سلايدرقضايا المجتمع

مفهوم المواطنة مقابل مفهوم الأقليات

لا يرى المخلصون من أبناء شعبنا بديلًا عن المواطنة، كسقف يستظل تحته كل المواطنين، لهذا فثقافة المواطنة وترسيخها في أذهان السوريين هي الخطوة الأولى للانطلاق لبناء الوطن وتحصينه من كل الثغرات، ليواجه التحديات مهما كانت خلفياتها. والمواطنة تشعر المواطنين السوريين بأنهم متساوون أمام القانون، ويضمن الدستور لهم حقوقهم كاملة، وهم يدركون واجباتهم على أكمل وجه، ولا فرق بين المواطنين مهما كانت خلفياتهم، سواء أكانت اثنية أو لغوية، ثقافية أو دينية“.

كلمة نيافة المطران المغيب مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم، في مؤتمر طهران للمعارضة الداخلية.

بهذه الكلمات، عبّر المطران مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم، عن كل ما يختلج في صدور السوريين، حيث طرح مفهوم المواطنة، مقابل مفهوم الأقليّات، وكان ذلك من الأسباب التي غيّبه من أجلها النظام الأسدي وأعوانه، منذ زمن طويل، وأتباع النظامين الإيراني والسوري يلهثون وراء تجميع بعض الرموز بطريقة أمنية، لكي يعقدوا مؤتمرًا لـ “الأقليات”، يقابل قوى المواطنة والديمقراطية في المنطقة التي ترفض مفهوم الأقلية والأكثرية، سواء الدينية منها أو العنصرية.

فشلت القوى المعادية للمواطنة والديمقراطية في عقد اجتماع للقوى الأقلوية، معتمدين بذلك على “الأقليات الدينية والمذهبية”، حيث لم يستطيعوا أن يجمعوا قوى تعتمد على العنصريات القومية، وهذا الفشل لم يلغ تهافت كلا النظامين السوري والإيراني، على الاستمرار في العمل على عقد مثل هذا المؤتمر، على أن يتم عقده في لبنان، وذلك لتجيش القوى ذات البعد الديني، حيث يكون العنصر المسيحي هو الغالب على هذا المؤتمر.

ولكن، لماذا العنصر المسيحي وليس باقي العناصر المذهبية والدينية؟! السبب بسيط، لأنهم استطاعوا أن يدجنوا رجال الدين المسيحيين، من بطاركة ومطارنة، حيث تم اختيار العديد من هؤلاء من قبل الأجهزة الأمنية، وبات العديد منهم مرتبطًا بهذه الأجهزة، وهم يجرّون الشباب المسيحي إلى الانبطاح أمام الطاغية المعادي للوطنية والديمقراطية، كما أن “التيار الوطني الحر” وحلفاءه، هم أيضًا يشكلون قوى مشتراة تحت شعار “قوى المقاومة والممانعة”، وقد فشلوا في تلميع رموز ووجوه تعتقد بنفسها أنها “وطنية”.

لن يختلف اثنان على أن مثل هذا المؤتمر هو مذهبي وطائفي بامتياز، وبالطبع سيفشل، كما فشل المؤتمر الأول، لأن الناس يرفضون مثل هذه الطروحات، فشعوب المنطقة ترفض، بشكل أو بآخر، مفهوم الأقلية والأكثرية، حيث إن مفهوم الأقلية أو الأكثرية هو مفهوم يحوّل المواطن إلى مواطن من الدرجة الثانية، ويضع مجموعة من الأقليات في مواجهة الأكثرية في المنطقة، وهو بمنزلة إعلان حرب على القوم الأكثري، ويضع المواطنين الواحد ضد الآخر، بحجة الأكثرية والأقلية.

أكثر المتحمسين لهذا المؤتمر، وأشباه هذا المؤتمر، هو النظام الأقلوي في سورية، حيث دخل، منذ عشر سنوات، في حرب لا وطنية، وحرب أهلية، وقاتَل في كل سورية، ضد القوم الأكثري، معتمدًا بشكل أساسي على القوى المذهبية التي استطاع أن يُجيّش لها القوى المستكينة للنظام، من كل المذاهب والديانات.

يقابل هذا الطرح الأقلوي، اللاوطني، مفهوم المواطنة، وقد كان أول من طرحه هو المطران المغيب، مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم، وطرحه كحل بديل لمختلف الحلول للأزمة الوطنية السورية، ووضعه أمام بعض القوى السياسية والدينية الحاضرة، ونشره ليشمل كل مواطن سوري، يؤمن بسوريته، ويحاول أن يوجد الحلول بعيدًا من الطروحات المتشنجة، المذهبية والطائفية، وطرحه في طهران، التي تعمل على تثبيت مفهوم الأقلية والأكثرية. هذا الطرح شكّل خطرًا على ما كان يخطط له النظام القمعي الإرهابي، كحل للأزمة السورية، فهو لا يؤمن بأي حل، بل يؤمن بأنه قادر على لَيّ يد الشعب السوري، وهو ما فشل في تحقيقه، لذا اعتمد على القوى الخارجية التي شكلت استعمارًا جديدًا. ومما لا شك فيه أن هذا النظام هو طائفي بامتياز، ولكنه في الحقيقة مرفوض حتى من طائفته، التي هي طائفة وطنية بامتياز، وقد أدخلها في صراعٍ ليس في مصلحتها.

ما طرحه المطران المغيب مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم، هو الحل الأمثل لسورية، فسورية للسوريين، وهم الذين سيجدون الحل الأمثل بدولة المواطنة التي تستند بشكل أساسي إلى ثقافة المواطنة، التي تصهر كل القوى المذهبية والعنصرية، ولا يبقى إلا المواطن السوري، الذي يشكل الوطن السوري الجديد، الذي سيلغي مفهوم الأقلية والأكثرية، فالمواطن السوري هو المهم.

على مثقفي سورية أن يكونوا أدوات جمع ترفض المفاهيم الممزقة لسورية، وأن يتجهوا نحو الطروحات الوطنية التي تجمع كل الشعب السوري، فالشعب السوري بحاجة إلى ثقافة المواطنة التي تصهر كل القوى في بوتقة ومفهوم المواطنة، وأن لا ينخدعوا بطروحات النظام الذي دمّر سورية.

_____

(*) الصورة: الراحل رائد فارس (المصدر: مواقع ناشطين).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق