مقالات الرأي

التلاعب بالشعوب عبر التنميط والمصطلحات

تأخذ الصراعات الراهنة بين الدول أشكالًا متعددة: اقتصادية، تجارية، دينية، إعلامية، ديموغرافية، تكنولوجية وغيرها، ودفع تقلّص استخدام القوة العسكرية المباشرة إلى استخدام وسائل حديثة في المواجهات، مثل فرض عقوبات اقتصادية، وزيادة الرسوم الجمركية، وتطبيق حصار تجاري محكم، أو القيام بحملات إعلامية دعائية معادية، والتجسس الإلكتروني على مواقع رسمية، واختراق شبكات التواصل الاجتماعي، والتأثير في توجهات الرأي العام، وتغيير مزاج الناخبين، وصولًا إلى القدرة على التدخل الفعال عن بعد في تقرير مصير ومستقبل بلاد أخرى.

من المعروف أن أساليب الحرب النفسية تُستخدم في النزاعات بين الدول، وتستغلها أجهزة استخبارات الأنظمة الدكتاتورية لفرض سطوتها على الشعوب، وتطور ذلك باستخدام تطبيقات علم النفس الحديث، حيث تجاوز الطرق التقليدية في التجسس المباشر، وبث الشائعات والأكاذيب والمبالغات، نحو زرع مصطلحات مبتكرة ومدروسة، لإحداث تشويه متعمد ومديد في اللاوعي السياسي، وابتداع منهجي لصور وأنماط سيئة عن جماعات وأفراد، لاستغلالها في الصراعات الدائرة، ولا يتعلق ذلك بالصور النمطية السائدة في الثقافة الشعبية، ونظرة الشعوب إلى الآخر وتقييمه، التي تبنى خلال عقود من التفاعل الثقافي والحضاري.

تسبب حروب المصطلحات والتنميط مفاعيل سيئة، لا يستهان بها على المدى الطويل، وتحدث تأثيرات اجتماعية عميقة، يصبح من الصعب محوها فيما بعد من الذاكرة الجمعية، وتعدّ المجتمعات الضعيفة المتخلفة صيدًا سهلًا، كونها غير محصنة ثقافيًا وفكريًا، ويرسخ خضوعها ما تعانيه من أزمات هوية وانحسار حضاري وخضوع طويل تحت هيمنة الاحتلال والقوى الخارجية.

عانى العرب تاريخيًا من هجمات شعوبية موجهة ضدهم، وفي سياق صراع مستمر بين غرب شرق، أو شمال جنوب، تعرضوا لحملات تنميط مسيئة من الغرب و”إسرائيل”، لكن ردات أفعالهم اتسمت بعدم الجدية الكافية، بالدعوة للرفض غير المعلل، مع الدعوة للتمسك أكثر بالماضي والتراث، وأدى الفشل في المواجهة إلى تحوّل الأنظمة العربية في نهاية المطاف إلى الدفاع عن طروحات أعداء الأمة وتبنيها.

روّجت “إسرائيل” مصطلحات متوافقة مع برامجها المرحلية وخططها طويلة الأمد في اغتصاب فلسطين، ونجحت في تحويل الاحتلال الصهيوني إلى مجرد قضية أو أزمة في منطقة الشرق الأوسط، ومن الغريب ألا تظهر للعرب ردّات أفعال مؤثرة أو علامات اهتمام في مواجهة ما يسمى “صفقة القرن” التي ستقرر مستقبلهم.

طرح الغرب باستمرار صورًا مسيئة عن الشرق العربي، تمثل العربي يقطن في خيمة في الصحراء ويتنقل فيها عبر الجِمال، ويصرف حياته في اللهو والعبث في مجتمع مغلق من الشهوات والحريم، وأعطته تلك الصورة النمطية المبررَ الأخلاقي للهيمنة على العرب واستغلال ثرواتهم، وغير الغرب تنميط العربي إلى صورة إرهابي قاتل، على خلفية أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وربط ذلك بالإسلام والتطرف، وأدى ذلك إلى تزايد حالة الإسلاموفوبيا والعداء للعرب والمسلمين وابتزازهم، وزيادة نفوذ اليمين المتطرف في الغرب.

طرحت الأنظمة الانقلابية الدكتاتورية الكثير من الشعارات المؤدلجة، تماشت بداية مع موجات سائدة في اليسار والاشتراكية ومحاربة الرأسمالية والإمبريالية، ثم تحوّلت نحو ما أُطلق عليه “محور المقاومة والممانعة”، والادعاء بمواجهة المشاريع الصهيونية في المنطقة، واستغلال ذلك في السيطرة على مقدرات الشعوب وتكريس تخلفها.

خضع الحراك الشعبي العربي لتنميط مبكر، من خلال تسميته بالربيع العربي، بقصد دفعه إلى محاكاة الحركات البرتقالية في أوروبا، وأحدث ذلك تصورات خاطئة عن سهولة تغيير الأنظمة العربية والدولة العميقة، وإمكانية رضوخ الحكام لضغط الشارع ومطالبه، وتعدّ الموجة الأولى من حراك تونس ومصر سهلةً، مقارنة بما حدث من حروب وكوارث إنسانية بعد ذلك، في سورية واليمن وليبيا، لسوء التعامل مع تطورات الوقائع وعدم التصدي للتشدد والتطرف.

وضع نظام الأسد سيناريوهات مختلفة لدفع الثورة السورية باتجاهها، وكشف ذلك ما عرضته بثينة شعبان، بعد أيام من انطلاق حراك درعا، حيث عرضت أنماطًا مرسومة لعسكرة الثورة ثم أسلمتها، وصولًا إلى تشكيل الإمارات الإسلامية وشيوع التطرف والإرهاب، وشرعن النظام استخدام كافة الوسائل لضمان استمراره، ومن بينها تسخير وسائل الإعلام والكتّاب والأدباء والفنانين لتقديم إنتاج يخدم رؤيته في تنميط الثورة، وتحويل الرأي العام إلى كراهيتها، والتوقف عن التعاطف معها، من خلال التركيز على الأخطاء وتضخيمها وشيطنة المعارضين والناشطين.

تلعب وسائل الإعلام المختلفة دورًا أساسيًا في نشر أفكار التنميط المنهجية والمصطلحات المبتكرة، وتسهم في ذلك الشبكة العنكبوتية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديث، ويتم نشر الصور الجديدة وترسيخها، من خلال تكرارها الكثيف المبرمج بأشكال وصور مختلفة، في نشرات الأخبار والمقالات والتقارير والتحقيقات والوثائقيات، وفي أعمال أدبية فنية مكرسة لغاية تشويه الثورات والترويج للثورات المضادة، ويقوم بذلك طبقة من المثقفين أو النخبة، ويوسم عملهم لصالح الأنظمة ضد الجماهير وقيم الحرية باسم خيانة المثقفين.

من الصعب مواجهة الشائعات والأكاذيب وحملات التضليل التي تطلقها أجهزة الاستخبارات، وتعقدت الأمور مع استخدام تطبيقات علم النفس الحديث، والقدرة على اختراق الحياة الشخصية والجماعية، عبر عمليات تجسس واسعة باستخدام تقنيات معقدة، إضافة إلى احتكار شركات عملاقة لوسائل الإعلام المؤثرة والنافذة.

تبدو البشرية هذه الأيام بالفعل تحت سيطرة الأخ الأكبر الذي تحدث عنه جورج أورويل، في رواية (1984)، ويبقى الأمل في صحوة المجتمعات البشرية وتضافر جهودها، للحفاظ على مكتسباتها الحضارية، ويدعم ذلك فضاء مفتوح للتواصل عبر العالم، يسهم في تحصين المجتمعات والشعوب من التلاعب والغزو الثقافي والفكري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق