تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“إبر تخدير” أو “رفع عتب”.. لجنة تحقيق أممية في سورية

شكّل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس لجنة تحقيق أممية، للتحقيق في سلسلة هجمات استهدفت مستشفيات ومراكز طبية، في آخر معاقل المعارضة السورية المسلحة شمال غرب سورية، ووضع على رأسها الجنرال النيجيري شيكاديبيا أوبياكور، ومن ضمن الفريق السنغافورية جانيت ليم، والبرتغالية مارتا سانتوس بايس، على أن تبدأ عملها في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر الجاري، أي بعد نحو عشرة أيام.

اللافت في الأمر أن الأمم المتحدة قالت إن اللجنة سوف تتأكد من الحقائق بشأن الهجمات على المستشفيات، لكنها لن توجه اللوم إلى أحد، ولن يتم الكشف علنًا عن نتائج تحقيقات اللجنة، أي أن الأمر سيبقى سريًا، ولن يُكشف النقاب عن المجرم، ولن يُتّهم أحدٌ أو يُدان.

وبحسب تقرير متخصص، صدر قبل أيام، لاتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية (أوسم)، فإن قوات النظام السوري والطيران الروسي قاما باستهداف المنشأة الطبية رقم 50 في شمال سورية، خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، على الرغم من أن الاتحاد كان قد قدّم إحداثيات المرافق الطبية للأمم المتحدة التي قدّمتها بدورها لكافة الأطراف المتصارعة في المنطقة، كي لا تستهدفها. وقالت الأمم المتحدة إن الهجمات التي تستهدف المدنيين والمرافق الصحيّة في محافظة إدلب، على الرغم من أنها ضمن مناطق اتفاق خفض التصعيد، يمكن أن ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.

ووفق تقرير آخر أصدره (منسقو الاستجابة في سورية) فإن روسيا وقوات النظام السوري استهدفت المنشآت الحيوية والطبية والمستشفيات والنقاط الطبية والمسعفين والأطقم الطبية وفرق الإسعاف، في شمال غرب سورية، بشكل متكرر ومباشر ومقصود، وانتهكت القانون الدولي وحقوق الإنسان.

تقول روسيا إنها لا تستهدف المنشآت المدنية في حربها في سورية، ويقول النظام السوري إنه لا يستهدف المشافي، بينما هما الوحيدان اللذان يشنان هجمات جوية على تلك المنطقة من سورية، والوحيدان اللذان يملكان سلاح طيران هناك، وهو يُرى بالعين المجردة حين يشن غاراته العنيفة العمياء التي لا تُميّز بين عسكري ومدني وإنساني.

ما حدث في إدلب هو تكرار جديد للأساليب العسكرية التي لجأت إليها قوات النظام السوري في بقية المناطق السورية منذ بدايات الثورة، حيث درجت على قصف المشافي والفرق الطبية، واعتقلت الأطباء وقتلتهم، ودمّرت البنى التحتية الصحية حتى على مستوى مراكز إسعافية وطبية صغيرة محلية في القرى والبلدات.

الجميع يعرف أن الجرائم التي يقوم بها النظام السوري وروسيا هي جرائم موصوفة وموثقة وبيّنة، لا يمكن أن يختلف حولها اثنان، والمجرم في حالات استهداف المشافي معروف، كما هو معروف من استخدم السلاح الكيميائي في الغوطة وغيرها، ومن اعتقل مئات الآلاف وقتل عددًا غير معروف منهم، وقصف المدن والقرى والبلدات، وأباد بعضها عن سطح الأرض، ومع هذا تقول الأمم المتحدة إنها سترسل لجان تحقيق جديدة سرية وصامتة وغير مُلزمة، ولن تتهم أحدًا، ولن تُوجّه اللوم إلى أحد!!

من غير الواضح ماذا تريد الأمم المتحدة، هل هي تقوم بمهامها الروتينية البيروقراطية و”كفى الله المؤمنين القتال”؟ أم تقوم بما تقوم به من أجل “سد الذرائع”؟ أم تفعله من أجل إسكات بعض الأطراف الثرثارة أو صاحبة الصوت العالي؟ أم أنها “تُخدّر” الضحايا والرأي العام المحلي والدولي؟!

لجأت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى تشكيل لجان تحقيق متعاقبة في سورية، حين بدأ النظام السوري باستخدام المدافع والطيران المروحي لقتل المدنيين العزل بشكل عشوائي، وتبعتها لجان للتفتيش عن الأسلحة الكيمياوية والأسلحة المحرمة دوليًا، وشكّلت لجانًا للتحقيق في مجازر موصوفة ارتكبها النظام السوري، وسط وجود مئات شهود العيان، وأرسلت مراقبين ومحققين عسكريين ومدنيين ومختصين، وكل ذلك كان عملًا عبثيًا بلا جدوى، ولم يستطع أي من تلك اللجان توجيه إصبع الاتهام للقتلة، ولم يصدر عنهم أي قرار إدانة واضح، ولا أي معلومات حاسمة بشأن استخدام العنف العسكري المطلق في سورية، ضد المعارضة السورية أو البيئة الحاضنة لها.

تعرف الأمم المتحدة، كما يعرف الغرب بعمومه، وكما يعرف السوريون أيضًا، أن الذين يملكون القدرة على التدمير والقتل بالجملة والتهجير في سورية هم النظام السوري وحلفاؤه، وأن الذين يملكون القدرة على استخدام الطيران في عمق ووسط سورية هم النظام السوري وحلفائه، وكذلك يعرفون هوية الضحايا وانتماءاتهم، ومع هذا، تقول إنها لن توجه اللوم إلى أحد، ولن يتم الكشف علنًا عن نتائج تحقيقات اللجنة!

لا تحتاج الأمم المتحدة إلى لجان تحقيق لاتهام النظام السوري وروسيا بغالبية المجازر التي حدثت في سورية، سواء في القطاع الطبي أم الخدمي أم التعليمي أم في غيرها، بل تحتاج فقط إلى ضمير حي ونيّة جادة وقرار صارم، ليس فقط لتوجه الاتهامات للنظام السوري وروسيا، بل لتجد آلاف الدلائل والبيّنات والإثباتات والشهود، لتحسم أمرها وتُعلن هوية المجرمين.

تنتشر الأقمار الصناعية فوق سورية بعدد النجوم، وتستطيع الأمم المتحدة وعشرات الدول الأخرى تقديم خرائط تفصيلية لمسار كل طائرة حربية ومروحية تحوم في كل المناطق السورية، وتستطيع تحديد مصدر القذائف والصواريخ والراجمات بدقة متناهية، ضمن جدول زمني رجعي يعود لسنوات، ومع هذا تقول الأمم المتحدة إنها تريد لجنة خاصة لتحديد مصدر الموت الذي يضرب سورية، ومستشفياتها البسيطة ومستوصفاتها وكوادرها الصحية!

بدءًا من آب/ أغسطس 2011، أرسلت الأمم المتحدة ومنظمات دولية ومجالس حقوقية ومؤسسات متخصصة لجانَ مراقبة وتحقيق وتقص إلى سورية، للوقوف على الحقائق والظروف التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتحديد المسؤولين عنها بغية مساءلتهم، ومددت مرارًا ولاية اللجنة، وأصدرت منذ بداية عملها أكثر من عشرين تقريرًا والعديد من التحديثات الدورية، عرضت فيها انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في جميع أنحاء البلد، واستندت فيها إلى مقابلات أجرتها مع أكثر من 6 آلاف شاهد وضحية، كما أُجريت مقابلات بالهاتف و(السكايب) مع ضحايا وشهود، وبات لديها مئات ألوف الصور ومقاطع الفيديو، إضافة إلى سجلات الطب الشرعي، وتقارير واردة من حكومات ومن مصادر غير حكومية، ودراسات تحليلية أكاديمية، وتقارير الأمم المتحدة، وبيّنت أن النظام السوري وحلفاءه ارتكبوا نحو 90 بالمئة من الانتهاكات الدولية وجرائم الحرب والمجازر وحالات التدمير والقتل والإخفاء القسري. حتى إن المفوضة الأممية السامية لحقوق الإنسان أشارت غير مرة، بشكل مباشر، في تقارير لها، إلى أن أشخاصًا بأعلى المستويات في الحكومة السورية، من ضمنهم الرئيس بشار الأسد نفسه، تسببوا في الدمار الأكبر، ومع هذا لم تتم محاسبة المجرم على فعليته.

إن ما تقوم به الأمم المتحدة هو تصرّف عبثي بأحسن الحالات، وإن افترضنا حسن النيّة، ومن غير المستبعد أن يكون “إبر تخدير”، أو “رفع عتب”، أو “ممارسة سريالية” لا تهمّ أحدًا سوى أصحابها، أو هو هروب من استحقاق تاريخي لا تريد أن تبدو أنها تهرب منه.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق