سلايدرقضايا المجتمع

طارت “وزة”.. وبقي القن!

يكثر الحديث اليوم، على الساحة السورية، عن عملية الفساد الكبرى التي كُشف عنها في الآونة الأخيرة، وتبلغ كمية الأموال المختلسة، وفقًا لما يتُناقل على صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، 800 مليون دولار، أي ما يعادل 350 مليار ليرة سورية بسعر الدولار الحالي، وكان بطل تلك العملية، هزوان الوز، وزير التربية السابق، الذي شغل أيضًا مناصب أخرى، مثل مدير مديرية تربية دمشق، ومدير التعليم المهني والتقني في وزارة التربية، ورئيس فرع نقابة المهندسين في دمشق.

وقد أكدت بعض وسائل الإعلام، ومن بينها (روسيا اليوم)، أن هناك قرارًا صدر من وزارة المالية بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة، لهزوان الوز وزوجته الأوكرانية إيرينا الوز، وقد ورد اسم الوز في رأس قائمة تتضمن أسماء 87 آخرين ممن شملهم قرار الحجز، إضافة إلى زوجاتهم. أما هزوان الوز نفسه، وفقًا لبعض هذه الوسائل، فقد هرب إلى أوكرانيا.

إضافة إلى ذلك، فقد شككت بعض وسائل الإعلام في حجم المبلغ الذي بلغته عملية الفساد هذه، فيما تحدثت بعض الوسائل الموالية بأن ما يحدث يأتي في سياق “حملة منظمة لمكافحة الفساد” الذي تنامى أثناء الأزمة، في وقت كانت “الدولة” مشغولة عن مكافحته بما هو أكثر أهمية، أي “مكافحة الإرهاب”، فيما فسرت مواقع معارضة ما يجري، بأنه يأتي كحملة يقوم فيها النظام المفلس اقتصاديًا بمصادرة أموال بعض كبار “رجال الأعمال السوريين”، لتأمين بعض العائدات لخزينته.

في هذا المقال، لن نخوض في هذه الملابسات التي لا يمكن الحصول فيها على معلومات موضوعية مؤكدة، ولن نركز أيضًا على تفاصيل العملية بحد ذاتها، فعلى الرغم من ضخامة المبلغ الذي يجري الحديث عنه، وعلى الرغم من حدوث العملية في مؤسسةٍ يُفترض فيها أن تكون أحد معاقل نشر الأخلاق والفضيلة في المجتمع، هي وزارة التربية، فإن الحادثة بحد ذاتها ليست طارئة ولا غريبة، ولا تحمل أيّ صبغة استثنائية مميزة، وهي لا تشكل أكثر من حلقة من مسلسل الفساد المستمر منذ عقود في سورية، الذي بات يضرب جذوره بشكل عميق وواسع في الدولة والمجتمع. ما يهمّنا هنا التركيز على الآلية التي ما تزال متّبعة في التعامل مع هذا النوع من الأحداث، وسنصنفها في أربعة محاور:

  • الأول على الصعيد السياسي، حيث لا يخفى على عاقل أو مثقف أن العلاقة بين الفساد والاستبداد هي، في كل زمان ومكان، علاقة جوهرية وثقى، فالاستبداد ينتج الفساد ويحتاج إليه، والفساد يحتمي بالاستبداد الذي يمنع فضحه ومحاربته، وبما أن الميدان السياسي في سورية هو خط أحمر، فليس مسموحًا قطعًا القيام بأي إشارة إلى أيّ علاقة بين النظام السياسي القائم والفساد، أو إلى أي دور لهذا النظام في استفحال الفساد، ومن يفعل ذلك؛ يعاقَب بعنف على فعلته هذه، إذ إنه يضع نفسه تلقائيًا في خندق معاداة النظام الحاكم.
  • الثاني على المستوى الإعلامي، وهو بدوره إعلام سلطوي تابع خاضع، ويستشري في وسطه الفساد، وبالتالي لا يستطيع هذا الإعلام القيام بأي مبادرة فعلية لكشف وفضح صفقات الفساد، فشبكات الفساد المتغلغلة في مؤسسات الدولة، التي صارت لها فيها اليد الطولى، لا تسمح لأي “إعلامي مشاغب” بأن يتجرأ على التطاول على حصون فسادها، فإن تجرأ وفعل ذلك، فهو من يلاحَق ويعاقب عقابًا شديدًا، بدلًا من ملاحقة الفاسدين ومعاقبتهم. وهذا الأمر ليس جديدًا، وذرائع العقاب كثيرة، مثل “المساس بهيبة الدولة أو إضعاف الروح الوطنية، أو معاداة النظام الاشتراكي، أو تعكير صفو الأمة”، وهلمّ جرًّا.
  • الثالث على المستوى المحاسبي، الذي يتضمن قطاعي الشرطة والقضاء، وما قيل أعلاه عن حال القطاع الإعلامي ينطبق عليهما بدقة، فهما بدورهما قطاعان مشلولان، وليسا أكثر من أدوات سلطوية تخدم مصالح السلطة وتنفذ أوامرها.
  • الرابع على المستوى الأخلاقي، وهنا عادة تُردّ رسميًا كلّ عمليات الفساد إلى عوامل فردية، لتصور كعمل من أعمال ذوي النفوس الضعيفة، ومثل هذا التبرير هو نفسه ما كان يبرر به كل ما يحدث من تعفيش؛ أما على المستوى غير الرسمي، فما زالت تنشر وترسخ دعاية مفادها أن سبب كل الفساد المستشري، هو فساد ضمائر وأخلاق الناس وتربيتهم، ما يعني بمختصر الكلام أن الشعب هو المذنب في كل أشكال الفساد، لأنه ببساطة شعبٌ “قليل الأدب، فاسد الضمير، وسيئ التربية”، وهكذا تصبح “الدولة” بريئة، بل ضحية، والجاني هو الشعب، والمسؤول الفاسد، سواء كان صغيرًا أم كبيرًا، وهو فاسد لأن أسرته التي أنجبته لم تحسن تربيته، إما لأنها بدورها فاسدة أخلاقيًا أو فاشلة تربويًا.

هذا الأسلوب المفروض فرضًا في التعامل مع الفساد، لا يمكنه بتاتًا أن يكون غريبًا على منظومة حكم يستشري فيها ويهيمن عليها الفساد، وتختار ممثليها بأسلوب فاسد يقوم على الولاء والمحسوبية، وهي بطبيعتها الاستبدادية، لا يمكنها إلا أن تكون “مفرخة للفساد” الذي انتشر وترسّخ “بـفضلها” في أوساط المجتمع، ولذلك ليس غريبًا أيضًا أن نجد أغلبية العوام وأشباه المثقفين وأبواق السلطة، يتكلمون عن الفساد بالطريقة التي يريد أرباب الفساد أن يكون الكلام عليه، فممنوع الربط بين الفساد والحالة السياسية الاستبدادية القائمة، وممنوع الحديث عن الفساد بوضعه المؤسساتي واستشرائه في كل مفاصل الدولة، وممنوع العمل على كشف وفضح الفاسدين، إنما المسموح الكلام على الفساد، بوصفه “حالات فردية” ترتبط بفساد أخلاقي شخصي، سببه الأساس فساد أخلاق الشعب الفاسد.

أما في ما يتعلق بقضية “الوز”، وهي قضية ربما تتضح ملابساتها أكثر في الأيام القادمة، فآخر ما يمكن تصديقه فيها هو أنها جزء من حملة منظمة حقيقية لمحاربة الفساد، أي كما وصفتها (روسيا اليوم) في ‏16‏ أيلول‏/ سبتمبر 2019، بأن “أول الغيث قطرة”، ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يمكن بتاتًا للفساد أن يحارب نفسه، والأرجح أن ما يجري يمكن أن يندرج في إطار إجراءات براغماتية سياسية، وهي ليست أسلوبًا جديدًا، حيث تقوم السلطة بالتضحية ببعض رؤوس الفساد، لكي تظهر بمظهر السلطة المسؤولة والملتزمة قولًا وفعلًا بمحاربة الفساد.

على أي حال، سقط أحد الفاسدين، لكن هذا السقوط لا يستحق أن يقال عنه أكثر من أن هناك “وزة طارت… لكن العش أو القن ما يزال باقيًا”، وما أضخم وأوسخ وأخطر عش الفساد في سورية!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق