.

وعن سعر صرف الليرة إذا ما كان حقيقيًا أو وهميًا أجاب حمزة، خلال فعاليات مؤتمر “التمويل المصرفي صمام أمان الانتعاش الاقتصادي”، الذي عقد في دمشق منتصف الأسبوع الماضي، بوجوب الاحتمالين، مشيرًا إلى أنّ “المصرف يحاول تقليل الفجوة بين السعرين، الرسمي، وفي السوق الموازية السوداء”. لافتًا إلى أنّه “في حين كان النفط والحبوب يشكّلان أهم موارد الدولة للقطع الأجنبي، أصبحا الآن يشكّلان أكبر الأعباء، وأصبحنا نشتريهما، والمركزي لم يتهاون في ذلك حيث دفع خلال شهر 240 مليار ليرة لاستلام موسم القمح بمقدار مليون طن”.

صحف سورية معارضة متخصصة بالشأن الاقتصادي السوري، علّقت على تصريحات نائب حاكم مصرف سورية المركزي، بالقول: “لا يمكن فهم تجاهل المركزي، لهذا الواقع، وعدم التدخل، إلّا بأنّه قرار بالتعويم الحرّ لليرة. وقد تُفسّر دوافع النظام للقيام بهذا النوع الخطير من التعويم بأنّها ناتجة عن حالة عجز كاملة عن التدخل لإدارة تعويم موجّه، بسبب إفلاس خزينة المركزي من العملات الأجنبية”.

من جهة أخرى، صرح حاكم مصرف سورية المركزي حازم قرفول، خلال لقاء له على الفضائية السورية، الثلاثاء، أنّه في الظروف الاستثنائية، بعد تسع سنوات حرب، على حدّ تعبيره، فإنّ “ضبط الليرة السورية وحمايتها من المضاربات مسؤولية جماعية، من خلال أدوات السياسة النقدية، بالتعاون مع مجلس النقد والتسليف، والتنسيق مع السياسة المالية والتجارية”.
وبيّن قرفول، أنّ العوامل المؤثرة في سعر الصرف هي “الظروف الاستثنائية والحرب الاقتصادية، وتصريحات نائب وزير الخارجية الأميركي مؤخرًا، والعقوبات الاقتصادية، ومشروع (قانون سيزر) الأميركي، والعلاقات مع الخارج، إضافة إلى أدواتها الداخلية، من مواقع وتطبيقات وصفحات تواصل اجتماعي تعمل على إثارة شكوك المواطنين بعملتهم الوطنية”. مؤكدًا أنّ المصرف المركزي “يتدخل ليضمن أن تكون تقلبات سعر الصرف ضمن هوامش محدّدة، وأنّه لا يمكن اعتبار سعر الصرف حقيقيًا أو منطقيًا إلا بقياسه إلى الظروف”.

وبيّن حاكم مصرف سورية المركزي أنّ المصرف “اتّخذ حزمة إجراءات نقدية، وأخرى على الأرض مباشرة، ساعدت بتوضيح الصورة بشكل أفضل للمواطنين، فانخفض الدولار من 690 إلى 590 ليرة، كما كانت هناك يدّ خفية تعمل بشكل مقصود لضرب العملة الوطنية”. حسب زعمه.
ولفت قرفول إلى الربط المقصود لحياة المواطنين بسعر الصرف، مبيّنًا “أن المشكلة بالسلوك، وليس بتغيرات سعر الصرف، مثل ارتفاع الأسعار مع الدولار، وعدم تخفيضها مع انخفاضه، ما يشكل فرصة سانحة لجني الأرباح الإضافية”.

وكان نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى والمبعوث الخاصّ لسورية جويل رايبورن، قال خلال وجوده في مدينة إسطنبول، في السابع من هذا الشهر، إنّ بلاده ستواصل عقوباتها على نظام الأسد لتجفيف موارده هو وحلفائه، مما يجعل وضعهم أسوء فأسوء، مستشهدًا بانهيار الليرة السورية (التي تجاوزت قيمتها -يومذاك – ٦٦٠ ليرة مقابل الدولار الواحد).

وتوقع رايبورن أن تواصل الليرة نزيفها لـ ٧٠٠ ليرة وأكثر، مع انخفاض احتياط القطع الأجنبي لدى النظام، لكنه في الوقت ذاته بيّن أنّ النظام راغب في هذا الانهيار الذي يضمن له مواصلة العمليات العسكرية في إدلب بقيمة أقل.

وتخلى المصرف المركزي إلى حدّ بعيد عن جهوده في الأشهر الأخيرة لدعم قيمة الليرة من أجل حماية احتياطاته النقدية الأجنبية المتبقية.

أوساط اقتصادية سورية معارضة في دمشق، طلبت عدم الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية، رأت أنّ تراجع قيمة العملة مرتبط بالأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية في عموم الأراضي السورية، إضافة إلى تأثيرات حزمة عقوبات الإدارة الأميركية والاتّحاد الأوروبي المفروضة على النظام الأسدي، الذي تسبب في مقتل حوالي نصف مليون مواطن سوري وتهجير الملايين خلال سنوات الثورة السورية.

وجرى تشديد العقوبات الأميركية والأوروبية منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 ليشمل رجال أعمال سوريين مقربين من النظام وكل من يتعاملون معه من أفراد وكيانات اقتصادية ومالية، الأمر الذي ردع الشركات الدولية عن الاستثمار في إعادة الإعمار بعد وقف العمليات القتالية، ما دام الأسد في السلطة.

وقدّرت الأمم المتحدة العام الماضي، كلفة إصلاح الدمار في سورية بنحو 400 مليار دولار، بعدما باتت مدن وقرى بأكملها فيه مجرد أنقاض وركام جراء العمليات العسكرية البرية التي شنّها جيش الأسد وحلفائه من ميليشيات شيعية متعددة الجنسيات للمناطق التي كانت خارجة عن سيطرته العسكرية والأمنية والسياسية، بدعم وإسناد من الطيران الحربي الأسدي والروسي.

وتسعى حكومات الأسد المتعاقبة منذ سنوات إلى التخفيف من وطأة العقوبات الأميركية والأوروبية من خلال محاولات يائسة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية في سورية، التي تهيمن عليها احتلالات متعددة الجنسيات.

  • سقوط السوريين في حفرة أزمات أعمق..

انهيار الليرة وارتفاع الأسعار أثار موجة انتقادات شديدة على مواقع التواصل الاجتماعي من الموالين للأسد، تتهم حكومة عماد خميس بالتهرب من مسؤولياتها وتطالبها بوضع حدّ لحالة الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار بشكل جنوني.

ودعا موالون حكومة خميس إلى وضع حدّ لهذا التدهور، عبر تثبيت سعر الصرف لفترة محدّدة، مبيّنين أنّ هذا الشيء إن تمّ بحدِّ ذاته إنجاز كبير.

شبكة (جيرون) الإعلامية رصدت، الأسبوع الماضي، سعر صرف الدولار في السوق الموازية السوداء الذي تجاوز 690 ليرة، ليشهد إثرها سوق الصرف حالة من الفوضى والضبابية بعدما توقف المصرف المركزي عن دعم الليرة بسبب تلاشي موارده المالية في ظلّ الخراب الاقتصادي، وحصول انكماش حادّ في الناتج المحلي الإجمالي، الذي فاقمه تشديد العقوبات الأميركية والأوروبية على نظام الأسد خلال العام الحالي، وهو ما انعكس سلبًا على حياة المواطن السوري المعيشية اليومية، التي لا تتناسب مع دخله الشهري الذي لا يتجاوز في أفضل حالاته في القطاع العام المئة دولار، وقد أصبحت نسبة الذين هم دون خط الفقر في سورية 80 بالمئة بحسب تقارير أممية نُشرت أخيرًا.

الأوساط الاقتصادية السورية المعارضة، رأت أنّ تشديد خناق العقوبات الأميركية على طهران، ربما انعكس على الليرة، كما “تبدو المضاربة بسبب الفجوة الكبيرة بين الدولار الرسمي والأسود، أحد أهم محركات تراجع قيمة الليرة. إذ تتيح القوانين لكبار التجار بسحب الدولار من المركزي بسعر 434 ليرة، لقاء تمويل جزء من مستورداتهم. ويحدث كثيرًا أن يبيع التجار جزءًا من تلك المخصصات في السوق السوداء، ما يعود عليهم بربح فوري بأكثر من 30% بشكل فوري وسريع”.

أضف إلى ذلك أنّ “أسعار صرف الليرة المختلفة، تتسبب بزيادة هذه الفوضى. إذ توجد حاليًا خمسة أسعار صرف مختلفة لليرة، تتراوح بين سعر المصرف المركزي إلى السوق السوداء، مرورًا بدولار تمويل المستوردات، ودولار التحويلات الخارجية، ودولار الصرافة المحلية المرخصة”.

وبدأ سعر صرف الليرة بالهبوط التدريجي في السوق السوداء، منذ 500 ليرة للدولار في نهاية العام 2018. وما زال السعر الرسمي لصرف الدولار في المصرف المركزي عند 434 ليرة.

وقبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية في 2011 كان الدولار يساوي 48 ليرة سورية.

شبكة (جيرون) رصدت كذلك حالة من العجز والتشاؤم تسود بين السوريين من السقوط في حفرة أزمات أعمق، بعد أن دفع انحدار قيمة الليرة أسعار جميع السلع في الأسواق -يُضاف إليه جشع التجار- إلى الارتفاع بشكل غير مسبوق.

حالةٌ جعلت المواطن السوري يعيش يومه في حيرة من أمره على إيقاع تذبذب أسعار صرف الليرة أمام الدولار، فالتجار يرفعون أسعار السلع والمواد الغذائية عندما يرتفع الدولار، لكن لا يخفضونها عندما ينخفض سعره.

ويأتي التراجع الأخير لقيمة الليرة السورية، بعد أزمة وقود حادّة شهدتها مناطق سيطرة النظام، حيث تسبب الهبوط الحادّ لليرة في ارتفاع التضخم كما زاد مِن سوء الأوضاع التي يجد كثير مِن السوريين خلالها، صعوبة في تحمّل تكاليف المصاريف الأساسية مثل الغذاء والدواء والوقود.

وقالت (مديرية حماية المستهلك) في دمشق، في وقت سابق، إنّ عائلة مكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى (150 ألف ليرة سورية) شهريًا (حوالي 220 دولار) من أجل الطعام، وبخاصّة أنّ العام الحالي سيشهد تخفيضًا للدعم الاجتماعي مع خفض مخصّصات الفرد مِن مادة الخبز، نتيجة انخفاض ميزانية العام 2019 التي أقرّتها حكومة النظام بـ 8.9 مليار دولار.

  • العقوبات والتهريب والمضاربة تخنق المواطن..

وفقًا لمراقبين وخبراء اقتصاد سوريين، فإنّ أسباب الانهيار المتسارع لليرة السورية خلال الشهرين الماضيين، غير مفهومة ولا معروفة، ويساهم فيها موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتشدّد تجاه نظام الأسد، وتهريب التجار المحليين للدولار من سورية.

مصادر إعلامية سورية معارضة، ذكرت قبل أيام، أنّ الفريق الأميركي المختص بمتابعة تطبيق العقوبات على النظام السوري ونظيره الإيراني -حليفه الرئيسي في حربه ضدّ السوريين المنتفضين على حكمه المستبد-، توصّل لطريقة جديدة تتضمن إجرائيين؛ الأول: “ربط صرف الدولار المحول لتلك الدول، بعملة البلد المُصدّر للحوالة، وبسعر صرف السوق، بدلًا من تحويل الدولار”، والثاني: “بتسريع خطوات إقرار وضع أسماء من يقومون بعمليات تبييض أموال وتأمين مواد عن طريق الالتفاف على العقوبات الأميركية على قائمة العقوبات”.

وأشارت النشرة الاقتصادية “سيريا ريبورت” «Syria Report» الإلكترونية، في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، إلى أنّ تدهور الليرة حاليًا لا يعود فقط إلى العقوبات الأميركية والأوروبية على الاقتصاد السوري، بل تأثر أيضًا بارتفاع الطلب على الدولار في لبنان، لأنّ بيروت تمثّلُ سوقًا أساسيًّا للدولار بالنسبة للمستوردين السوريين الذين يستخدمون النظام المصرفي اللبناني في تجارتهم.

كما أشارت “سيريا ريبورت” المخصّصة للاقتصاد السوري، إلى أنّ شائعات قد تكون لعبت دورًا سلبيًا خلال الأيام الماضية، وتتعلّق بوجود توترات بين الأسد وابن خاله رجل الأعمال رامي مخلوف، أحد أكثر المستثمرين نفوذًا في سورية.

ولفتت النشرة إلى عجز في ميزان المدفوعات، مبيّنة أنّ الميزان التجاري في حالة سيئة “لكون قدرة الإنتاج المحلي مدمرة بشكل كبير وهناك حاجة للواردات لملاقاة الطلب المحلي”.

فيما علّق المحلل السياسي السوري المعارض عمر قدور، على ما يجري في البلاد قائلًا، إنّ “أصوات الشكاوى ترتفع من أثر التدهور على تكاليف المعيشة. التدهور الجديد ارتبط في أذهان كثر بما قيل عن تحجيم إمبراطورية آل مخلوف المالية، وقيامهم قبل ذلك بتحويل كمية ضخمة من الدولارات إلى الخارج، ثم أشيعت أخبار في الداخل السوري عن تدخل أمن القصر الرئاسي مباشرة ضدّ بعض حيتان المال المقرّبة من الأسد لمنعها من المضاربة بالدولار، وهذا ما يؤدي بدروه إلى هرب حيتان أخرى بأموالها”.

وباتت حكومة النظام مضطرة خلال سنوات الحرب المنصرمة، للاعتماد على الاحتياطات النقدية البالغة 700 مليون دولار فقط، بحسب ما تشير إليه التقديرات الأخيرة، بعد أن كانت عند مستوى 18 مليار دولار مع بداية ثورة السوريين ضدّ نظام الأسد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق