مقالات الرأي

مقدمات تلاقي الدورين الأميركي والروسي في سورية

لم يفكر الأميركيون بالتدخل في سورية منذ البداية، واكتفوا بنوع من إدارة الأزمة عبر وسطاء إقليميين، لكن ازدياد خطر وقوة (داعش) أجبر الغرب على تشكيل التحالف الدولي ضد هذا التنظيم، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في عام 2014. ومع أن النفوذ الأميركي حاليًا يقتصر على الجزيرة السورية، فإن تأثيره يتجاوز ذلك إلى إعاقة أي حلّ لا يتوافق مع المصالح الأميركية، وهذا ما حرم الروس من استثمار دورهم العسكري الكبير في فرض الحلّ السياسي على طريقتهم، وذلك بالاتفاق مع الراعيين الآخرين لمؤتمرات أستانا، تركيا وإيران. ومن المرجح أن يكون للأميركيين دورٌ حاسم في فرض الحل السياسي القادم وإدارته، وذلك من خلال العودة إلى مؤتمر جنيف وإعطاء دور أكبر للشرعية الدولية، على علاتها، فهذا سيضمن مشاركة دولية أوسع في عملية إعادة البناء، الأمر الذي تعجز عنه دولة أو عدة دول بمفردها، مهما كان موقعها وحجمها.

ويحسب للولايات المتحدة مؤخرًا، كقوة عظمى ذات نفوذ في سورية، وقوفها في وجه المحاولات التركية لاجتياح الجزيرة السورية، من أجل إقامة “منطقة آمنة” بشروطها، بحجة وجود “قوات الحماية الشعبية” قرب حدودها، وتضخيم خطر ذلك على أمنها القومي. الحقيقة أن تركيا تعدّ كل “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة عدوةً لها، ونموذجها المفضل هو جزء من المعارضة السورية المسلحة، أو ما أطلق عليه “الجيش الوطني” الذي يأتمر بأوامرها، في منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”.

الأمر بالنسبة إلينا ليس مجرد مفاضلة بين احتلالين، إنما هو تقدير سياسي لدرجة خطورة كل منهما على مستقبل سورية، فبينما يميل الوجود التركي إلى التجذر في الأرض والمأسسة، بما يقارب عملية تتريك، يتمثل الوجود الأميركي بقواعد عسكرية ترتبط، كسياسة معلنة، بالحرب ضد تنظيم (داعش) وبالتحالف مع “قوات سوريا الديمقراطية” على الأرض، وإن كان الهدف الأميركي أبعد من ذلك بالتأكيد.

وإن نظرة سريعة إلى ما رشح عن الاتفاق الأميركي – التركي الأخير، في منطقة شرق الفرات، تشير إلى أنه لم يحقق لتركيا الكثير، وهو أقرب إلى كبح الجماح التركي أكثر منه إلى التنسيق. ومثل ما حصل في منبج، يتضمن هذا الاتفاق الإشراف المشترك على شريط ضيق شبه منزوع السلاح، من خلال قيام قوات من الدولتين بدوريات مشتركة، ما يشجع على عودة المهجرين والنازحين. لن تكون لتركيا سلطة حقيقية في هذه المنطقة، ولن تتدخل في إدارتها، كما تفعل في المناطق السورية الأخرى التي تسيطر عليها، بكلام آخر: إن الواقع السياسي، وإلى حدّ ما العسكري، سيبقى على حاله في الجزيرة إلى أن ينضج الحلّ السياسي.

وإذا أضفنا إلى ذلك الانتكاسات التركية الأخيرة في إدلب، والناجمة عن تكثيف الضغوط الروسية، يمكن القول إن الدور التركي في سورية بدأ بالانحسار، ولم تعد تركيا قادرة على مقايضة روسيا من خلال صفقات كبيرة، كما حدث عند اجتياح مثلث جرابلس – إعزاز – الباب (مقابل حلب)، ومنطقة عفرين (مقابل الغوطة الشرقية). بذلك يلحق تراجع الدور التركي بمثيله الإيراني، ويساعد انحسار هذين الدورين الإقليميين في تقارب الرؤيتين الأميركية والروسية، وتفاهم الدولتين في ما يتعلّق بالحلّ السياسي للمسألة السورية.

كما يساعد التخلّص من المنظمات المصنفة إرهابيةً في إدلب، في الحد من تأثير الدول الإقليمية الداعمة لها، وكذلك من تأثير الدول التي تحاربها أيضًا، لانتفاء الحاجة إلى خدماتها (إيران)، ما يعزز الدور الدولي، ويضعف تأثير الدول الإقليمية وقدرتها على المناورة السياسية والعسكرية. ومن المعروف أن الخلاف بين الدولتين العظميين -مع أن مفهوم العظمة لا ينطبق على روسيا في الواقع- كان من أهم عوامل استنقاع الحالة السورية ومراوحتها خلال أكثر من ثماني سنوات، وأن التفاهم بينهما، بما يتضمنه من وقف الحرب، هو الشرط الأساس لعودة الحياة إلى السياسة السورية أيضًا، ذلك من أجل العمل على خدمة تطلعات السوريين لبناء سورية أكثر استقلالية في المستقبل.

وفي العودة إلى الدورين الإقليميين الأكثر تأثيرًا في سورية، فإن الدور التركي يفضل سياسة القضم والتثبُّت في الأرض؛ بسبب وجود الحدود الطويلة، فيما يعمل الدور الإيراني على الانتشار أفقيًا والتغلغل شبه المستتر في مفاصل الحياة والمؤسسات الرسمية السورية. لكن الدور التركي امتاز عن نظيره الإيراني بامتلاكه إمكانية التنسيق مع كلتا القوتين الدوليتين، أميركا وروسيا، واللعب على خلافاتهما، في حين اقتصر التنسيق الإيراني على روسيا فحسب، يضاف إلى ذلك معاناة إيران من الحصار الاقتصادي الأميركي، وتعرضها للضربات المباشرة من قبل “إسرائيل”، الطرف الحاضر – الغائب في كل ما يتعلق بالسياستين الروسية والأميركية في سورية.

إن تحجيم القوى الإقليمية وتراجع الحاجة إلى جهودها سيمهد لاقتراب الموقفين الأميركي والروسي وتكاملهما، في المرحلة القادمة التي ستشهد ولادة الحل النهائي من خلال العودة إلى الحل الدولي، بما يتضمنه من دور مهم للولايات المتحدة، واستطرادًا الاتحاد الأوروبي، بخاصة بعد فشل الحل الروسي عبر مؤتمر أستانا أو تراجعه، لاصطدامه بعقبتين كبيرتين هما إعادة البناء وعودة المهجرين.

وإن مهمة الوطنيين السوريين، في هذه المرحلة، وفي المراحل القادمة، وفي ضوء المؤشرات التي ترجّح انتصار الحلف الأميركي – الروسي – الإسرائيلي، هي العمل على سحب المصلحة السورية من بين “أنياب” المصالح الدولية والإقليمية، واستغلال التناقضات بين هذه المصالح، وذلك من خلال مقاربة جديدة للواقع، تأخذ مجمل التطورات الحاصلة بعد عام 2011 بعين الاعتبار، شرط الاستفادة من هذا الكم الكبير من الأخطاء والخيبات، مهما كانت أسبابها ومبرراتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق