قضايا المجتمع

بين استنكار الأوقاف والخروج عن الأعراف

ليست الأرض وحدها ما تغيّر في سورية، من بعد حربٍ استمرت تسع سنوات عجاف، بل تغيرت كثير من الأمور حتى الأعراف والقيم. وبين هجرة ونزوح، بات من الصعب أن تعرف من أي وجهة جاء هذا الشخص أو ذاك، وهذا ما دفع كثيرين إلى تغيير سلوكهم الأصلي، ليندمجوا في البيئة التي احتضنتهم من جديد.

وسط تصريحات مسؤول للنظام السوري، حول فرض غرامة مالية بقيمة (500 ل.س) على من يمارس فعلًا “غير أخلاقي”، وبين استنكار لوزارة الأوقاف التابعة للنظام، ضاعت القصة والقانون والناس.

قبل أيام، كشف “مدير الحدائق” في محافظة دمشق التابعة للنظام السوري محمود مرتضى، عن فرض النظام لغرامةٍ مالية على من يمارس فعلًا “غير أخلاقي”؛ بهدف الحد من انتشار ظاهرة الأفعال غير الأخلاقية في الحدائق العامّة. ولم يكن قرار المخالفة جديدًا، إذ نصّ قانون العقوبات المطبق في سورية على جرائم تحت عنوان (الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة)، بهدف حماية الشعور العام من أن يتأذى من عمل شاذ يخدش الحياء العام للمجتمع.

وعلى الرغم من أن قانون العقوبات لم يحصر الأفعال التي تطالها عقوبة هذه المخالفة، فإن محكمة النقض السوري عرّفت جرائم التعرّض للآداب العامة، بأنها أي فعل تُستعمل فيه الحركات والعمل، أما جرائم التعرض للأخلاق العامة، فيستعمل فيها الكلام والصراخ أو وسائل التعبير الكتابية والرسوم، ومن هذا التعريف، فإن القُبلة تعدّ من الجرائم المخلّة بالآداب العامة والأخلاق العامة.

ويشترط لاكتمال جريمة التعرّض للآداب العامة، توفّر الركن المادي، الذي يشمل كل فعل فيه مساس أو سخرية أو عدم مبالاة بقواعد السلوك التي تعارف عليها الناس، وأصبح انتهاكها يؤذي شعورهم، بحسب نقض سوري ـ جناية 183 قرار 100 تاريخ 28/2/1965.

ونصت المادة 517 من قانون العقوبات على أنه يُعاقَب على التعرض للآداب العامة، بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، فيما نصت المادة 518 على أنه يعاقب على التعرض للأخلاق العامة، بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من ثلاثين ليرة إلى ثلاثمئة ليرة.

من جهة ثانية، نفت وزارة الأوقاف التابعة للنظام السوري، بعد أيام، صحة الحديث عن “غرامة القُبلة”، واعتبرت أنها وثيقة مزورة “مصدرها الخونة خارج القطر”، بحسب تعبيرها، ولا يوجد في الوزارة شعبة اسمها “شعبة الأخلاق العامة”.

من وجهة نظر اجتماعية، يرى الاختصاصي الاجتماعي ريزان جابو، في حديث إلى (جيرون) أن “مفهوم العادات والأعراف غير واضح، ولكن يمكن اعتباره مجموعة القيم الخاصة بالمجتمع، التي تكون نتاج طبيعة السلوكات والقيم الدينية والسلوكات المتوارثة عبر الأجيال. ويصعب تحديد ركائز مفهوم عادات المجتمع السوري، بسبب وجود أفعالٍ غير مقبولة في العرف، وفي الوقت نفسه هي غير محرمة دينيًا”.

واعتبر أن “القُبلة الحميمية في الأماكن العامة تمثل إيحاءً جنسيًا في أبعادها، وهي لم تكن موجودة في أي من أعراف أطياف المجتمع السوري، وبالتالي يُعدّ هذا التصرف خارجًا عن المألوف، والمشرعون هم من يسنّون القوانين الضابطة لهذا التصرف، بحسب التوجّه العام للدولة”.

وأشار إلى أن “الكثير من الدول الأوروبية تجرّم العُري في الشارع، وتنص على مخالفة لهذا الفعل، لأن هذا الفعل مرفوض من قبل المجتمعات الأوروبية، هذا يعني أن لكل دولة سلّمًا للحدود، وكل مجتمع له مجموعة قيمية، والفارق الأساسي هو قوننة العادات بما يتطلبه المجتمع”.

واعتبر جابو أن هناك “إشكالية في المجتمع السوري، فإذا عدنا عشرين عامًا، لاحظنا أن المجتمع السوري بامتداده كان عبارة عن خليط من المجتمعات المتنوعة، سواء أكان التنوع دينيًا أو طائفيًا أو اثنيًا أم منبتيًا، فما هو مقبول في المدينة غير مقبول في الريف مثلًا، لذا نلاحظ وجود اختلاف في القيم المعيارية التي تحدد ما يجوز وما لا يجوز في المجتمع”.

وأشار المختص الاجتماعي إلى أن النظام السوري ما قبل الثورة كان يسعى بشكل دائم لخلق حالة من الجمود بين أطياف وأبناء الشعب السوري، مؤكدًا أن “النظام لعب دورًا سلبيًا في هذا الموضوع، إضافة إلى قصوره في سن القوانين الواضحة، ففي الدول المتقدمة يتم قوننة الأعراف، ليكون الجميع تحت ظل قانون موحد”، على حد تعبيره.

وشدد على أن “النظام لعب دورًا أساسيًا في عدم سيادة القانون، وسعى لضبابية تطبيقه، وعمل على منع تعرّف مكونات المجتمع السوري إلى بعضها البعض، ما أدى إلى انعدام ما يسمّى هوية المجتمع السوري”. وأكد أن “المجتمعات في الحروب تنفتح على بعضها، وبالتالي تخف سلطة مراقبة العرف وآلية الضوابط الاجتماعية”، مشيرًا إلى أن هذا الأمر بدا واضحًا، بعد عمليات النزوح الكبيرة التي حدثت في الداخل السوري، إذ إن الشخص في هذه الحالة يشعر بأنه أُعتق من هذه الضوابط التي كانت تضبطه، كما أن الانفلات الأمني في الحروب يؤثر بشكل جذري في مفهوم السلوك المجتمعي.

واستبعد أن تكون الحرب هي السبب الوحيد لتغيّرات المجتمع السوري؛ “فوسائل التواصل الاجتماعي، والانفتاح على الآخرين وتبادل التأثير عبر النت، أسباب تجعل التغيير في عادات المجتمع حالة طبيعية”. وأكد أنه في الدول المتقدمة يوجد مشرعون للقوانين يختارهم الشعب، ومن ثم تُوضع الضوابط التي تناسب البيئة.

أنهى جابو حديثه بالقول: “لا بد من حدوث تغيير في بنية القيم المجتمعية التي كانت موجودة، فنحن خرجنا في بدايات الثورة للمطالبة بالحرية، والحرية لا تتجزأ، فلا يمكن أن تُقمع الحريات بذريعة الحرب، سواء من قبل الدولة أو من قبل المجتمع”، منبهًا إلى أن “التغيرات في المجتمعات هي سيرورة دائمة، لا يمكن الوقوف في وجهها”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق