مقالات الرأي

البوصلة السياسية في المشهد السوري

عندما نراجع مسيرة الثورة والعقبات الكبرى التي وقفت في طريقها، الموضوعية ومنها الذاتية، الداخلية منها والخارجية؛ نشعر بأننا كسياسيين أضعنا البوصلة السياسية منذ السنة الأولى، علمًا أن الحس الشعبي الصادق كان واضحًا لدى الثوار والناشطين والمحتجين الذين عبّروا عن آمالهم وطموحاتهم المشروعة، من خلال الشعارات التي رفعوها، ومن خلال الأغاني والأناشيد التي جسدت بعمق حقيقة الثورة وجوهرها الوطني العفوي.

لكن المصيبة في النخبة السياسية التي وجد بعضها ضالته في الثورة، من خلال التسلق والتربع على صدر الثورة والشعب، بحجة أنهم قادة المعارضة. وفي البداية كنا نخجل أو نتحفظ على ذكر الأخطاء والانحرافات عن خط الثورة، وأكثرها عملية وليست نظرية، فالمتسلقون والانتهازيون يصرخون بصوت أعلى من الجميع في التزامهم بخط الثورة، ولكنهم عمليًا يفعلون أشياء أقل ما يمكن تسميتها بأنها جرائم بحق السوريين، من خلال عملهم من أجل مصالحهم الضيقة والحزبية وتنفيذ أجندات خارجية.

في الداخل، لم نحسن قيادة الصراع ضد النظام، وهناك أسباب خارجة عن إرادتنا، لأن النظام أقوى وأكثر خبرة أمنية وعسكرية وإعلامية، ولكننا نحن بالمقابل عشنا حالة فوضى فظيعة بدون استراتيجية وخطط، بل كنا نتصرف بحسب الفعل وردة الفعل، وكنا عاطفيين جدًا، وهذا مفهوم، ولكن أين دور العقلاء والسياسيين؟ لماذا لم يحللوا ويطرحوا خططًا مدروسة تتم صياغتها بعقل بارد من دون عواطف، فالثورة ليست كتلة من الحماس والعواطف مع أهميتها القصوى، إنما هي تخطيط وتنظيم، وإلا كيف يمكن لثورة أن تقلب نظامًا من دون أن تكون لديها خطط للمستقبل. وقد يقول قائل إن مثل هذه الخطط وُضعت في برنامج “اليوم التالي” الذي شاركت في إعداده لعدة أشهر في برلين، ضمن فريق من المعارضين السوريين والخبراء الأميركيين والألمان، وكان برنامجًا جيدًا يتضمن خطة لإدارة سورية في الأشهر الأولى، وتبعته خطة التحول الديمقراطي التي وضعها الفريق نفسه بعد توسعته في تركيا، ولكن الغريب أن هذه الخطط بقيت على الرف، بينما سارت الأمور باتجاه آخر، ميدانيًا وسياسيًا.

لم يسمح العالم بانتصار الثورة، ودائمًا كانوا يتذرّعون بأن المعارضة والثوار ليس لديهم برنامج عمل ورؤية سياسية. وقد سمعت هذا الكلام من السيد بوغدانوف في بداية الثورة، وقمت بترجمة الرؤية السياسية التي قدمتها لجان التنسيق المحلية، وهي ممتازة (التهمة نفسها توجهها السلطات الروسية للمعارضين الروس، بأنهم ليس لديهم برنامج سياسي!).

ووضعت رؤى سياسية ومبادرات كثيرة ترسم معالم سورية الجديدة، وطرق الخروج من الوضع الراهن لتحقيق مطالب الشعب الذي قدم تضحيات هائلة، من أجل حريته وكرامته وعيشه الكريم، وتشكلت مجموعات وطنية عديدة تضم نخبًا وناشطين يبحثون عمّا يجب فعله، بعد كل تلك التطورات المأسوية التي شهدتها سورية.

ما زلنا نتعثر، ولا نستطيع تحديد البوصلة السياسية التي تقدم لنا طريقًا واقعيًا وعمليًا ومثمرًا، للنهوض من جديد وإنعاش العمل الثوري، والتخلص من حالة الإحباط واليأس التي أصابت الكثيرين.

نحتاج على ما يبدو إلى ثورة ثانية، تبدأ بتغيير أنفسنا، وهذا شرط حاسم لتفعيل العمل الثوري. نحن أمام تحدٍ كبير؛ فإما أن نخرج من عباءة الماضي الذي يقيدنا ويجرنا إلى الوراء بهذا الشكل أو ذاك، أو أن ننفتح ونكون شفافين، ونتابع مسيرة شعبنا وفاءً لدماء الأحرار الذين قضوا من أجل حريتنا، وأهم نقطة في عملنا هي الاعتماد على الذات والثقة بالسوريين والعمل باستقلالية.

وكما يقول المثل الصيني “أطول طريق يبدأ بخطوة”، نحن نحتاج إلى الخطوة الأولى الصحيحة، التي تشعر بها العديد من النخب، وهي جاهزة للعمل من أجلها، ولكن هناك معوقات أيضًا موضوعية وذاتية. هناك من ربط نفسه بأجندات خارجية، ولا يستطيع التحرك بعيدًا منها، وهناك من ينظر إلى كل الأشياء من منظاره الذاتي ولا يستطيع تجاوز الأنا.

يبدو أن الثورة السورية عظيمة جدًا، لدرجة أن العالم اجتمع وتدخل بطرق مختلفة لإجهاضها، لذلك تكبلت النخب السياسية السورية بعوامل وتأثيرات مختلفة، جعلتهم يضيعون البوصلة الحقيقية لإنقاذ الثورة.

في كل الأحوال، الشعب السوري حيّ يرزق، ولديه نخب وطنية مستقلة، وإن لم يكن لديه أصدقاء حقيقيون في العالم، ولذلك يجب أن لا نيأس من الاستمرار في العمل، ولو بخطى بطيئة نسبيًا لكنها واثقة ومنطقية، وسيكون النصر حليف السوريين، فالنظام انتهى عمره، وتأثير القوى الخارجية لا يمكن أن يكون مطلقًا ودائمًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق