تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

دروس ثورية من النيل إلى بردى

على الرغم من إخفاق السوريين في إزاحة الطاغية عن صدورهم، وفي الخلاص من الهمجية المنتشرة في ربوع البلاد من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها، فإن تضحيات السوريين ستتبلور عاجلًا أم آجلًا. هذه حتمية التاريخ، خواتمه لن تكون بالأبدية والسيطرة وإعادة البشر إلى قمقم الرعب والإذلال، وما امتزاج الشعور بالخيبة والإذلال، ومرارة التهجير والتشريد والقمع التي رافقت الثورة السورية، وكذلك المصرية، إلا دليل على حتمية تجدد الثورة ونهوضها من كبوتها. بالطبع هناك علاقة اندماجية من خلال تعبيرات مرحلة التحالف القوي لمعسكر الثورات المضادة، وتأثيرها في الثورة السورية، بعدما توهّم المعسكر المضاد أن “كل شيء سيكون بخير”، تحت الحطام أو تحت الأرض في الزنازين والمعتقلات.

القصور الفكري، وطغيان الشعار السياسي المنحدر نحو تخويف وترهيب الشعوب من بدائل المستبد والطاغية المدمر، دفعا نخبًا وأحزابًا سياسية إلى العمل على تغييب كلّي لقضية الثورة والحرية والكرامة والمواطنة التي زيّنت فيما مضى منابرهم. وهذا التحالف الظاهر بين معسكر الثورات المضادة أدى إلى نتائج دموية وكارثية في سورية، وحالة غير مسبوقة من التردي والانحدار في السياسة المصرية، بمختلف النواحي، لكنه سيبقى متجاهلًا المعطيات التي تشكلت، إن كان في سورية أو مصر.

التلمّس الخجول والمربك لأحزاب وقوى، يُفترض أنها ثورية أو نخبوية، لِما يجري من إعادة نهوض الثورة مجددًا في مصر، سبقتهما في ذروة وحشية الأسد تظاهراتٌ عارمة في الشمال السوري والجنوب السوري، أبرزت هوية المجتمع المدني الثائر إلى اليوم، لم تتقن أحزاب سياسية ونخب عربية، ثورية ومعارضة، مسألةَ الربط بين ما ترسّخ وما نتج عن سلوك الطاغية والمستبد، متناسين أن سيطرة الطاغية بالعسكر وإرهاب الأمن على المجتمع ستؤدي إلى انهيار حتمي، هذا في حالة “السلم الأهلي”، فكيف ستكون النتيجة في حالة جرائم الحرب غير المنتهية في سورية، وجرائم الدمار الشامل والتهجير، فضلًا عن التفريط بالاقتصاد وبالسيادة ورهن البلاد لقوى الاحتلال المختلفة؟

كل تفصيل من تفاصيل الحياة في سورية، محفزٌ أعلى بملايين المرات لاندلاع ثورة شعبية، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل آذار/ مارس 2011، وبحال سيطر الأسد على كامل الجغرافيا، أو كان قدوة لطغاة في المنطقة، أو مصدر إعجاب لقوى وأحزاب عنصرية وفاشية بالغرب، وقوى “ثورية” في المنطقة؛ فالجميع يهرب من حقيقة ماثلة أمامنا تبدت بانهيار جدران الخوف في الميادين والأزقة والبيوت العربية، وإن صوّرتها الماكينة الإعلامية للنظام العربي على عكس الحقيقة، فهي ترتعب من نقل الصورة والتجول بحرية داخل العقول والصدور التي تحمل ما يصعب على الطاغية تصوّره، أو حتى التفكير فيه.

النظام في دمشق، بمفاعيله القائمة وطموحاته المستندة إلى قوتي احتلال، ليس خطرًا فقط على الشارع السوري، من حيث ترسيخ الهيمنة الوحشية وإدامة الرعب، بل إنه مثلٌ يتخذه طغاة آخرون في المنطقة، لترويج محبة العقل العربي للسياط والبسطار العسكري، فمن غادر الربط بين دروس ما قبل اندلاع الثورة في سورية ومصر، سيفشل حتمًا في قراءة النتائج، وسيفشل في تكريس مفاهيم ضيقة أنانية وضيقة بالمعنى القطري أو الوطني، لأنها انتهت بطبيعة الحال إلى عقد صفقات تنحصر بوجود ووظيفة النظام القائم.

لعل التجربة السورية، أو المصرية في دروسهما الضخمة، التي تطورت خلال عقد كامل، تطرح، ربما في أكثر من تجربة وعلى أكثر من صعيد، موضوع وحدة السياسة والأخلاق، ووحدة الدروس، غير أن التجربة السورية تميّزت بلا أخلاقية مستطيرة، ولذلك فإن أي بحث معمق لأفق سورية يجب أن يمزج المعرفة بالفعل الذي يقود إلى نهاية النظام القائم، لأسباب بسيطة ودروس أبسط، لم يعد ينفع معها التضليل والتجهيل والغوغاء والإرهاب.

أخيرًا، كل نتاج الوهم الذي يسوقه الطاغية، عن الانتصار، أو ترويج الإعجاب بقدرته على تعميم القهر والظلم، يرتبط بسياق صحيح يشير دومًا إلى النهاية المنتظرة لكل مستبد وطاغية، حتى لو بدا الأمر بالغ الصعوبة، لكنه لن يكون مستحيلًا بالتأكيد، والدرس لم ينتهِ بعد، لا في سورية ولا في مصر، وستَفرح الملايين في أرجاء المعمورة من النيل إلى بردى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق