مقالات الرأي

مراجعة أم محاكمة؟

بعد “فشل” أي مشروع مهما كان حجمه؛ يتنادى المشاركون فيه أو القائمون عليه أو المستفيدون منه، إلى اجتماعات عاجلة يمارسون من خلالها عملية نقد الذات ومحاسبة الأخطاء وجرد الخيبات ومساءلة المسؤوليات. وكما في المؤسسات الاقتصادية، تتبع عمومًا المؤسسات السياسية ذلك السيناريو الذي غالبًا ما يُفضي إلى تنحّي الصف الأول من المسؤولين الرئيسيين عن المرحلة التي كان الفشل فيها عنوانًا. وعلى الرغم من إمكانية -بل ربّما حتمية- انعدام المسؤولية المباشرة لرئيس المؤسسة ومساعديه، على أنواعها، في توفير عوامل الفشل أو تحقيق ولو الجزء النذير منه، فإن العادة جرت على أن يتنحى ليترك الفرصة أمام مجموعة جديدة تسعى إلى تغيير أساليب الإدارة التقليدية أو إلى مراجعة هذه الأساليب، ومن ثَم إلى تهيئة الظروف للقفز من قعر الزجاجة ومحاولة الخروج من عنقها.

لن يتطرّف الأمر بنا إلى الحلم بتطبيق النموذج الياباني الذي حمل بعض مسؤولي الشركات المنهارة أو السياسات الفاشلة على الانتحار، بتحمل رمزي ومتطرف لمسؤولية الانهيار أو الفشل، لمجرد وجودهم على رأس هرم اتخاذ القرار. ولكن بالمقابل، ليس من المعقول ولا المقبول، نظريًا على الأقل، أن يسعى أصحابُ الفشل أو المساهمون المباشرون في تحققه، أو حتى من تابعوا انهياره دون أن ينبسوا ببنت شفة أو يمارسوا عملية نقد الذات ومراجعة الأداء، إلى التصدي لكل محاولات النقد، بقلب الحقائق واجتراع الأباطيل من الأكاذيب لتبرئة الذات وتحميل الآخر -أيًا كان هذا الآخر- جُلّ المسؤولية.

وفي السياسة، وخصوصًا في مراحل البناء الوطني أو الثورة على الاستبداد أو التحرير من الاستعمار أو الاستقلال عن المنتدب، كثيرًا ما تفشل الجماعات التي تتصدى للقيادة بشكل فردي أو مفروض، أو حتى تلك التي تصل إلى سدة القيادة عبر إجماع وطني تعبّر من خلاله عن رأيها واختياراتها غالبية المكونات المحلية. وفي أغلب التجارب الإنسانية، ترفض الجماعات التي فشلت، أو التي ساهمت في الفشل، الاعتراف العلني والصريح بذلك، وإنما تترك الأمور ضبابية، وتفضل السكوت لفترةٍ ما يجري خلالها تغييرٌ ما، جذري أو جزئي، ربما يساعدها في إيجاد وسيلة ما تخرجها من الأزمة، ويُجنبها المواجهة العلنية للإحراج الوطني.

في الحالة السورية، فشلت غالبية القيادات السياسية للمعارضة، كما جُلّ القيادات العسكرية، في مجمل عملها وسعيها الحقيقي الصادق، أو الوهمي الكاذب، للخروج من ضائقة الاستبداد والقمع إلى فسحة الحرية والكرامة. وفي الوقت نفسه، فقد مورس بحق هذه القيادات، وخصوصًا السياسية منها، منذ بداية خوضها المشهد، أشد أنواع النقد والشتم والتجريح والتخوين، على نحو لم تشهده أي حركة تحرر وطني أو ثورة أو انقلاب أو توجه سياسي في التاريخ السياسي المعاصر. وإن كان كثير من مكونات هذه القيادات مستحقين للنقد الشديد، على حساباتهم الخاطئة وفقدانهم لفهم ألف باء العمل السياسي، ولسطوة الأنا الذاتية في حيواتهم العامة وفي ممارساتهم العامة، إلا أن الحجم الهائل من التجريح الذي تعرضوا له -على عماها- وما زالوا يتعرضون له، يجعل أمر التضامن معهم واردًا، على المستوى النظري في أقل تقدير.

المقتلة السورية في أبعادها كافة، أسست لجو من الشك والتشكيك والخيانة والتخوين والفساد والإفساد والاتهام الجائر أو المحق بدرجات متفاوتة. وتقترب غالبية المواقف من التطرف والتعنت في الموقف، إن كان مديحًا أو ذمًّا. وقد برزت فيها أيضًا ثقافة التمجّد الموروثة من حقبة الاستبداد المديد والمتمدد. تمجّد دمّرَ، وما زال يُدمّر، أخلاقيًا في أقل تقدير، كلّ مصداقية لأي موقف سياسي. ومن نافل القول تأكيدُ أن من خرج ضد الاستبداد السياسي لا يحق له أن يدعو إلى استبداد ديني أو استبداد عشائري أو استبداد اقتصادي، إلا إذا كان خروجه بالأساس قائمًا على رغبة في استبدال القائمين على الاستبداد وطبيعة هذا الاستبداد، بمن هم مستبدون من نوع وفصيل آخر. كما أن من طالب بالحرية وبالكرامة، وفنّد موبقات الطغمة المستبدة المتحكمة بالبلاد، وأسس لمشاريع نقدية صارمة بحق الخضوع السياسي وتأليه القادة الذين انتفض عليهم، لا يمكن أن يقوم هو نفسه بتأليه قادة من نوع آخر، وأن يصبح هو نفسه مشروع خضوع سياسي وربما مالي إقليمي أو دولي.

المقتلة السورية بكافة أبعادها ستُدرس وتُدرَّس في أهم الكليات المهتمة بالعلوم السياسية وبعلم الحروب، كما في مسائل النزاعات غير القابلة للحل. ولكنها أيضًا تحمل أبعادًا سيكولوجية تجعل من تدريسها في كليات علم النفس واجبًا أكاديميًا على كل القائمين عليها. ولربما تستنبط من تجاربها ومن مساراتها النظريات الجديدة التي ستغيّر حتمًا من مجرى العلم والتعليم في عدد كبير من الاختصاصات. وأوّل المتعلمين الذين عليهم الاستفادة القصوى من هذه التجربة/ المقتلة، هم السوريون والسوريات أنفسهم من الشباب. فلعلّهم يتمكنون يومًا ما، ليس بالضرورة أن نشهده، من تجاوز ألم الهزيمة الأخلاقية والإنسانية والوطنية القائمة، سعيًا لبناء مستقبل مشترك، أو غير مشترك بالضرورة، يحافظ فيه الإنسان على حياة الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق