تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الـ “آيس كريم” السياسي لبوتين

هل سبق أن تخيّلت أن “الآيس كريم”، أو ما نسميه محليًا بسورية بالـ “بوظة” بحسب اللهجة الدارجة، ليس للضيافة والتحبب فقط؟ هل تتخيل أن “الآيس كريم” لا يُقدَّم للتخفيف من حرارة الجو وتلطيف الشعور الحاد به فقط، بل لتلطيف حرارة السياسة؟! وبخاصة عندما تصبح السياسة بيومنا الحاضر سياسةَ قتل وموت وتهجير جماعي، لا غرابة، إنه عصر أباطرة المال والمافيات العالمية الاقتصادية وتجارة الحروب المربحة!

بحسب إحصائيات محلية وبيانات شبكة باحثي وحدة إدارة المعلومات في وحدة تنسيق الدعم، فإن حصيلة الهجمات الجوية الروسية على المحور الفاصل بين ريفي إدلب وحماة، منذ بدئها في نيسان/ أبريل المنصرم، تم استهداف ما يزيد على 142 منشأة حيوية، بينها مشافي ومدارس، وما يزيد على 1166 ضحية مدنية، بينهم 262 طفلًا و180 امرأة، وإصابة 2757 جريحًا، ونزوح 551976 من المدنيين، تباينت نسب استقرارهم بين منازل استئجار واستضافة وإعارة ومخيمات عشوائية تحت العراء! هذه الحصيلة نتيجة القصف الجوي الذي استهدف محور الطريق الدولي المار من حلب إلى دمشق، الذي يمر بين ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، وعقدة مروره خان شيخون، حصيلة حارة جدًا، ويبدو أنها لم تكلف اللقاء الروسي التركي الكثير من العناء، إلا بتبريدها بالآيس كريم، لتبريد حرارة الموقف! تلك التي قدّمها بوتين لأردوغان في زيارته السريعة لموسكو، إبّان معرض “ماكس” الروسي لطيرانه الحديث!

في أيلول/ سبتمبر 2018 في سوتشي، اتفق بوتين وأردوغان منفردين، وبعيدًا من أستانا، على إيقاف العمليات العسكرية بإدلب (آخر معاقل المعارضة العسكرية السورية، والمهجرون فيها من كافة المناطق السورية، ويُقدر عددهم بثلاثة ملايين)، وفتح خطوط الحركة البرية بين حلب – اللاذقية، وحلب – حماة، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في هذين المحورين بعرض يصل إلى 20 كم، وتسيير دوريات شرطة عسكرية مشتركة روسية – تركية فيها، وإيلاء الجانب التركي مهمة ترتيبها سياسيًا، وبادرت الإدارة الأميركية بالترحيب بها بشدة في ذلك الوقت.

لكن، اليوم، منذ أواخر نيسان/ أبريل، عادت الآلة العسكرية للعمل مجددًا في مناطق متعددة في إدلب، وتركّز القصف العسكري الروسي والهجوم البري المرافق، على مناطق المحاور المتفق عليها في سوتشي أساسًا، بدءًا من معرة النعمان على امتداد الخط الدولي الواصل بين حلب وحماة، والامتداد شمالًا تجاه حلب مرورًا بسراقب، وللغرب منها على محور اللاذقية وصولًا إلى كفرنبل، وجنوب غرب إلى كفرنبودة، والغاية الرئيسية من ذلك إبعاد فصائل المعارضة السورية منها، وفتح طريق حلب الساحل، وفصل الريف الحموي الحلبي عن الريف الإدلبي، وبالضرورة فتح معبري الطريق الدولي بين حلب واللاذقية كما حماة تنفيذًا لسوتشي، وجعلها تحت الإشراف الروسي التركي المباشر. ترافقت هذه العمليات مع تصريحات كل من أردوغان وبوتين بالالتزام بنصوص سوتشي ذاتها، وسط صمت دولي لا يشي إلا بدراية تامة من المجتمع الدولي، وبخاصة من أميركا، بمجريات العمليات العسكرية الحالية وغايتها المتضحة لليوم! فلماذا “الآيس كريم” اليوم إذًا؟ ولماذا يذهب أردوغان إلى موسكو، ولا يتم استقباله في سوتشي، كما جرى العرف لدى بوتين في إجرائه صفقاته السياسية، حيث منتجع سوتشي اللطيف والهادئ!

في خلفية الاتفاق السياسي التركي – الروسي، ثمة عقدة مواصلات برية تمر من شمال حلب، هي عقدة تل رفعت، وهي التي تشرف عليها “قوات الحماية الكردية” برعاية أميركية عامة، وتحت نظر الروس تمامًا، مع وجود عسكري روسي منسق ومحدود فيها. تشير الترجيحات السياسية والتسريبات المضمرة من اتفاق سوتشي أيلول/ سبتمبر 2018 البوتيني الأردوغاني، والتفاهمات الأميركية التركية، إلى تسليم معبر تل رفعت للأتراك، مقابل السماح بفتح المعبر الدولي البري المستهدف بالقصف، ما أوقع الأتراك في الإرباك السياسي بين الروس والأميركيين، فمنطقة تل رفعت هذه هي المنطقة الوحيدة الباقية في الريف الشمالي الحلبي، وهي التي تفصل الامتداد التركي بين عفرين ومنبج فعليًا، وتعدّ نقطة العبور البري إلى حلب. ففي حال تمت سيطرة الأتراك عليها، يصبح معلومًا للروس فتح الطريق البري كمحور رئيس جيوبولتيكي يمتد من موسكو فتركيا فحلب، ثم إلى دمشق والساحل السوري، وهو ما راهنت عليه تركيا بالمساومة السياسية، وبالتخلي عن حماية الطريق الدولي مقابله. تركيا ذاتها لم تستطع إلا تنفيذ الاتفاق المبرم، مع محاولتها في الفر والكر، عبر دعمها لفصائل المعارضة طوال الشهور الماضية، وكانت كلفتها البشرية باهظة جدًا، بحسب ما أوردنا أعلاه، وتجد نفسها اليوم وكأن الجزء الآخر من الاتفاق لم يُحلّ بعد، ولم يلتزم الطرفان الروسي والأميركي به، فكان “الآيس كريم” ضرورة لتلطيف حرارة الموقف!

في جانب آخر، تضغط أميركا على تركيا في صفقة إس 400 الروسية، ولوّحت بإيقاف العمل على صفقة طائرات (إف 16)، ولم تستجب تركيا للضغوط الأميركية، لتجدها روسيا البوتينية فرصة سانحة للاستيلاء المجاني على خان شيخون، عقدة المعبر الدولي بين حلب ودمشق عبر حماة، وصولًا إلى اللاذقية غربًا! هكذا ترتفع حرارة السياسة لتصل خطوطها الحمر، فتبادر روسيا بالآيس كريم للتبريد، ويرافق ذلك عروض بوتين بدخول تركيا في صفقة طائرات (سوخوي 57) الروسية المتطورة والتي هي قيد التجهيز، فهل ترتفع حرارة السياسة الأميركية ومن خلفها حلف الناتو أيضًا؟ وما الذي سيبردها؟

لم تزل عالقة في مخيلة السوريين، وفي مخيلة صناع السياسة والاتفاقات الأمنية العالمية، صورُ لافروف، وزير خارجية روسيا، وجون كيري، وزير خارجية أميركا السابق بعهد أوباما، أثناء تبادلهم الهدايا العلنية، مرة يقدم لافروف إلى كيري كأس “شمبانيا”، ويرد عليه كيري بحبتين من البطاطا! تلك الهدايا كانت كلفتها الباهظة على ملفات الشرق الأوسط وسورية كارثية، ولا تُفسر إلا بموافقة أميركا على دخول روسيا العسكري إلى سورية منذ أواخر آب/ أغسطس 2015، الذي يفسره البعض بأنه توريط أميركي لروسيا في الوحل السوري، وآخرون يرون أنه اتفاق مبرم على بتر الربيع العربي في سورية! ولليوم تتباين التحليلات حول ما تخفيه أشكال هدايا صناع السلاح العالميين والمتربحين من تجارة الحروب ودماء البشر!

لا يعني السوريين لا “شمبانيا” لافروف ولا “آيس كريم” بوتين، فكلاهما ينفذ سياسة محددة مع كل من تركيا وأميركا، في اتفاقات وترتيب المحور الشمالي والشمالي الغربي من سورية، فقد باتت كل هدايا السياسيين وبالًا عليهم من كل صوب وحدب، حتى بات الموت قدرًا محتومًا، ولكن عليهم أن ينتظروا الهدية التي من الممكن أن يقدمها الروس أو الأميركيون أو كلاهما إلى إيران، اللاعب الإقليمي الثاني في سورية، كما التركي، وما هي كلفته التي سيدفعها السوريون مرة أخرى!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق