مقالات الرأي

المعارضة السورية.. رخاوة الخطاب وانعدام الأفق

لا تريد المعارضة السورية، سواء تلك الخارجة على السلطة والرافضة لها، أم تلك المسماة “معارضة وطنية” والتي تقيم تحت كنف السلطة وتختلف معها على الجزئيات وتتناسى الكليات، لا تريد تلك المعارضة انتهاز الفرصة، كما يفترض باللاعبين السياسيين أن يفعلوا، بل إنها مصرة على البقاء حيث وجدت نفسها، أو حيث طلب منها أن تكون، فهي، على الرغم من الظرف التاريخي الملائم الذي وفرته السنوات الفارطات، ما زالت تتصرف بسذاجة وطفولية، ولم تستطع تكوين قاعدة شعبية لها، قد تمكنها في قادمات الأيام من تغيير المعادلة التي وجدت نفسها عليها منذ عقود طويلة.

وعندما نتحدث عن ظرف تاريخي ملائم، فنحن نتحدث عن ضعف كبير اعترى القبضة الأمنية المشددة في كثير من المناطق، بل إنها غابت كليًا في مناطق أخرى، كما أن السلطة نفسها قد تعرضت للوهن والضعف، وبدا في مراحل عديدة أنها لم تعد قادرة على إدارة الأمور ولا التحكم في الملفات التي كانت، في كثير من السنوات، سبب قوتها وسيطرتها، ومع هذا فإن المعارضة، الخارجية تحديدًا، بدت إلى حد كبير مصابة بداء العجز عن الخروج على اللغة الخشبية التي ورثتها عن النظام نفسه، فلم يكن مستغربًا في مرات كثيرة أن نجد تقاطعًا وتشابهًا بين تصريح لأحد الشخصيات المعارضة، وتصريح آخر لقيادي في حزب البعث، وكان يكفي حجب الاسم مثلًا، ليقع المتلقي في حيرة إلى من يمكن أن ينسب ذلك التصريح.

رخاوة الخطاب المعارض ظهرت مع الأيام الأولى للثورة، وتمثلت بالاستناد الكلي إلى الخطاب العاطفي، من دون تقديم حلول سياسية أو رؤية سياسية، فقد اجتهد المعارضون الذين حرصت القنوات الفضائية على استضافتهم بكثافة، على ترديد الجمل نفسها تقريبًا في كل مرة، وسواء أكان المتحدث جالسًا في إسطنبول أم في باريس أم في القاهرة، فقد سمعنا “النغمة” نفسها: النظام المجرم، الشعب البريء، كذا إلى آخره من عبارات قد تلقى رواجًا في أوساط العامة، بعض الأحيان، لكنها لن تتطور إلى خطاب سياسي متوازن لدى دوائر صناع القرار الدولي، الذين كانوا في وقت من الأوقات يراهنون على تلك المعارضة، ويدعمونها، ربما ظاهريًا على الأقل.

لذلك فإن المعارضة السورية/ الخارجية، لم تستطع أن تضع تصورًا لمشروع وطني سوري، وإلى يومنا هذا قد تعود لتكرر الكلام نفسه تمامًا، من دون أن يحدث على خطابها أي تغيير، بل إنها تكرره فعلًا، مع إضافة جملة جديدة تتحدث عن خذلان المجتمع الدولي، فما الذي كان مطلوبًا من المجتمع الدولي أن يقوم به لمجموعات معارضة مختلفة فيما بينها، والأهم أنها لا تقدم رؤية واضحة؟

سألت على هامش اجتماع للمعارضة السورية عُقد في القاهرة صيف العام 2013 أحد الشخصيات البارزة في المعارضة، عما اتفقوا عليه في اجتماعهم، فقال حرفيًا: التأكيد على أهداف الثورة، وكشف جرائم النظام المجرم. الجواب نفسه سمعته بعد أربع سنوات في العاصمة الفرنسية باريس. لم يطرأ أي تغيير، ولا حتى في الصيغة، على الرغم من أن الحديث في القاهرة كان يمكن، على الأقل، اعتباره حديثًا عاطفيًا، إذ كانت الثورة وقتها في ذروتها، وكانت قادرة على التأثير، لا في الشارع السوري فحسب، بل في الشارع العربي وربما العالمي أيضًا. لكن ألا يشبه إلى حد كبير ما يردده نظام دمشق من “التأكيد على أهداف أمتنا، وكشف جرائم العدو الصهيوني”؟!

ليست المرة الأولى التي أطرح فيها هذا التساؤل عما فعلته المعارضة السورية، ولن تكون المرة الأخيرة، طالما أن تلك المعارضة تتصدر المشهد، وهي تسير اليوم إلى لجنة صياغة الدستور، لا مختارة بطبيعة الحال، لكن مسيّرة بأمر من داعميها أو مشغليها، سوف تلجأ إلى لغتها الرخوة نفسها لتبرير انخراطها في تلك العملية، التي سوف تشكل على المدى الطويل إعادة إنتاج للنظام، ولن نستغرب في قادمات الأيام تصريحًا يقول صاحبه، أيًا كان ثقله، إنه إنما شارك في تلك اللجنة أو اللجان لـ “تحقيق أهداف الثورة”.

لو أردنا وضع قائمة بأسماء التكتلات، والتجمعات، والأحزاب السياسية السورية التي تشكلت خلال السنوات الفارطات؛ لصدمتنا الحصيلة النهائية، فنحن أمام كمٍّ هائل من تلك “الكيانات” التي يتجاوز حجم بعضها صفحة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من تشابه رؤاها جميعًا، تقريبًا، فإنها لا تتفق بين بعضها على أي شيء، أقلّه، على طرح مشروع مشترك، قد يؤخذ أو لا يؤخذ به في مقبلات الأيام، لكنه على الأقل قد يترك أثرًا. أما هذا التشظي اللامفهوم، وتبادل الاتهامات بلا أي أفق واضح، فهو لم يعد مشكلة العمل السياسي السوري، بل صار ميزة تميزه، ويمكننا بناء عليه توقع أن تستمر هذه الحالات سنوات وسنوات، ربما حتى يظهر جيل جديد قادر على الثورة على فكرة المعارضة نفسها، وابتكار فكرة جديدة قادرة على الحياة.

أخيرًا، طرحت إحدى المؤسسات الأوروبية غير الحكومية فكرة دعوة مجموعة من الأحزاب السياسية السورية للحوار فيما بينها، فصدمت المؤسسة بحقيقة أن أكبر تجمع قد لا يضم أكثر من ثلاثة أو أربعة أشخاص!! قال ممثل المؤسسة ساخرًا: هؤلاء لا يستطيعون الدفع بممثل لهم للنجاح في عضوية حي سكني، فكيف سيكون الحال مع برلمان؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق