مقالات الرأي

اللجنة الدستورية.. والحذاء الأمني

في نهاية عقد التسعينيات، بينما كنتُ أحد المعتقلين السياسيين في سجن عدرا، جاء رئيس فرع تحقيق الأمن السياسي إلى السجن، للمرة الأولى والأخيرة، في زيارة إلى جناح السياسيين، وألحّ على الاستماع إلى رؤى ومواقف بعض السياسيين، ولم يجد تجاوبًا من أحد، فما كان منه إلا أن طلب بإلحاح من أحد الرفاق، بالاسم، أن يسمع رأيه، فأجابه: “سيادة العميد، طبّقوا الدستور علينا (المعتقلين) الذي فصّله وخاطه حافظ الأسد عام 1973 على مقاسه، كما يفصّل الخياط بدلة زبونه”، ودون انتظار أو تفكير، أجابه العميد: “أنت مخطئ، نحن نطبق الدستور بحذافيره”، مشيرًا إلى حذائه، وتابع: “كنت أعتقد أنك أذكى من أن تسأل هذا السؤال”، وكان جواب رفيقنا: “نعم، يا سيادة العميد، لقد كنتُ غبيًا اليوم بطلبي هذا، فعلًا أنتم تطبقون دستور حافظ الأسد بحذافيره”، مشيرًا إلى حذاء العميد أيضًا.

تقصدت سرد هذا الحوار المكثف، بين ممثل النظام السوري وأحد المعارضين السوريين، لوجود تشابه بين مخرجات هذا الحوار ومخرجات اللجنة الدستورية، التي بدأ البحث والتفاوض من أجل إنجازها منذ عامين، ليتم الإعلان عنها كمخرج من مخرجات القمة الثلاثية للدول الضامنة (تركيا، روسيا، إيران) على مستوى الرؤساء، في تاريخ 16/ 9/ 2019، حيث كان الخلاف على تسمية أحد الأشخاص في المجموعة المستقلة عن النظام والمعارضة، المخصص اختيارها من قبل الأمم المتحدة التي لم تستطع اختيارها، فكلفت الدول الضامنة الثلاث بتعيين الأسماء المطلوبة، ثم تبيّن من تسريب بعض الأسماء المقترحة أن بعضها أسديّة أكثر من الأسد، وهذا يؤكد أن كلّ خلاف في عمل اللجنة وإجراءات عملها يحتاج إلى قمم أخرى، وبالتالي سيبقى استمرارها أسير توافقات الدول الثلاث وغيرها أيضًا.

المعروف أن اقتراح تشكيل اللجنة الدستورية كان أحد مخرجات مؤتمر سوتشي، الذي انعقد في كانون الثاني/ يناير عام 2018، بعد أن غيّر التدخل العسكري الروسي لعام 2015 موازين النفوذ العسكري لصالح النظام السوري والميليشيات الموالية له، وبالتالي بدأ الانقلاب سياسيًا على بيان (جنيف 1) الصادر في 30 حزيران/ يونيو 2012، الذي تضمن تأسيس هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية التنفيذية، من المفترض أن تضم الأطراف السورية كافة، وأيضًا قرار مجلس الأمن (2254) لعام 2015، الذي تضمن الجدول الزمني لكل مرحلة من مراحل الحل السياسي، وفيما بعد جاءت السلال الأربع للمبعوث الأممي (دي ميستورا) في جنيف 4، لتطبيق القرار الدولي 2254، من خلال حكم انتقالي غير طائفي خلال ستة أشهر، ودستور جديد خلال ستة أشهر أيضًا، وانتخابات حرة ونزيهة تحت الإشراف الدولي، تشمل السوريين كافة حتى الذين في الخارج، والسلة الرابعة استراتيجية لمكافحة الإرهاب.

بالمقابل، قفزت روسيا عن هذه القرارات باتجاه مؤتمرات أستانا وسوتشي، وما يسمى بالمصالحات لترسيخ قبضة النظام السوري بالتدريج على الأراضي السورية كافة، واكتفت بالحديث عن الدعوة لتشكيل لجنة دستورية تقوم بتعديل دستور 2012 كحلّ سياسي في المستقبل.

الحالة الطبيعية أن يكون الوصول إلى هذه النتائج السياسية، نتيجة التقدم العسكري على الأرض للقوات الروسية وميليشيات النظام السوري عسكريًا، لكن من غير الطبيعي أن تشارك بعض المعارضة السورية في هذه النتائج، من خلال المشاركة في تشكيل اللجنة الدستورية التي من خلالها سوف يتم تقديم النظام السوري للعالم كله، على أنه يشارك في صناعة دستور عصري وديمقراطي لسورية، وبالتالي ينال الشرعية الدولية التي يتطلع إليها، من خلال مشاركة بعض المعارضة السورية في اللجنة الدستورية ومخرجاتها بالمستقبل.

السؤال المطروح لبعض المعارضة السورية المتحمسين لتشكيل اللجنة الدستورية، وإمكانية انطلاقها خلال أيام قليلة بهدف إنتاج دستور جديد لسورية: هل هذا النظام السوري، الذي رفض الدعوات الإصلاحية في الأشهر الأولى لثورة 2011، التي تتضمن شيئًا من الحرية والكرامة والعدالة للشعب السوري، وجابهها بإعلان الحرب والاتهامات المسبقة بالإرهاب والخونة هادرًا دمهم في الشوارع، محولًا سورية في السنوات التي تلت الثورة إلى خرابة حقيقية، يمكنه أن يسير بالحل السياسي، الذي من المفترض أن تكون مخرجاته دولة ديمقراطية تعددية، يحصل فيها تداول للسلطة كما يحلم السوريون كافة؟!

هل طبّق هذا النظام، أو مارس بالحدود الدنيا، دستور 1973 الذي يتضمن أن الحرية مقدسة في الدستور، أو في دستور 2012، الذي يتضمن أن سورية دولة ديمقراطية… إلخ، حتى يطبق دستورًا جديدًا من المفترض أن يخرجه من الحكم في نهاية المطاف.

هل يمكن للدستور الجديد، الذي ستنتجه هذه اللجنة الدستورية التي يهيمن عليها النظام السوري وحلفاؤه، أن لا يكون مناسبًا لبقائه في السلطة إلى أجل غير مسمى؟! وبإيجاز لن يكون هناك سوى دستور (الحذاء الأمني).

والأهمّ أن صاحب القرار الأول والأخير في وضع الدستور هو الشعب السوري، من خلال هيئة مختارة من قبله، وليس عبر لجان أغلبها غير متخصصة بالقانون وصناعة الدستور، اختارتها ثلاث دول أجنبية (تركيا، روسيا، إيران)، وهي لذلك فاقدة للشرعية الشعبية السورية، خاصة أن حوالي نصف الشعب السوري مهجّر قسريًا خارج سورية.

إن كل المؤشرات السياسة الناتجة عن مخرجات اللجنة الدستورية في المستقبل وعن الدول الضامنة الثلاث، تقول إن الحل السياسي ذاهب باتجاه تأهيل النظام السياسي السوري، بعد حصولها على مصالحها الاقتصادية والأمنية للدول الثلاث في سورية.

أعتقد أن الحدود الدنيا من التفكير العقلاني الوطني، لدى المعارضة السورية المشاركة في هذه اللجنة وفي العملية السياسية التفاوضية، تؤشر إلى ضرورة الانسحاب من هذه المؤامرة السياسية على الشعب السوري، التي تحاك باسم اللجنة الدستورية وإنتاج دستور معدل أو جديد، ومن ثم سحب الشرعية الشعبية السورية والدولية عنه في المستقبل، وهذا أقلّ ما يمكن أن تفعله المعارضة السورية، إذا أرادت أن تبقى في صفوف الشعب السوري.

إن حديث بعض المعارضة السورية عن إمكانية أن تساهم اللجنة الدستورية في إنتاج دستور جديد، ومن ثَم الاتجاه نحو حل سياسي، هو حديث الواهمين بأبسط متطلبات الحل السياسي في سورية، إلا إذا كانت رؤيتهم للحل السياسي ترتبط بإعادة تأهيل الأسد ومنظومته الأمنية، والحصول على بعض الوزارات الوهمية (دون حقيبة).

أخيرًا يجب التأكيد أن الدستور الجديد في سورية لا يمكن إنجازه من دون تغيير بنية النظام السياسي السوري، من بنية أمنيّة استبدادية ذات ملامح طائفة بالممارسة، إلى بنية مؤسساتية ديمقراطية، استنادًا إلى الشرعية الدولية المتمثلة بالقرار 2245 وقرارات جنيف 1، التي تحظى بالشرعية الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق