اقتصادسلايدر

رغم الحصار والعقوبات والمطاردة الدولية.. النفط الإيراني يصل إلى نظام الأسد

مخاوف شعبية من أزمة نفطية جديدة تلوح في الأفق

الخزانة الأميركية: ميليشيات (حزب الله) تدير شبكة “النفط مقابل الإرهاب

مع إعلان وزارة الخارجية البريطانية، وتأكيد نظيرتها الأميركية أنّ طهران باعت شحنة النفط التي كانت على متن السفينة “أدريان داريا1” (غريس 1 سابقًا) لنظام الأسد، في تجاهل للتأكيدات التي قدمتها بشأن الناقلة التي سبق احتجازها في جبل طارق لانتهاكها العقوبات الأوروبية، يكون نظام الملالي، الحليف الأول للنظام الأسدي في حربه ضد السوريين منذ منتصف آذار/ مارس 2011، قد نجح في تضليل العالم، وحقق ضربة موجعة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد انتهاكه للضمانات التي قدمها للمجتمع الدولي، حول ناقلة النفط البالغة حمولتها 2.1 مليون برميل نفط، والتي تبلغ قيمتها نحو 130 مليون دولار.

تزامن ذلك مع تأكيد شركة (تانكر تراكرز) التي تتبع تحركات ناقلات النفط حول العالم، أنّ سفينة “سيلفيا 1” الإيرانية قامت بتفريغ مليون برميل من النفط في محطة بانياس السورية في أوائل هذا الشهر، وستعود إلى إيران. مبيّنة أنّ طهران واصلت شحن النفط إلى سورية، رغم العقوبات الأميركية والأوروبية على المصافي السورية.

ووفقًا لإذاعة (فردا) الناطقة بالفارسية من براغ، تعتبر “سيلفيا 1” وهي نوع من ناقلات (سويس ماكس)، أكبر سفينة مصممة لعبور قناة السويس في حالة التحميل الكامل. وكانت شركة (كبلر) للبيانات قد ذكرت، في الخامس من الشهر الحالي، أنّ إيران سلمت يوميًا 33،000 برميل من النفط إلى سورية، خلال آب/ أغسطس الماضي.

ويستمر النظام الإيراني في تصدير النفط إلى نظام الأسد، وكان موقعا (تانكر تراكرز)، و(كليبر داتا)، قد تتبعا في أيار/ مايو الماضي تفريغ الناقلة الإيرانية “ماسال” مليون برميل نفط في ميناء بانياس، خلال الأسبوع الأول من الشهر.

مراقبون رأوا أنّ ما يجري في المنطقة بين الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي من جهة، والنظامين الإيراني والسوري من جهة ثانية، يأتي في ظل ترقب السوريين في المناطق الخاضعة للهيمنة الأسدية – الروسية – الإيرانية، أزمة نفطية جديدة، ترتسم ملامحها مع تشديد الحصار والعقوبات والمطاردة الأميركية – الأوروبية المتزايدة على نظام الأسد، التي تسعى إلى غلق كل أبواب الدعم الإيراني، إلى جانب الإجراءات الداخلية الصارمة تجاه المواطنين السوريين، والتي تعطي كذلك مؤشرات أزمة متوقعة ستكون الأقصى في شتاء 2019 – 2020، خاصة أن حكومة الأسد باتت، مع خسارة معظم مصادر النفط شرقي البلاد، وإغلاق منافذ التوريد الدولية القادمة من إيران والعراق، عاجزةً عن تأمين الاحتياجات النفطية بجميع مشتقاتها، إن كان داخليًا أو خارجيًا، الأمر الذي يزيد من مخاوف الشعب السوري المبتلى بحكم الاستبداد والطغيان الأسدي.

ومن المتوقع، بحسب متابعين محليين، أن ترخي الأزمة المقبلة بظلالها على جميع القطاعات في كافة المحافظات السورية، ولا سيّما الصناعية والزراعية والنقل والتدفئة، لتنعكس نتائجها على الشعب السوري مع غياب البدائل والحلول، وخصوصًا أنّ كافة التصريحات الرسمية في دمشق تعزو جميع الأزمات إلى العقوبات الدولية على سورية.

أدلة أميركية على مخالفة طهران لتعهداتها

وزير شؤون الملاحة في حكومة جبل طارق، أكد منذ أيام، أنّ إيران لم تلتزم بتعهداتها بألّا تبيع النفط الخام للنظام السوري. مشيرًا إلى أنّ حكومته تحركت بدافع حسن النوايا حين أفرجت عن الناقلة (أدريان داريا 1).

فيما قال جيلبرت ليثودي (الوزير المسؤول عن شؤون الموانئ والملاحة في جبل طارق: “أفرجنا عن الناقلة بدافع من حسن النوايا، وبناء على تعهدات قدمتها دولة ذات سيادة”. وأردف، خلال زيارة للندن الجمعة: “على الرغم من الضمانات التي حصلت عليها حكومة جبل طارق، بأنّ السفينة لن تفرغ حمولتها في سورية، فإنّ هذا هو ما حدث بالفعل على ما يبدو”.

ليثودي قال إنه لا يستطيع أن “يجزم” بأن السفينة أفرغت حمولتها في البحر. ومضى قائلًا: “ليس بالضرورة أن يكون ذلك في ميناء، يمكن أن يجري النقل من سفينة إلى سفينة في صورة كميات مختلفة من الشحنات ثم يتم تسليمها”.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية الأميركية: إنّ لدى الولايات المتحدة أدلة على أنّ ناقلة النفط الإيرانية “أدريان داريا 1” نقلت حمولتها من النفط الخام للحكومة السورية، وخالفت التعهدات بألّا تبيع نفطًا لسورية.

وبحسب ما أفادت وكالة (رويترز)، عند سؤال المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس هل لدى الولايات المتحدة أدلة على أن الناقلة وجهت حمولتها من النفط الخام إلى سورية، قالت: “أجل… النظام الإيراني سلّم النفط إلى سورية، وذلك الوقود يتجه مباشرة إلى صهاريج القوات التي تذبح سوريين أبرياء”. وحين سُئلت أورتاغوس مرة أخرى عن أدلة، قالت: “لم نكن لنقول ذلك، لو لم يكن هذا هو الحال”.

بدوره، كشف مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب مارشال بيللينغلسيا، الجمعة، أنّ ميليشيات (حزب الله) تدير شبكة “النفط مقابل الإرهاب” مكونة من 37 كيانًا وشخصيةً، نيابة عن الجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني. مؤكدًا أنّ بلاده ستواصل الضغوط على ميليشيات الحزب اللبناني الشيعي الطائفي لوقف تمويله، وستعاقب كل من يتعامل معه.

وكانت صور أقمار صناعية كشفت، مطلع الأسبوع الماضي، موقع الناقلة الإيرانية على مقربة كبيرة من ميناء طرطوس، وذلك بعد خمسة أيام من إغلاق طاقمها جهاز الإرسال والاستقبال قبالة الساحل السوري. كما أظهرت بيانات “ريفينيتف” لتعقب مواقع السفن أنّ آخر موقع مسجل للناقلة كان قبالة الساحل السوري، وذلك في الثاني من أيلول/ سبتمبر، قبل أن تغلق أجهزة التعقب.

ونشر مستشار الأمن القومي الأميركي المُقال جون بولتون، صورة للناقلة الإيرانية، وقال إنها في ميناء طرطوس السوري. معلقًا في تغريدة له على (تويتر): “أيّ أحد قال إنّ (أدريان داريا-1) لم تكن متوجهة إلى سورية بحالة إنكار. طهران تعتقد أنّ تمويل نظام الأسد القاتل أكثر أهمية من تمويل شعبها”. وتابع: “يمكننا التحدث، ولكن إيران لن تحصل على أيّ إعفاء من العقوبات، حتى تتوقف عن الكذب ونشر الإرهاب”.

وكانت الخارجية البريطانية، قالت في بيان لها الثلاثاء، إن “من الواضح أنّ إيران انتهكت هذه التأكيدات وجرى نقل النفط إلى سورية”.

وأوضح وزير الخارجية دومنيك راب أنّ إيران أظهرت تجاهلًا تامًا للتأكيدات التي قدمتها بشأن (أدريان داريا 1). وأضاف: “بيع النفط هذا لنظام الأسد الوحشي إنما هو جزء من النمط السلوكي لحكومة إيران الذي يستهدف زعزعة الأمن الإقليمي”. ووصف الوزير البريطاني تصرفات طهران بأنها تمثل “انتهاكًا غير مقبول للأعراف الدولية”.

وأعلنت بريطانيا، في وقت سابق، أنها استدعت سفير النظام الإيراني في لندن، للتنديد بما فعلت بلاده، وأنها ستثير المسألة في الأمم المتحدة هذا الشهر.

لكن السفير الإيراني في لندن قال: إنّ “شحنة (أدريان داريا 1) بيعت في البحر لشركة خاصة”، نافيًا مخالفة طهران لتعهدها بشأن السفينة. وأضاف قائلًا: إنّ “العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على النظام السوري لا تنطبق على إيران”. وأوضح الدبلوماسي الإيراني أنّ المشتري الخاص هو من “يحدد جهة البيع”.

وكانت قوات خاصة تابعة للبحرية الملكية البريطانية احتجزت الناقلة، التي كانت تسمى (غريس 1)، في الرابع من تموز/ يوليو الماضي للاشتباه بأنها كانت متوجهة إلى سورية. وأفرجت سلطات حكومة جبل طارق عن الناقلة في منتصف الشهر الماضي، بعد تلقي تأكيدات رسمية مكتوبة من طهران بأنها لن تفرغ حمولتها في سورية.

وأعلنت طهران، الأحد 8 من الشهر الحالي، أنّ ناقلة النفط (أدريان داريا 1) وصلت إلى وجهتها، وتم بيع النفط الذي تحمله، وذلك بعد يومين من وصولها قبالة ميناء طرطوس. وقدمت طهران خمس ضمانات للمسؤولين البريطانيين، بينها واحدة قدمت بخط اليد إلى حكومة جبل طارق، تفيد بعدم توجه الناقلة إلى سورية.

وتسبب احتجاز الناقلة (غريس 1) في تصاعد التوترات مع احتجاز الحرس الثوري الإيراني، في وقت لاحق، للسفينة (ستينا إمبيرو) التي تحمل العلم البريطاني في مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي ينطوي على أهمية استراتيجية في منطقة الخليج العربي.

وكانت واشنطن قد حذرت دول المتوسط من أنّ أيّ تعاون مع الناقلة سوف يتم التعامل معه بصفته دعمًا للإرهاب. ووضعت الخزانة الأميركية، مطلع هذا الشهر، أشخاصًا وكيانات جديدة على لائحة العقوبات (أوفاك)، من بينهم لبنانيون وإيرانيون وآسيويون. وجاء في اللائحة اسم اللبناني علي قصير من دير قانون النهر، إضافة إلى شبكة واسعة من شركات وأشخاص، يقودهم الجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس”، ضالعين في تهريب النفط لـ “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني وميليشيات (حزب الله)، لمصلحة النظام السوري.

ويشرف على الشبكة، بحسب ما نقلت وكالات أنباء عالمية، وزير النفط الإيراني السابق رستم قاسمي، وتضم 40 فردًا وشركة وناقلة نفط، موزعين على الهند ولبنان وسنغافورة والإمارات وقناة السويس وغيرها..

من بين أعضاء هذه الشبكة علي قصير (العمود الفقري للشبكة)، محمد قصير، محمد البزال، وهم أعضاء في (حزب الله)، إضافة إلى الإيرانيين: شمس الله أسدي، محمد رضا أكبري، محمود أشتري، مرتضى قاسمي.

ويشرف كبار المسؤولين في الحرس الثوري الإيراني، المصنف “منظمة إرهابية”، على تصدير النفط الإيراني منذ فترة طويلة، بطرق ملتوية، ويرسلونه إلى نظام الأسد أو وكلائه في المنطقة، وفق ما ذكر بيان للخزانة الأميركية مؤخرًا.

وقال المسؤول الأميركي عن ملف إيران براين هوك، في وقت سابق، إنّ “فيلق القدس يمارس تحركات سرية لنقل النفط الإيراني”، وأنّ إيران حاولت تهريب النفط على أنه نفط عراقي. مؤكدًا أنّ الضغوطات الأميركية على إيران تهدف إلى دفعها للمفاوضات، مضيفًا أنّ “وجودنا خارج الاتفاقية النووية يساعدنا على تحقيق أهدافنا بشكل أفضل”.

ابتزاز إيراني وحكومة الأسد تُذعن

في سياق آخر، ذكرت تقارير صحفية مقربة من المعارضة السورية، أنّ نظام الملالي الإيراني فرض على حكومة نظام الأسد إجراء تعديلات جوهرية على اتفاق خط الائتمان النفطي الموقع بين طهران ودمشق في العام 2013، كشرط أساسي لاستئناف تزويد سورية بشحنات نفط إضافية. وجاءت تلك الشروط بعد توقف إمدادات النفط الإيراني لفترة تزيد عن ستة شهور، شهد خلالها الشارع السوري أزمات نفطية خانقة، تبعتها حزمة إجراءات تقشفية، وزيادة كبيرة في أسعار المشتقات النفطية.

مصادر مطلعة من مجلس الوزراء السوري أكدت، بحسب موقع صحيفة (المدن) الإلكتروني، إذعان حكومة الأسد لجميع الشروط المفروضة عليه، في محاولة منه للتخلص من أزمته غير المسبوقة. كاشفةً عن إقرار مجلس الوزراء لهذه التعديلات، في حزيران/ يونيو، وسط سرية مطلقة. “إذ أحال القصر الجمهوري التعديلات إلى مجلس الوزراء، عبر وزارة الخارجية. وهذا الإجراء المتبع مع جميع الاتفاقيات الخاصة الموقعة مع إيران، طبعًا من دون السماح لمجلس الوزراء بالخوض بمحتوى الاتفاقيات أو مناقشتها. وأحيطت التعديلات بجو من السرية والكتمان، ولم يتطرق إليها الإعلام الرسمي، ولم يتم الإفصاح عن تفاصيل أيّ من بنودها”.

المصادر الصحفية لم تكشف عن فحوى وطبيعة الشروط السياسية المستجدة في التعديلات الأخيرة، لكنها أشارت إلى أنّ أهم التعديلات المالية تتركز حول طريقة سداد قيم شحنات النفط الواردة إلى سورية من طهران، وأزمنة استحقاقها.

كما اشتملت التعديلات على إخلاء مسؤولية الجانب الإيراني ماليًا عن مصاير الشحنات النفطية في البحر، في حال تعرض الناقلات لأيّ من الحوادث كالغرق أو الحريق، أو الاحتجاز نتيجة العقوبات المفروضة.
وأشارت المصادر كذلك، إلى أنّ مسؤولية الجانب الإيراني، وفق التعديلات الجديدة، باتت تقتصر على تزويد الناقلات المتجهة إلى سورية بالنفط من الموانئ الإيرانية، وتضاف قيم الشحنات النفطية إلى ديون خط الائتمان من لحظة انطلاقها من إيران، بغض النظر عن مصيرها اللاحق أو عدم وصولها إلى الشواطئ السورية.

ويتحمل الجانب السوري، وفق هذه التعديلات، كل التبعات اللاحقة، بما فيها القيم المضافة على أجور النقل أو التأخير نتيجة اضطرارها إلى سلوك معابر مائية مختلفة أو الدوران في البحر، كما حدث مع الناقلة (أدريان داريا 1) التي كانت محتجزة في مضيق جبل طارق، بعدما تجنبت عبور البحر الأحمر كنوع من التمويه.

لم تشر المصادر إلى تعديل الاتفاق لكميات النفط المستجرة من إيران شهريًا، غير أنّ الأخبار الرسمية السورية الصادرة عن مجلس الوزراء، كانت قد أكدت في حزيران/ يونيو الماضي وصول ثلاث شحنات نفطية، بواقع مليون برميل لكل منها. فيما ينص اتفاق خط الائتمان النفطي السابق على تزويد حكومة نظام الأسد بمليوني برميل شهريًا، ما يعني حدوث تعديل على الكميات، أو محاولة النظام تخزين كميات إضافية تحسبًا للأسوأ في الأيام المقبلة. وتنسجم التعديلات الجديدة، بحسب مراقبين، مع رغبة النظام الإيراني في الحد من خسائره وتحميل “البعض” منها لنظام الأسد. كما تتسق هذه التعديلات، بحسب هؤلاء، مع منطق الابتزاز الإيراني الساعي إلى مزيد من الامتيازات المالية والهيمنة السياسية في سورية.

وكانت الولايات المتحدة قد بدأت بفرض عقوباتها الاقتصادية على النظام السوري منذ عام 2011، كما فرضت عقوبات على قطاعات اقتصادية إيرانية متعددة بعد انسحاب النظام الإيراني من الاتفاق النووي في أيار/ مايو 2018.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق