تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أربعة سيناريوهات يمكن أن تُطفئ النار السورية

بعد فشل روسيا والولايات المتحدة في الاتفاق على حلّ للأزمة السورية، وكثرة تدخلات الدول الإقليمية والعربية وتناقض أهدافها، وإصرار روسيا على استعادة مجدها عبر سورية، وخطط إيران الأخطبوطية، وسقوط “أصدقاء الشعب السوري” وانكشاف ترددهم، وفشل المعارضة السورية، السياسية والعسكرية قبلها؛ أصاب السوريين نوع من اليأس دفعهم إلى الاعتقاد بأن أزمة بلدهم ستستمر، والحكم التسلطي سيستمر، لكن في حقيقة الأمر، كما في كل الثورات، يبقى هناك ضوء في آخر النفق لتجاوز حالة العجز الدولي سابقة الذكر.

خلال ثماني سنوات، استخدم الروس حق النقض (الفيتو) اثنتي عشرة مرة،  ضد مشاريع قرارات في مجلس الأمن هدفها وقف عنف النظام والتزامه بالمواثيق الإنسانية الدولية ولجم آلة قتله المنفلتة، كذلك، خلال ثماني سنوات، عُقدت عشرات المؤتمرات التي تخص القضية السورية، في لوزان وبروكسل وجنيف وموسكو ولندن والقاهرة وسوتشي، وغيرها من مدن العالم، واجتمع رؤساء دول العالم ووزراء خارجية، ومندوبون وممثلون ودبلوماسيون وساسة، ويمكن القول إن كل هذا فشل في إيجاد حل للحرب المستعرة، وفشل في وضع حد لعنف النظام السوري وحلفائه، أو إقناعه بقبول الحل السياسي، وفشل في فرض هدنة أو إرغام هؤلاء على احترام قوانين إنسانية دولية، واستمر القتل بأبشع صوره.

وحده مؤتمر جنيف كان الأكثر جدية، بل ربما كان الاجتماع الجدّي الوحيد، الذي رعته ودعمته الدول الكبرى والمجتمع الدولي عمومًا، ومع الأسف تعطّل، عطّلته روسيا بـ “فيتوياتها” وتدخلها العسكري المباشر، وبعده، شُلّت الجهود السياسية والتشاورية بين الأطراف كافة، ودخلت الدولُ الأكثر تأثيرًا على مصير سورية في دوّامة المصالح والتنافس والتجاذبات، وتحقيق الأهداف الخاصة بعيدًا من كل مصلحة محتملة للسوريين.

تردد كثيرًا في الأوساط الدولية والإعلامية أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية الفاعلة سعت لوضع حلول بديلة، بما فيها الحلول العسكرية، لمواجهة التشدد الروسي الرافض لفكرة تنحي رأس النظام السوري عن السلطة، والرافض لهيئة حكم انتقالية من المعارضة والنظام لا يكون للأسد دور فيها، وطُرحت للتداول زيادة العقوبات الأوروبية ضد روسيا، كما طُرحت أفكار لرفع مستوى تسليح المعارضة السورية، وتزويدها بمضادات للطيران لشل حركة الطيران الروسي، كما تردد أن الولايات المتحدة ستضع حدًا لإيران وشرورها، وأنها ستنظم المعادلة في سورية وفي الشرق الأوسط، وغيرها من الأفكار والطروحات التي توحي بأن للمأساة نهاية، لكن، حتى الآن، لم ينتج عن كل هذه الأفكار أي خطوة عملية ذات معنى، ويبدو أنها ذهبت وستذهب أدراج الريح؛ ما لم يتم التعامل مع القضية السورية من منطلقات أخرى أقوى وأرسخ وأكثر جدّية.

الرد الروسي على كل ما سبق كان المزيد من التشدد ودعم نظام الأسد، والتحالف مع إيران ومشاركتها، والضرب بعرض الحائط كل القرارات الدولية والمساعي الخيّرة التي يمكن أن توصل سورية والسوريين إلى بر الأمان، إلى دولة ديمقراطية متوازنة لا تحكمها أسرة أو أجهزة أمنية بقبضة حديدية عمياء.

ما وصلت إليه حالة سورية، وحالة المعارضة بشقيها، وقد ثبت عدم وجود أي نيّة لدى روسيا لخسارة رهانها في سورية، واستحالة أن تقبل طهران بخسارة صفقة كبيرة كسورية بأي ثمن، لا يتيح مجالًا للتفاؤل، وقد يؤدي إلى القناعة بأن الأبواب قد أوصدت، وأن سورية ستبقى على ما هي عليه، دولة شبه فاشلة، يحكمها نظام شمولي أمني فاسد، وسيبقى لروسيا وإيران اليد الطولى فيها.

لكن في حقيقة الأمر، ما زال هناك خيارات لحل القضية السورية، وهي خيارات مفتوحة، يمكن للمعارضة السورية أن تشتغل عليها، وكذلك يمكن لكل الدول الداعمة لها أن تضعها استراتيجية للعمل، وهي، إذا نجحت، يمكن أن تحقق للسوريين ما لم تحققه ثورتهم المسلحة، وما فشلت في تحقيقه المعارضة السياسية أيضًا، وتحقق الانتقال السياسي، وتُنهي أحلام الانفصاليين، وتلجم المتشددين الإسلاميين، وتُعيد إيران وميليشياتها ومرتزقتها إلى حظيرتهم.

نتيجة عشرات الأفكار التي طرحها باحثون سوريون معارضون، وعدة سيناريوهات طرحها سياسيون ومفكرون غربيون، وآراء للعديد من سياسيي “أصدقاء سورية”، ما زال مُتاحًا أن يكون هناك حظ في النجاح والتطبيق لسيناريو ما، يمكن أن يحمل في طياته عوامل تعطيل مساعي الدول المتدخلة والمتحكمة في الملف السوري، وبخاصة تلك التي تدافع عن النظام بعماء كامل.

أوّل هذه السيناريوهات أن يتبنى المجتمع الدولي، بدوله القوية، الدعوة إلى مؤتمر وطني تشارك فيه كافة التيارات السياسية ومكونات الشعب السوري، والفصائل العسكرية التي تؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني بكل أشكالها، ليتفقوا على وثيقة سياسية تحقق أهداف السوريين، وتشكيل قيادة شعبية جديدة غير مرتبطة بأي دولة، تربط التغيير السياسي بالعمل العسكري وبالنشاط الجماهيري، في الداخل والخارج، وتتعامل مع الدول بشكل ندّي، وتخرج من عباءة تنفيذ مصالح الغير.

ثاني هذه السيناريوهات، المطالبة بوصاية أممية تحت الفصل السابع، وهو ليس خيارًا سيئًا، خاصة أن سورية محكومة فعليًا بوصاية روسية وإيرانية، وأخيرًا تركيّة، وسورية في حالة حرب من الواضح أنه لم يعد بالإمكان وقفها بطريق التفاوض السياسي، ولا توقفها إلّا وصاية أممية يوافق عليها ثلثا أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وهي ليست انتدابًا كما كانت فرنسا في سورية، وليست حربًا كما حصل في ليبيا، ولا احتلالًا كما حصل في العراق، حتى إن نسبة كبيرة من الموالين للنظام قد يدعمونها لرغبتهم في الخلاص أيضًا، لكن مشكلة هذا الخيار أنه يستند إلى موافقة أميركية، لأن غالبية الدول لن تؤيد قرارًا كهذا إلا إذا حصلت على ضوء أخضر أميركي.

ثالث السيناريوهات يتمثل بإعادة النظر بحق النقض (الفيتو)، وتقييد استخدامه عبر آليات وحالات محددة، تمنع تعطيل مجلس الأمن، على الرغم من إدراك الكثيرين لتعقيدات هذا السيناريو، لأنه بدوره قد يصطدم برفض الدول المهيمنة على الأمم المتحدة.

رابع السيناريوهات يملك بعض الخيال والتنبؤ، لكنه غير مستبعَد، بل إنه قريب أكثر من غيره من الحلول الملموسة السابقة، وهو أن يصبر السوريون وينتظروا أن تزداد تناقضات مصالح الدول المتورطة بالشأن السوري، وتتضارب حتى تبلغ درجة لا يمكن ترقيعها، وأن يستفيدوا من الخلافات للتوصل إلى حلّ، أو فرض حل، وهذا يستدعي أن تركز المعارضة السورية جهودها الحالية على العمل السياسي، وتلعب على زيادة الناقضات بين هذه الدول، وإشعال النار بينها، عسى أن يُطفئ ذلك النار السورية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق