مقالات الرأي

“الكيانية” السورية

الكلّ متفق على أن تغطية كل ما حدث في سورية، لن يَرتقه إعلان تشكيل اللجنة الدستورية، ومع ذلك أعلنت الأمم المتحدة التوصل إلى تفاهم سياسي متعلق بتشكيل لجنة الدستور، مع الأطراف الإقليمية والدولية، كنتيجة لمشاورات عامين أثمر فيهما حوار البراميل والصواريخ والتهجير عن قضم مزيد من المناطق وتفاقم معاناة السوريين، مع إبقاء عشرات الآلاف من المعتقلين في أقبية الأسد، من دون توضيح مصيرهم، أو الطلب قبل التوصل إلى اتفاق على اللجنة أو عمل لجانها واجتماعاتها، أن يكون الإفراج والكشف عن مصير الآلاف منهم بندًا شرطيًا وأوليًا.

اللجنة الدستورية العتيدة، التي “تنهض” نظريًا بمستوى تناولها لحياة السوريين في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية، لم تُبشّر بأي نهضة، تخصّ الأسس التي جمعت السوريين في القهر والعذاب والألم، والتخلص من كل ذلك بإشارة صريحة: الأسد خارج الكيان السوري الجديد، وهو مطلب حاسم وضروري في الحياة النضالية للسوريين منذ عقود طويلة، للعبور نحو مستقبل الكرامة الإنسانية، كما هي مطالب السنوات الماضية.

وطبيعي أن تكون كلّ معضلات النضال السوري المعاصر حاضرةً في بؤرة اهتمام الحركة النشيطة للدبلوماسية الأممية، وللدول الضامنة “لمصالحها” في سورية التي يحاول الجميع، من خلال الترويج لإعلان تشكيل اللجنة الدستورية، فرض وصاية جديدة على العقل السوري، وانحياز مسبق عن الهدف الأساس الذي نادى به وضحى لأجله السوريون.

كيف يتشارك السوريون مع الأيادي التي جزّت رقاب فلذات الأكباد، في تدوين دستور جديد، من دون صياغة لوائح اتهام ضد النظام ورموزه، كمجرمي حرب؟

تأتي هذه المرحلة المشبعة بهزائم شتى نالت من قوى المعارضة السياسية المنكفئة على تسويق إنجاز ما، بالتوازي مع ما يطلقه النظام وحلفاؤه من انتصار وسيطرة تؤكد انتهاء “الحرب”، وضرورة البدء بتصور مستقبل سياسي من خلال كتابة الدستور.

في ظل انتكاسات وعي المعارضة السورية، بأشكالها ومضامينها المختلفة، وفي ظل تفشي مقولات الانتصار والهزيمة والسيطرة والانكفاء، وفي ظل كل أنواع الاستلاب الذي يتعرض له السوري داخل أرضه وخارجها، وفي المنافي النابشة لقبوره وتاريخه، وفي ظل محاولات امتلاك السوري لذاته ولزمنه ومصيره، وفي ظل الخلل القائم الآن في التوازن بين العمل السياسي والعمل العسكري، والمحاولات الجارية لاستثماره، يبقى الخوف على الكيانية السورية، التي تثير التساؤل عن الحدود الفاصلة، بين ما أُنجز على أنه قبول اضطراري ودفاعي، كما يحلو للبعض أن يقول، وبين ما لم يتحقق، فوحدهم السوريون في هذا الزمن، بظروفهم الذاتية ومتطلباتهم الموضوعية واحتياجاتهم الكفاحية، لهم الحق في الخشية على جلّ تضحياتهم التي تُستثمر من أجل إذابة الكيانية السورية في بوتقة النظام، ومخرجاته وتفاهماته مع قوى الاحتلال.

في ظل هذه الخشية المشروعة، وهذه الأسئلة الملحاحة، تنهمر التصريحات والكتابات حول اللجنة الدستورية وأعضائها، من دون إيقاع مضبوط، لفهم الكيانية السورية الممزقة، بنسيجها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والمشتتة الجغرافيا والديموغرافيا، لذلك تكون أكبر انتكاسة يقع فيها السوريون، ممثلين بقوى المعارضة، هي الانصياع الكلي والانقياد نحو كليشة اللجنة الدستورية، لأن انقضاء تجربة كفاح السوريين لن تكون نهايتها إسدال الستار على أول محاولة جدية وثورية بثمن غير مسبوق في التاريخ المعاصر، باتجاه خلق تعبير “دستوري” غير قادر على رتق الهوة الشاسعة للجرائم المرتكبة من قبل ممثلين عن نظامٍ ساهم، بارتكابه جزءها الأوسع والأكبر، في تمزيق الكيانية السورية، وخرق أبسط بنود الدستور وأبسط الحقوق للبشر، ومزّق كل تعريف مرتبط بالعملية السياسية.

ضرورة تقديم ممثلين عن الشعب السوري لا تجعل منهم باحثين ومقررين عنه، في ظل ارتهان وارتماء البعض عند عتبات الأجندة الإقليمية والدولية، على عكس مستوى التعامل والتضحيات التي قدمت من أجل نيل الحرية والكرامة والمواطنة، وهي مدونة في بنود الدستور، ومرفوعة في أدبيات النظام وشعاراته حتى اليوم، فما الذي تغيّر؟ المتغير الوحيد ثورة السوريين ضد هذه الشعارات، وضد من شردهم وقتلهم، وعذّبهم باسمها، ومن سيحكمهم مجددًا بإعادة صياغتها للقبض مجددًا على رقاب السوريين، تحت اسم اللجنة الدستورية أو الدستور الجديد المحمي من قوى الاحتلال.

لقد اختزنت تضحيات الشعب السوري، بنبض كياني مميز، بحقهم في التخلص من الطاغية، كبند رئيس في أي دستور مستقبلي يؤسس لمحاكمة النظام عن كل جرائمه، وهي تكفي لنسف شرعيته عن مسك الأقلام، وتدوين رأيه في كيان السوريين، ذلك التأثير يكون سليمًا وملموسًا في ترتيب أوليات نضال السوريين، لبناء كيانية سورية خالصة منزوعة من الأسدية وجرائمها، تُؤسس عندها مستقبلًا وكيانًا سوريًا بعقد اجتماعي جديد، ودون كل ذلك، لا يفيد الرتق ولا الرقع ولا النفخ “في قربة مخرومة” ومخردقة من كل جوانبها، للنظر من ثقوبها إلى كيان سوري يحلم به غير السوريين، ويتجاوز تضحياتهم وآمالهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق