أبحاث ودراساتسلايدر

النظام السوري.. الطائفية استراتيجية للبقاء

انطلقت الانتفاضة السورية سلميةً شعبيةً، مطالبةً بالحرية والكرامة التي بدأ السوريون يفقدونها تدريجيًا منذ استلام حافظ الأسد السلطة، وتحوّلت هذه الانتفاضة إلى ثورة شعبية، بسبب الحل الأمني والعسكري الذي انتهجه النظام، ثم صارت مسلّحة للسبب نفسه، وتريد إسقاط النظام بكامل شخوصه ومكوناته، لكن النظام زجّ كل الأقلية العلوية في حربه ضد الأكثرية السنّية، وحمّل الأولى السلاح، واتهم الثانية بالإرهاب، وحاول بث هذه الفكرة لدى الغرب، لتبرير لجوئه إلى العنف المفرط، فتسبب بمشكلة اجتماعية مذهبية تهدد مستقبل سورية لأجيال.

بعد أشهر من انطلاق الانتفاضة السورية، قام النظام بتشكيل ميليشيات مسلحة غير نظامية من الأقلية العلوية، لا تخضع لسيطرة الجيش والأمن، حملت مسميات عدة (لجان شعبية، شبيحة، جيش الدفاع الوطني) وكانت أعلى من المؤسسة الأمنية والعسكرية، ومنحَها صلاحيات مطلقة بالقتل والاعتقال والتعذيب والنهب، من دون أن يكون هناك من يحاسبها، وجنّد عددًا كبيرًا من أبناء القرى الساحلية للقتال، الذين مارسوا الأذى والإذلال ضد المواطنين.

دعم من الخارج

بعد نحو سنة من بدء الثورة، كبرت المعارضة المسلحة، واهتزت المؤسسة العسكرية بسبب انشقاق عشرات الآلاف من الضباط والجنود، ولتعويض النقص، بدأ النظام باستقدام مئات الضباط والخبراء العسكريين الإيرانيين، لتدريب رجال الميليشيا ورجال الأمن على حرب الشوارع والقنص، ثم أتبعها بإدخال الآلاف من عناصر ميليشيات (حزب الله)، واستقدم المئات من المرتزقة من العراق، وجميعهم دخلوا سورية بذريعة الدفاع عن المزارات المقدسة الشيعية، ومارسوا أنواعًا من الوحشية ضد السوريين.

مطلع عام 2012، تأسس لواء (أبو الفضل العباس) كقوة عسكرية شيعية كبيرة، وكانت مهمته الرئيسية حماية مقام السيدة زينب، وضمّ آلاف المقاتلين الشيعة من جنسيات مختلفة، عراقيين ولبنانيين وإيرانيين وباكستانيين.

بداية عام 2013، بدأت مشاركة (حزب الله) في القتال إلى جانب قوات النظام علنًا، وبرّر الحزب هذه المشاركة بأنه يسعى إلى إفشال “مؤامرة دولية ضد سورية”، وعمليًا يعدّ الحزب الصراع الدائر في سورية صراعًا وجوديًا بالنسبة إليه، فسقوط النظام السوري سيكون بدايةً لنهاية هذا الحزب، وانتهاء للهيمنة الإيرانية على المنطقة، نظرًا إلى التقارب الفكري والعقائدي الذي يربط هذا الثالوث، ولأن الحزب حرّض مقاتليه أيديولوجيًا ومذهبيًا، صار المقاتلون يقولون علنًا، وبلا حياء، إنهم يريدون الثأر لأحداث تعود لنحو 1200 سنة خلت، وكانوا في بعض الحالات أكثر دموية من النظام نفسه.

وفق الأرقام التي قدمتها المعارضة السورية (مسؤول المكتب القانوني في الائتلاف)، فقد وصل عدد المقاتلين من (حزب الله) وإيران، ومن اليمنيين والعراقيين الشيعة الذين قاتلوا إلى جانب النظام، نحو 60 ألف مقاتل.

رد مشابه

وبالمقابل، فإن الصراع الذي بدأ يأخذ بعدًا طائفيًا، جذب الكثير من “المجاهدين” العرب وغير العرب، على اعتبار أنه “واجب ديني” يناديهم، ولم يمانع “الثوار” في سورية بانضمام حلفاء من الخارج لمساعدتهم، وهم بالأساس مقاتلون من الطائفة السنّية، وصار بينهم كتائب وقوى جهادية وسلفية.

تغلغلت القاعدة إلى سورية، بسبب عنف النظام وتحريضه الطائفي، وفتح الأبواب لكل من أراد القتال، وحاولت وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية أن توحي بأن ما يجري في سورية هو محاربة للإرهاب السني، لكن واقع الأمر يشير إلى أن أي مجزرة بحق الشيعة أو العلويين لم تحدث في سورية، على الرغم من قدرة مقاتلي المعارضة على دخول قرى علوية، وربما ينفي هذا الأمر ادعاءات النظام.

التنظيمات الإسلامية المسلحة التي ظهرت، كردة فعل على العنف المفرط للنظام، والتي تُرعب أسماؤها أي متحدث في أمور الطائفية، لم يكن لها وجود في سورية قبل ذلك، فليس في سورية لا (قاعدة) ولا تكفيريون، ولا سلفية جهادية، فالمجتمع السنّي السوري، عمومًا، مجتمع معتدل وينتقد هذه التنظيمات ويصفها بالمتطرفة، بل إنه كان يخشى من انتشارها، ويعتقد معظم السنّة أن الحديث عن (أسلمة المجتمع) ليس إلا معركة كلامية خارجية لا تعنيهم.

لكن تصرفات النظام السوري، طوال عشرين شهرًا، شكّلت بيئة جيدة لتأثير الدعاة السلفيين المحليين والعرب ممن يملكون المال، وبعضهم تربطه بالنظام علاقات جيدة، وبدؤوا ينشطون لتعبئة من حولهم لإنجاز “واجب جهادي”، وتحوّل بعض السلفيين البسيطين إلى سلفيين مسلحين في مسار الثورة، لكنهم لم يتحولوا إلى ظاهرة عميقة في المجتمع.

تأسيس دولة طائفية

كان التباين بين الأقلية العلوية (10% من السوريين) والغالبية السنّية (70%) موجودًا بقوة، خلال العقود الأربعة الأخيرة، وإن بشكل مستتر، لكنه خرج إلى العلن بعد الثورة، وأصبح أكثر وضوحًا وقتامة.

بعد استلام حافظ الأسد السلطة بانقلاب عسكري عام 1971، طرأت متغيرات على صعيد الحكم وأجهزة الأمن والجيش، وهيمن العلويون على أجهزة الأمن والاستخبارات وقيادات الجيش، وتم تهميش كل المناصب الحكومية الكبرى عن موقع اتخاذ القرار، ولم يعد لرئاسة الوزراء أو رئاسة البرلمان أهمية تُذكر، وانتقل النفوذ الفعلي إلى الأجهزة الأمنية، وصارت الثروة متركزة فيهم، وفي محيطهم من رجال الأعمال السنّة الموالين، وتم تكريس التنافس الطائفي، وجعل الأسد حزب البعث والحكومة مجرد واجهة مدنية للنظام، بينما الحكم الحقيقي لرجال الأمن من الطائفة العلوية، الذين بسطوا رعبهم ونفوذهم على كل أجهزة الدولة، وصدر (القانون 49) الذي يعاقب بالإعدام كل سوري ينتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين، وسمح النظام بنشاط جماعات إسلامية سنّية أشرفت عليها الأجهزة الأمنية، وفرغها من أي بعد سياسي، واقتصر دورها على التشجيع على طاعة القادة، مقابل سماحه لإيران بتأسيس وجود مرجعي لها في دمشق.

منذ انطلاق الثورة، حاول النظام السوري تجييش العلويين طائفيًا، وبعد أن بدأت الكفة العسكرية تميل لغير صالحه؛ أوحى لهم بأنهم على أبواب الإبادة من “الإرهابيين” السنّة، حتى إنه بث بينهم سيناريو الدويلة العلوية في إطار شكل جديد للدولة في سورية، يقسم البلاد إلى كانتونات طائفية وعرقية، وبدأت مجازر النظام ترسم حدود هذه الدويلة وتواصل توريط العلويين في الدم.

إهمال الأكثرية

كانت الغالبية العظمى من المهجرين واللاجئين الهاربين من سورية هم من السنّة، بينما بقيت مناطق ومدن وقرى العلويين هادئة نسبيًا، والسبب في ذلك يعود إلى أن العمود الفقري للثورة هو سنّة سورية، في حين أن العمود الفقري للنظام وقواته الضاربة هم علويو سورية.

المدن الثائرة في سورية هي مدن ذات غالبية سنّية، لكنها لم تثُر لسبب ديني أو طائفي، فالانتفاضة انطلقت تطالب بالكرامة والإصلاحات والعدالة، وتطورت، بعد أول قتيل، إلى مطالب سياسية لها علاقة بالحرية والإصلاح السياسي الشامل، وبعد الحل الحربي، تطورت إلى المطالبة بإسقاط النظام وكامل رموزه.

حاول السوريون، السنّة والعلويون، ممن لديهم إرث موحد ووعي وطني، تجاوز فكرة النزاع بين السنّة والعلويين، التي من شأنها -إذا توسعت- أن تؤدي إلى تفتت الكيان السوري وانقسام مواطنيه بصورة نهائية، وحاولوا أن يؤكدوا أن المطالبين بالحرية في سورية هم من كل المذاهب والطوائف.

بقي المعارضون العلويون أقلية لا تكاد تُلاحظ، لأنهم يتعرضون للاضطهاد من قبل مجتمعهم، فمع بداية الثورة ادعت الغالبية الساحقة من العلويين الخوف من التغيير، وطالبوا بضمانات، وكانوا يعنون ضمنًا أن تستمر سيطرتهم على الدولة وأجهزتها، ولكن مع إصلاحات شكلية، وبالمقابل قالت مئات بيانات المعارضة إن الشعب السوري واحد، وإن العلويين لا يحتاجون إلى ضمانات لأن الوطن للجميع، لكن لم يظهر ضمن الطائفة العلوية معارضة علنية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، إلا من خلال مبادرات فردية وشخصية لبعض المعارضين لسياسة الأسرة الحاكمة وفسادها.

مع هذا، لا يقف كل العلويين إلى جانب النظام، كما أنهم ليسوا جميعًا مستفيدين منه، وبعضهم يفهم أن النظام يلعب بالطائفة كاملة، ويضعها وقودًا لحربه، ويضحّي بها وبالسلم الأهلي، من أجل بقائه.

أدركت بعض الدول العربية حجم الخطر الذي يتهدد الأكثرية في سورية، وخاصة السعودية وتركيا، لكنها لم تستطع سوى تقديم بعض الدعم العسكري والمادي لهذه المعارضة، مرتبطة بمحددات الولايات المتحدة التي لا تعنيها الصراعات المذهبية، بل ربما تُسعدها، لأنها ستُضعف الطرفين معًا.

ماذا بعد

سعى النظام السوري لإعطاء الصراع طابعًا مذهبيًا، ونتيجة أعماله، أقامت بعض البيئات المعارضة السنّية المتشددة حالةً من التماهي بين النظام والطائفة، وصارت الصورة بالنسبة إليها أن هناك حزبًا مذهبيًا تابعًا لإيران ومجموعات طائفية علوية تقتل الشعب السوري، لتمكين نظام أقلي من الاستمرار بالحكم بالحديد والنار، وفهم المجتمع الدولي الأمر وفق منظوره بأن هناك “إرهاب المتمردين” الذي يجب التخلص منه أولًا، ونسي التجييش الطائفي الذي قام به النظام.

في الحقيقة، لا يمكن للنظام السوري، مهما كان دمويًا، أن يضمن الأمن للعلويين الذين أعلن نفسه ناطقًا باسمهم وحاميًا لهم، وما يضمن أمنهم هو أن يطالبوا بتطبيق العدالة بحق كل من ارتكب جرائم بحق السوريين، بغض النظر عن طائفته، تلك هي الضمانة الوحيدة والممر الإلزامي الوحيد لدخول العلويين من جديد في النسيج السوري، بعد أن جرّهم نظامهم الدكتاتوري خلفه في مغامرته الطائفية، وعليهم أن يطالبوا بقيام دولة مدنية حقيقية خالية من الاستبداد وسيطرة الأجهزة الأمنية، ولا تعتمد على التركيبة الطائفية، دولة ديمقراطية يحكمها دستور مدني، يحفظ الحقوق المتساوية والحريات من دون الدخول في محاصصات طائفية، وبأن تتحول سورية إلى دولة محايدة إزاء جميع مكوناتها.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق