تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما قبل اللجنة الدستورية

في سياق النقاشات والفرضيات الكثيرة التي تتحدث عن الأزمة السورية “ما بعد إدلب”، اختلفت آراء المعارضين السوريين حول الموقف من (اللجنة الدستورية) التي تسعى روسيا حثيثة لبدء عملها، وترحب الأمم المتحدة بتشكيلها، حيث وجدت بعض أطراف المعارضة السورية فيها بداية حقيقية للحل السياسي، وأنها تُجسّد رغبة روسية في وضع حد للنزعة العسكرية المتنامية لإيران وللنظام السوري، فيما رأى فيها آخرون مضيعة للوقت، ومحاولة جديدة لكسب الوقت و”تليين” موقف المعارضة السورية، دون الاستناد إلى أرضية حل حقيقي واضح وجدّي.

تريد موسكو تمرير اللجنة الدستورية بأي ثمن، وتضغط وتُفكر بـ “تكتيكات” وطرق ووسائل لتمريرها وتشكيلها، فهي بوابة استفرادها النهائي بالحل السياسي في سورية، وطلقة الموت لمؤتمرات جنيف وبياناتها، وضمانة مهمة لبقاء النظام السوري مستمرًا، وضمانة أيضًا لتهميش نهائي للمعارضة السورية، وتحاول موسكو الزجّ بالأسماء القريبة منها لتكون الثقل الأكبر في اللجنة، وليمرّ ما تريد تمريره لدستور سورية المستقبلي.

وفيما يخص اللجنة الدستورية أيضًا، يمكن ملاحظة وجود حالة توافقية روسية – تركية، وانسجام في الكثير من الأهداف والمصالح، لكنه توافق لا يتجاوز العلاقات البينية بينهما، ولا يصل إلى حد توحيد الرؤى للمستقبل، فالخلافات الأساسية التي تحكم موقف البلدين من الأزمة السورية ما زالت قائمة، وعليه فإن موقف تركيا من اللجنة الدستورية ما زال ضبابيًا، وغير متحمّس في عمقه لهذه اللجنة الدستورية، ومع هذا فإنها تفعل ما يُتاح لها، فتحاول دعم وجود (الهيئة العليا للمفاوضات) وربما الائتلاف أيضًا، أملًا بأن يُحدث ذلك فرقًا ما، وإعاقة بسيطة للمساعي الروسية.

كذلك يمكن ملاحظة سعي روسيا لإشراك إلزامي لإيران في حلّ لا ترغب فيه الأخيرة، يعتمد على السياسة لا السلاح، ويستند بالضرورة إلى أخذ (بعض) مصالح إيران في سورية بعين الاعتبار، لكن ذلك لا يعني أن إيران متشجعة على اللجنة الدستورية، لأن نهج موسكو معها يتناقض كليًا مع النهج “الاحتلالي” الذي تسير عليه إيران حتى اليوم، ويتناقض مع وجود الميليشيات المقاتلة على الأرض السورية والمرتبطة بقمة النظام السياسي الإيراني.

أما الولايات المتحدة فإنها، حتى الآن، لا تُبدي أي حماسة للجنة الدستورية، وتتعامل معها على أنها أمر هامشي غير مرغوب فيه، فهي تُصرّ على أن العملية السياسية يجب أن تكون برعاية وتخطيط ومراقبة أممية، وليس برعاية وتخطيط روسي، وترفض الولايات المتحدة استفراد الروس وغيرهم في مستقبل شرق المتوسط.

الدول العربية صامتة كمن لا يعنيه الأمر بشيء، فليس لها “ناقة ولا جمل” بعد الآن في سورية، الحاضر والمستقبل القريب، ولا تريد أن تُزعِل أي دولة كبرى، ولا تريد المواجهة مع دول الإقليم، كما أنها تُفضّل أن تسير وفق ما يقتضيه “السوق”. وكالعادة، الغائب الأكبر هنا هم العرب، الطرف الذي كان من المفترض أن يكون معنيًا بما يحدث في سورية وبشكل الحل فيها، أكثر من الأطراف الأخرى.

بالمقابل، فإن الأطراف الداخلية السورية غير متوافقة على اللجنة الدستورية، وكل “يُغني على ليلاه” فيما يتعلق بها؛ فالأكراد يريدونها سلفًا متوافقة مع آمالهم الفيدرالية والكونفدرالية، ومع اللامركزية وشبه الاستقلال، بنما يريدها النظام ضعيفة هشة يتحكم فيها بقبضته الحديدية ويطوعها وفق ميوله وأهدافه، وتريدها المعارضة صارمة وضامنة للانتقال السياسي الشامل والعميق، وتريدها التيارات الإسلامية لجنة مستسلمة لمبدأ الإسلام أساس دستور الدولة، واليساريون يريدونها داعمة للمبادئ الأممية، وهكذا.

الضمانة الأساسية للمعارضة السورية هي التمسك ببيان جنيف والقرار الأممي 2254، وهو ما تدعمه الولايات المتحدة وأوروبا أيضًا، وصحيح أن كل الوثائق والبيانات الروسية تتحدث عن مرجعية هذا القرار الأممي، سواء لتشكيل اللجنة الدستورية وعملها، أم للحل السياسي بشكل عام، لكنها في الحقيقة تقول إنه يجب “الاستئناس” به فقط، وأن هذه القرار لن يكون مُلزمًا ولا وحيدًا، بل مجرد قرار مرجعي للاستئناس به، وسيتم دعم خطوات الأمم المتحدة للمساعدة في تنفيذ بعض بنوده فقط لا كلها.

عندما تُشير موسكو إلى قرار مجلس الأمن 2254، تنسى أن القرار المذكور يتضمن وقف القصف ورفع الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية والإفراج عن المعتقلين، وكل هذه البنود من ضمن إجراءات بناء الثقة وليست قابلة للتفاوض، وما جرى منذ تبنّي موسكو في سوتشي فكرة اللجنة الدستورية هو العكس تمامًا، من حصار وتجويع وتهجير وقتل وتدمير، ولا يُتوقع أن تصحى موسكو الآن، وتقوم طواعية بتنفيذ كامل القرار المذكور.

إن لم تفرض روسيا دستورها وسلطتها على اللجنة الدستورية، وإن لم تنجح في اختيار الأكثرية من بطانتها؛ فإن عمل اللجنة الدستورية سيكون شائكًا وطويلًا وصعبًا، وفي الغالب لن يُفضي إلى نتيجة على المدى المنظور، لأن الخلافات والتناقضات بين الأطراف المجتمعة وبين داعميها كبيرة جدًا، ومن الصعوبة الوصول إلى توافق يُرضي كل الأطراف.

اللجنة الدستورية، بشكلها وصفتها الحالية، وبطريقة تشكيلها، وطريقة الضغط عليها، ومهازلها ما قبل التشكيل، عبثية ولن توصل لنتيجة عقلانية، ما لم يكن هناك ما يضبطها قبل تشكيلها، عقد اجتماعي وطني سوري عام، أو إطار وطني سوري ما فوق دستوري، أو إعلان دستوري، أو وثيقة استقلال جديدة لا تُبدَّل.

يقول كثير من الحقوقيين والسياسيين إنه من الضروري أن يكون هناك إعلان ما فوق دستوري، وما قبل اللجنة الدستورية، يُحدد شكل سورية ونظامها السياسي ومبادئها العامة غير القابلة للنقاش والتغيير والتبديل، تحدد وترسم إطارًا عامًا للدستور لا يستطيع أحد الخروج منه أو اختراقه أو وضع استثناءات، إطار يضمن دولة المواطنة، والتعددية وتداول السلطة، ويضمن فصل السلطات، والمحاسبة والشفافية، ودولة القانون والدستور، ويحدد علاقة الدين بالدولة، وطبيعة وشكل النظام السياسي، وبعدها، لا يهم أي لجنة دستورية تكون، ولا من هم أشخاصها، ولا من يدعمهم، ولا من هو الأعلى صوتًا بينهم.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق