أدب وفنون

برج الديك

كنتُ قد وعدتكم، في المقالة السابقة (برج الثعلب) أن نلتقي في برج الديك، وفاتني أن أذكر لكم السبب الذي دفعني إلى تقديم الثعلب على الديك. وللجواب على هذا السؤال، فقد اضطررت إلى متابعة الثعلب والديك تاريخيًّا، فكان أن قدمت الثعلب على الديك لسببين: الأول أن الديك العربي في بدايات عمله في السياسة كان ثعلبًا، (سبحان مغيّر الأحوال). والثاني أن الثعلب واضح النسب، جليّ الحسب، سليل حيلة ورثها صاغرًا عن صاغر، أمّا الديك (بلا مؤاخذة) فهو مطعون النسب، وكلكم سمعتم بالديك الحبشي، والديك الرومي، وديك الجن، وها نحن وجهًا لوجه –اليوم– أمام الديك الأمريكي، الذي يتميز عن الديوك العربية بخاصتين: الأولى أن عقله ثابت في المكان، متحرك في الزمان، والثانية أن صوت الديوك العربية يسمى (صياح)، أما صوت الديك الأمريكي فإن اسمه في هيئة الأمم المتفرقة (فيتو)، ومن عجائب الفيتو أنه أخفضُ من الصياح صوتًا، وأقوى مفعولًا!! ومن خصائص الفيتو أنه لا يستعمل إلاّ لإنصاف الظالم من المظلوم!! وأخذ حق القوي من الضعيف!!

يجمع الديك على ديوك، وديكة؛ وتصغيره دُوَيك؛ وكنيته أبو حسّان. قال: والديوك دجاج إذا ذكرت في جملة الجنس، وقال آخرون: لا؛ ولكن الديك نفسه دجاجة، إلا أنهم أرادوا إبانته بأنه ذكر، فقالوا: ديك. ودليلهم على ذلك أنه (يبيض على الناس)، وحجتهم قول ديك الجن:

قد زرتنا مرة في العمر واحدة           ثنّي ولا تجعليها بيضة الديك

ولا عجب في أرض العرب إن باض الديك، وحُلب التيس؛ وأصبح للعصفور لبنًا. ومن أقوال العرب: لا تكون البلاد بلادًا، حتى يصقع فيها ديك!! ألم تر أن علينا في كل بقعة من البلاد ديك. (عين الحاسد تبلى بالعمى).

ومن أعظم وأهم حاجات الديك العربي تلك الحاجة التي ذكرها محمد بن سلام الجمحي، قال: استأذن رجل على امرأة، فقالت ماذا يريد؟ قالت الجارية: يريد أن يذكر حاجة. قالت: لعلها حاجة الديك إلى الدجاجة. وفي بعض البلاد العربية تروى: حاجة الديك إلى الدويك. وقد ذكر تلك الحاجة لورنس العرب في مذكراته.

ويوصف الديك بالمنطق، وحب السيادة. ومن أعلام الديوك العربية في الماضي، ديك بني نمير، الذي يقول فيه الشاعر:

غدوت بشربة من ذات عرق        أبا الدهناء من حلب العصير

وأخرى بالعقنقل، ثم سرنا         نرى العصفور أعظم من بعير

كأن الديك، ديك بني نمير          أمير المؤمنين على السرير

وأمير المؤمنين ليس إلا صفة من صفاته الكثيرة، فهو يوصف بعقيد الملك تارة، ويشبّه بكسرى أنو شروان تارة أخرى، وأول من ذكره بهذه الصفات، كان الصنوبري؛ في قصيدته التي يقول فيها:

مغرّد الليل ما يألوك تغريدا          ملّ الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا

لمّا تطرّب هزّ العطف من طرب     ومدّ للصوت لمّا مدّه الجيدا

كلابس مطرفًا مرخ جوانبه          تضاحك البيض من أطرافه السودا

تقول هذا عقيد الملك منتسبًا        في آل كسرى عليه التاج معقودا

أمّا في العصر الحديث، فقد تعددت وسائل الإعلام، وتنوعت، وانتشرت؛ وصار لكل ديك كتّابه، وشعراؤه، وصحفه، وإذاعاته، وتلفزيونه بقنواته الفضائية والأرضية.

ومن شأن الديك أنه لا يحنو على ولده، ولا يألف زوجة واحدة، ألم تر أنّ لكل مليون دجاجة عربية ديكًا واحدًا، يسفدها ليلًا، وتصفق له نهارًا!! علمًا أنه أبله الطبيعة، لدرجة أنه إذا سقط عن حائط لم يكن له هداية ترشده إلى دار أهله.

ويتميز مواليد برج الديك بارتفاع الصوت، وكثرة الخطابات ونفش الريش.

ومن أشهر مراثي الديوك العربية، مرثيّة أبو الفرج الأصفهاني، التي منها:

حتى بديكٍ كنت آلف قربه            حسن إليّ من الديوك رشيق

لهفي عليك أبا النذير لو انّه          دفع المنايا عنك لهف شفيق

وعلى شمائلك اللواتي ما نمت      حتى ذوت من بعد حسن سموق

أبكي إذا أبصرت ربعك موحشًا      بتحنن وتأسف وشهيق

ويزيدني جزعًا لفقدك صادح         في منزل دان إليّ لصيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق