مقالات الرأي

أسئلة ملحة وأجوبة مفقودة في واقعنا السوري

لسنا من أنصار نظرية المؤامرة بصورة عامة، لكنّ متابعتنا لما جرى ويجري في سورية، منذ بداية الثورة في ربيع عام 2011 إلى يومنا هذا، مع استقصاء طبيعة خطوات التعامل الدولي معه، تضعنا أمام جملة أسئلة معلقة، ما زالت تنتظر الإجابات. وهي أسئلة تمسُّ في الصميم ماهية المواقف الدولية سواء كانت من تلك الدول التي أعلنت وقوفها إلى جانب الشعب والثورة، أم كانت من تلك التي وقفت إلى جانب النظام والتزمت دعمه ومساندته منذ اليوم الأول.

فالطريقة التي تعامل بموجبها المجتمع الدولي مع جرائم النظام السوري، لم تتجاوز دائرة التعبير عن الخشية والقلق، و”احتمالية ارتكابه جرائم قد ترتقي إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية”، ولكن من دون أي تشخيص، أو إدانة واضحة صريحة، تترتب عليها مسؤوليات محددة، وقرارات ملزمة.

والجدير بالذكر هنا هو أن حجم الوثائق التي تثبت جرائم النظام وتدينه بصورة دقيقة وبالقرائن الدامغة هي بالأطنان، ولكنها ما زالت تنتظر الإرادة الدولية التي تسمح بالنظر فيها، والحكم عليها، فذلك مؤجل إلى إشعار آخر غير محدد، ولأسباب مختلفة وبخاصة بحسابات الدول المؤثرة.

لقد وقف المجتمع الدولي في بدايات الثورة السورية، وعلى مدى ستة أشهر، جامدًا لا يحرّك أي ساكن. وقيل للسوريين :إن الحل هو في مجلس الأمن، في حين أن هذا الأخير ظلّ معطلًا على مدار سنوات بفعل الاستخدام المتكرر لحق النقض “الفيتو” من جانب الروس والصينيين، ولم تفعل المجموعة الدولية الضخمة التي أعلنت عن نفسها بوصفها مجموعة أصدقاء الشعب السوري شيئًا ملموسًا لمعالجة الوضع؛ وهي مجموعة كانت تمتلك الشرعية الأخلاقية، حتى القانونية عبر الجمعية العامة، فضلًا عن القوة المادية على مختلف المستويات للتحرك والتدخل، وإلزام النظام بالتوقف عن قتل السوريين، والكف تدمير مدنهم وبلداتهم وتهجيرهم، ولكن كل ذلك لم يحدث.

ودخل “حزب الله”، مع الفصائل العراقية المذهبية، بالتنسيق الكامل مع الحرس الثوري الإيراني، بل بقيادته. ولم تصدر أي إدانة لهذا التدخل، ولم تُبذل أي جهود حقيقية، فعلية لمنع هذا التدخل، والحيلولة بينه وبين التمادي.

وظهر تنظيم (داعش) فجأة ليسيطر على المناطق المحررة، ويتكامل دوره في ضرب الثورة السورية مع جهود النظام. ودخل الآلاف من المتطوعين الذين التحقوا به من جنسيات أوروبية مختلفة، دخلوا عبر الحدود التركية- السورية بصورة أساسية، وكانت الأجهزة الغربية، وبخاصة الأميركية تراقب المنطقة، وتمنع مضادات الطيران وفق الآليات التي تناسبها، صاروخ واحد كان من شأنه تعكير صفو طائرات النظام البدائية التي استمرت في قصف المدن والبلدات السورية بالبراميل على مدى أعوام، ولكن ذلك لم يحدث بكل أسف. ولم يكن هناك تحرك جاد من جهة المجتمع الدولي لمنع قتل المدنيين السوريين، وبخاصة من الأطفال والنساء، ولم يتمكن أصدقاؤنا الكثر من إصدار مجرد قرار إدانة واضحة صريحة لتلك الجرائم في مجلس الأمن.

أما الخط الأحمر الذي حدّده الرئيس أوباما بنفسه لنفسه صيف عام 2013، وأعلن بناءً عليه عن قرب توجيه ضربة عسكرية إلى النظام بعد أن استخدم الأخير الكيماوي على نطاق واسع ضد المدنيين في الغوطة، فهو الأمر الذي لم يحدث نتيجة الصفقة التي تمت بين بوتين وأوباما في قمة العشرين في سان بطرسبورغ في أيلول/ سبتمبر 2013، ثم بين الأميركان والنظام عبر الروس، وتمثلت بتسليم النظام مخزونه من الأسلحة الكيمياوية مقابل إلغاء مشروع الضربة.

وأخذت الأمور منذ ذلك التاريخ منحى جديدًا، تجسّد في التركيز على موضوع أولوية محاربة الإرهاب؛ وغض النظر عن كل جرائم النظام الإرهابية. وتم التوافق الأميركي الروسي حول موضوع شرقي الفرات وغربه، ودخلت روسيا على الخط، وبدأت بتصفية كل الفصائل التي كانت تقاتل النظام، ما عدا جبهة النصرة، والفصائل المتشددة الدائرة في فلكها، لتبقى الذريعة، والفزّاعة، ومسمار جحا.

كل ذلك يطرح الكثير الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة واضحة لتكتمل الصورة.

أما الحديث عن إخراج الفصائل من مناطقها، وتوجيهها نحو الشمال، لتصبح لاحقًا أداة في عمليات “درع الفرات” في مناطق جرابلس وإعزاز والباب، و “غصن الزيتون” في منطقة عفرين، أو ذريعة لمحاربة الإرهاب في منطقة إدلب، فهذا موضوع آخر، يثير من جانبه العديد من الاستفهامات، ويحتاج إلى المزيد من التوضيح والمراجعة.

هذا في حين أن الولايات المتحدة الأميركية أخذت على عاتقها المنطقة الشمالية الشرقية، واعتمدت ميدانيًا على القوة العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني؛ وذلك بعد الفشل الذريع لمشروع تدريب المقاتلين السوريين الذين كانوا ينتمون لمختلف الفصائل التي كانت تُعد من الجيش الحر؛ وهذا الملف هو الآخر فيه الكثير من الأسئلة والتساؤلات التي ما زالت تنتظر الأجوبة المقنعة.

أما على المسار السياسي، فقد أُفرغ مسار جنيف المتعثر منذ بدايته من محتواه، وتم التلاعب أكثر من مرة بتفسير بيان جنيف 1 لعام 2012، وقرار مجلس الأمن 2254 وتم تجاوز موضوع هيئة الحكم الانتقالي، وتجاهل مصير بشار الأسد ودوره؛ ومن ثم كانت بدعة السلال الأربع الديمستورية.

وبالتوازي مع مسار جنيف بدأ الروس بالتحضير لمسار أستانا، بعد أن عزّزوا تدخلهم العسكري المباشر في سورية في خريف 2015، بتوافق غير معلن مع الجانب الأميركي، وصمت عربي لافت، وتنسيق مع الجانب التركي بعد تجاوز عقدة إسقاط الطائرة الروسية.

وهكذا بدأ مسار أستانا. واللافت في الأمر أن معظم من هم اليوم في هيئة التفاوض، ومن هم في هيئات الائتلاف القيادية، كانوا إما مشاركين في أستانا، أو ممن يقدّمون المشورة والدعم لهم، وينسّقون معهم. بل حتى دي ميستورا نفسه بارك المسار، وشارك في سوتشي، وخرج من المولد باللجنة الدستورية التي تعد من أغرب الحكايات، وأكثرها امتهانًا لإرادة شعب قدّم كل هذه التضحيات من أجل مستقبل يرتقي إلى مستوى الأساسيات البدهية لتطلعات أجياله المقبلة.

وكانت خطة خفض التصعيد، والقضم التدريجي للمناطق التي كانت خارجة عن سلطة النظام. هذا ما حصل في حمص، وحصل في حلب والغوطة وريف حماة الشمالي، وما قد يحصل في منطقة إدلب. وكان الدخول التركي إلى إعزاز وجرابلس والباب وعفرين وغيرها من المناطق والبلدات. كل هذه المتغيرات والمنعطفات تدور حولها، وبشأنها أسئلة مفصلية، لم تُقدم الأجوبة عنها بعد.

وبمناسبة الحديث عن مسار أستانا، لا بد من التذكير هنا بأن الروس منذ البداية كانوا في عجلة من أمرهم، لفرض تصورهم من خلال مشروع حل إيهامي للوضع السوري، تمثل بطرحهم المفاجئ لمشروع دستور سوري على المشاركين في المسار الأستاني في بداية عام 2017، غير أنهم بعد أن أدركوا أن الموضوع يحتاج إلى إخراج أفضل، وإلى المزيد من الإنضاج، تمهّلوا في الموضوع، إلى أن مهّدوا له السبيل، ووفروا من أجله المقدمات، ليعلنوا في مؤتمر القمة الأخير الذي جمع بين رؤساء الدول الثلاثة ( روسيا تركيا، إيران) في أنقرة 16 أيلول/ سبتمبر 2019 عن التوصل إلى تشكيل اللجنة الدستورية .

ومن بين المقدمات التمهيدية المشار إليها، كان إشراك الأمم المتحدة في الأمر، وبالتوافق مع الجانب الأميركي بطبيعة الحال.

وتم التسويق لفكرة أن الحل في سورية يقوم على خطوتين متضايفتين: العملية الدستورية، والعملية الانتخابية.

ومن أجل بلوغ هذا الهدف، كانت تشكيلة من عمليات القص واللصق والتجميع ضمن هيئة التفاوض، حتى وصلنا إلى وضعية ترقب بعض السوريين ليعلن الآخرون عن أسمائهم في لائحة اللجنة الدستورية، هذا في حين أن الغالبية الساحقة من السوريين الذين خرجوا على النظام، وأُخرجوا من ديارهم، وتحمّلوا كل أنواع المعاناة القاسية على مدى سنوات طوال تدرك أن ما يجري لا يوحي باي خير، ولا يطمئن أبدًا السوريين بكل انتماءاتهم وفي جميع جهاتهم.

وتبقى الأسئلة مفتوحة، تنتظر الإجابات المقنعة، علّها تمكّن من تفسير وفهم ما حدث ويحدث. أما موضوع التغيير، فهو ينتظر الجيل السوري الشاب، هذا الجيل الذي من المؤكد أنه قد تعلّم الكثير من جميع المآسي والمهازل التي كانت حتى الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق