أدب وفنون

بين حبال الماء.. ذاكرة مشوّهة لحرب اغتالت كلّ شيء

(بين حبال الماء) العمل الروائي السابع للكاتبة السورية روزا ياسين حسن، المقيمة في ألمانيا، بعد مجموعة أعمال هي (أبنوس، نيغاتيف، حراس الهواء، بروفا، الذين مسّهم السحر، باتجاه مكان لا موت فيه).

صدرت الرواية عن دار (سرد)، ودار (ممدوح عدوان) للنشر، عام 2019، وتقع في (195) صفحة من القطع المتوسط.

حلم مؤجل لدراسة السينما في كوبا يبقى طيّ النسيان في الواقع، يرسمه بالكلمات بطلُ الرواية (تموز) الذي يتنازل عنه، ويقرر البقاء في عمله كمندوب مبيعات لشركة (ماكدونالد) في دبي، ويروي تفاصيل الحرب القذرة التي اشتعلت في سورية، وقصة الاغتراب التي فتحت أبوابها، ليسلكها أبناء بلده (السوريون) إلى جميع أنحاء العالم، بحثًا عن الخلاص.

يد الخراب

في سورية، حيث الدمار والقتل والرعب مستشرٍ في كل مكان، والألم يمدّ أصابعه عميقًا ليحمل حفنة من تراب جحيم تلك الحرب التي أتت على كل شيء، وينثرها في الأعين والقلوب؛ فيدفعها إلى حتفها على الدروب بين الأسلاك الشائكة التي رسمت الحدود، في محاولة أبدية لتقطيع أوصال الأمكنة؛ فيشكّل الهرب آخر رغبة لدى الكائن الضعيف الهارب عبرها نحو كل الدروب، يحثّ الخُطى، ويدير ظهره لريح تلك الحرب القاتلة التي لم تترك أحدًا بمنأى عن نيرانها. هي حرب قاتلة من أول لحظة بدأت فيها، وأول رصاصة أطلقت فيها، وتركت الأسئلة معلّقة على شفاه أهلها؛ لأن الفقراء هم من يدفعون ثمنها دائمًا، ويصبحون أدوات للموت: “كان يوسف الجندي المجهول بخوذة ملوّثة يمشي منهكًا بجانبي مع جنود آخرين، فقراء لا أحد يهتم بهم: وقود الحروب. الفقراء وحدهم من يتحملون وسخ الإهانات وقذارة حروب المال والسلطة والجشع. يحولوننا إلى قَتَلةٍ، وحوش، أدوات للموت، ماكينات لحصاد الأرواح”.

مصير مشترك

يحمل (تموز) في داخله حيث يمضي مصيره المجهول، ورحلته الحياتية تلك هي جزء من رحلة جميع أبناء بلده سورية الذين طرقوا باب المجهول، باحثين عن أحلامهم التي كانت تبرق على نحو ضبابي، في بلدان أخرى، مثل غيره الذين دفعهم حب المغامرة والاكتشاف أولًا، والخوف من الموت ثانيًا، إلى ذلك المصير، ليروي في رحلته تلك حكايته التي هي حكاية جميع السوريين، فحلمه في دراسة السينما في كوبا، وعشقه لها، هو الذي دفعه إلى السفر إلى دبي، ليبقى هناك فترة من الزمن، يؤجّل فيها حلمه؛ بعدما أصبح من أشهر مديري المبيعات لشركة (ماكدونالد) للهواتف النقّالة؛ ليعود ويروي قصة الحرب التي اشتعلت على يد جيل جديد حلم مثله، واشترك معه في المصير نفسه، فيدرك وحدة مصيرهم، وتمتزج ذاته في ذوات الآخرين، فيلاقي الكارثة نفسها، ويتعرض مثلهم لها، ولآثارها القاتلة: “لمَ علينا أن نهرب من سيطرة حرب قذرة… إلى سطوة أمراء حرب، إلى سيطرة حفنة من المهرّبين؟! قدر لعين ساخر، كأن الآلهة تسخر منا، تتلاعب بنا كدمى قماشية متهالكة لا حول لها ولا قوة، وتستمتع بآلامنا وخوفنا”.

الانتماء إلى دائرة المكان

على الرغم من أن (تموز) أدار ظهره لبلده، وبقي في دبي كل تلك المدة، فإنه يكشف عمّا هو مخبّأ في روحه، وفي ثنايا قلبه؛ إذ إنه يغلب على أمره، ويعترف بانتمائه إلى ذلك المكان الذي انطلق منه نحو دروب المنفى -فيما بعد- بعد رحلة غيابه الأولى عن سورية، حينما سافر إلى دبي أول مرة، وعلى الرغم من عدم قدرته على البقاء في البلد بعد أن نشبت الحرب، عاد إليها ليجسّد رغبته في أن تكون المادة الأولى لأول أفلامه؛ إلا أنه يغادر مع كثيرين من أبناء ذلك البلد، ليبتعد ما أمكن عن آثار تلك الحرب؛ لكيلا يصل إليه صوتها، وأصوات قتلاها وجرحاها، لتموت السينما التي طالما حلم بها، بعدما بات موطنه بالفعل مسرحًا لأحداث كبيرة تستحق أن توثّق بكل الوسائل إنتاجًا، وتبقى وصمة عار في جبين الإنسانية حزنًا وألمًا، ليمتزج صوته وكلماته مع كلمات الممثّلين الكبار في السينما، ويربط بين دائرته هو ودائرتهم، ويجعل من تلك الكلمات المعبّر الأفضل عن حالته، في قدرة كبيرة للكاتبة على وضعها في المكان المناسب، في كل حادثة تجري مع بطل روايتها (تموز)؛ لتتواشج الحادثة مع كلمة السينما بشكل جميل، وتغدو المعبّر الأفضل عن الحالة والموقف: “أنا “تشيف” الهندي الأحمر، طائر الرعد ذو الروح الحرة، ما زال الوقت مبكرًا للموت، ثمة الكثير من الأفلام بانتظاري لأخرجها إلى الضوء، وما زالت الكثير من الحكايات بانتظاري لأرويها”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق