كلمة جيرون

“أنا لا أسمح”

استخدمت روسيا والصين حقّ النقض (الفيتو) الثالث عشر، لمنع صدور قرار عن مجلس الأمن بوقف فوري لإطلاق النار في محافظة إدلب شمال غرب سورية، بهدف تجنب تدهور إضافي للوضع الكارثي أصلًا في إدلب.

بصفاقة سياسية مؤلمة، تقرر روسيا والصين منع وقف الموت في سورية، على الرغم من أن بقية أعضاء مجلس الأمن الاثنا عشر صوّتوا لصالح اعتماد القرار، وقررتا أن تؤيدا استمرار الحروب في ما وراء البحار بعيدًا من بلديهما وشعبيهما، في تأكيد على أن موت الإنسان لا يعنيهما في شيء، كأي دول تحكمها أنظمة أمنية شمولية فاسدة، بل شبه مارقة.

كلمة (الفيتو) في أصلها اللاتيني تعني (أنا لا أسمح)، وتطورت دلالتها في المحافل الدولية، لتصبح (أنا أعترض)، وهي السلطة الممنوحة للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، والتي تُخوّلها منع المجلس من اتخاذ أي قرار يُعارض مصالحها.

استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في سورية ثلاث عشرة مرة منذ انطلاق الثورة السورية، لحماية النظام السوري الذي فعل كل ما يمكن فعله لترسيخ وتثبيت أركان حكمه، ومنعت روسيا قرارات كان من شأنها أن توقف الموت والدمار والكوارث، وشاركتها الصين أكثر من نصف هذه الـ “فيتويات”، وباركتا كل الشرور التي أطلقها النظام السوري ضد الشعب المسكين.

إذًا، تساهم روسيا والصين في استمرار مقتلة السوريين، وترفضان وقف العنف وسيل الدماء، كما ترفضان الحلول الإنسانية، ولا تراعيان الأوضاع الكارثية التي عاشها ويعيشها السوريون، وتتفاخران بـ (أنا لا أسمح) و(أنا أعترض) و(أنا أُجهض) كل ما من شأنه وقف الموت في سورية، وكأن لهما الحق في “استباحة” السوريين.

دولتان تبعدان آلاف الكيلومترات من سورية، ولا يربطهما بالشعب السوري أي رابط جامع أو موحّد، لا لغوي ولا ثقافي ولا تاريخي ولا سياسي ولا اقتصادي ولا قومي ولا حتى ديني، تريدان أن تتحكما في السوريين، وترسما لهم مستقبلًا وفق أهوائهما ونزواتهما ومصالحهما، في تطبيق أبلق للمبدأ الوحشي القائل “القوي يأكل الضعيف”.

منذ عام 2011 حتى اليوم، قالت روسيا “أنا لا أسمح”، كل عام مرة واحدة على الأقل، وفي بعض الأعوام، قالت أربع مرات “أنا لا أسمح” أن يحصل السوريون على ما يستحقونه من حياة كريمة وآمنة وحرة.

من حق السوريين أن يسألوا، من أنتم كي تسمحوا أو لا تسمحوا؟ ومن أنتم كي تتحكموا في مصيرنا؟ ومن حق السوريين أيضًا أن يقولوا للعالم إنه آن الأوان لإعادة النظر في كل مبدأ حق الفيتو الذي تتغنى به الدول الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق