تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إدلب.. إعلان موت سوتشي

استولت قوات النظام السوري، بدعم عسكري روسي، على مدينة خان شيخون الاستراتيجية في محافظة إدلب شمال غرب سورية، ودخل الجيش المدينة بعد أن انسحبت فصائل المعارضة المسلحة منها مع أسلحتها، وخلّفت هذه الهجمة الشرسة على إدلب، التي بدأت في شباط/ فبراير الماضي، نحو مليون مُهجّر فرّوا من الحرب الشرسة التي شنها النظام وروسيا.

لم تنته المعركة، على الرغم من أن قوات النظام سيطرت على المدينة التي كان يُعتقد أنها هدف، فمن جهة، أعادت فصائل المعارضة المسلحة التمركز في جنوب المدينة وشمالها، وما يزالون يسيطرون على بلدات في مناطق مجاورة، وعلى جزء كبير من مدينة إدلب، ومن جهة ثانية، لم تُوقف قوات النظام عملياتها العسكرية، ويبدو أن هدفها ما زال أبعد من ذلك.

صارت أغلب القرى حول خان شيخون غير مؤهلة للقتال، ومن السهل أن يسيطر عليها النظام السوري، إذا استخدم القوة النارية التي استخدمها هو والروس ضد خان شيخون، وهي غير مجهزة لمعارك كبيرة، فأغلبها فارغ أو مدمر، وتحاول المعارضة المسلحة السيطرة عليها بأي طريقة، كي تكون نقاط انطلاق نحو المناطق الرئيسية.

وعلى الرغم من كون المنطقة مشمولةً باتفاق روسي تركي لخفض التصعيد وإنشاء منطقة منزوعة السلاح، فإن الروس لم يهتموا بهذه الاتفاقية، وشاركوا بكثافة نارية جوية غير مسبوقة لإسقاط هذه المنطقة من إدلب، وقالوا إن العملية العسكرية في إدلب كانت من أجل تأمين قاعدة مطار حميميم على الساحل السوري، التي يتخذها الروس قاعدة أساسية لهم في سورية، خاصة بعد اتهاماتهم لـ (جبهة النصرة) بأنها تستهدف هذه القاعدة. وهم يوافقون على سيطرة النظام على ريف إدلب، لأن ذلك سيخلق مناطق عازلة عن المناطق الساحلية التي يوجد بها الروس.

أنشأ الجيش التركي عدة نقاط مراقبة جديدة، جميعها خارج منطقة سيطرة النظام السوري، بطريقةٍ توحي بأنه يعيد رسم حدود المنطقة التي تُسيطر عليها المعارضة السورية، على نحو يُقلّصها ويجعلها أكثر صغرًا. قابل ذلك تصريحٌ لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن هناك أفرادًا من الجيش الروسي يتمركزون في محافظة إدلب السورية، ما يعني أيضًا أن هذه الحدود مراقبة من روسيا وتحت مرمى نظرها، وأنها حدود جديدة، قللت مساحة أرض المعارضة السورية، وأضعفتها في أي مفاوضات مقبلة.

من الواضح أن معارك إدلب تحمل ثلاثة أهداف مركّبة، عسكري واقتصادي وسياسي، فمن جهة الهدف العسكري، هي معارك تهدف إلى السيطرة على المناطق الاستراتيجية، والمحاور الأساسية، كما في حالة خان شيخون، التي تقع على الطريق الدولي الذي يصل حلب مرورًا بحماة حتى جنوب سورية.

أما من جهة الهدف الاقتصادي، فإن سيناريو النظام السوري وروسيا يقوم على التمدد أكثر، وقضم مناطق أوسع من المعارضة المسلحة، لأن من يُسيطر على هذه المنطقة، سيتحكم في الطرق الأساسية نحو المدن الرئيسية الأخرى في سورية، شرقًا وغربًا وجنوبًا. ويضع الروس والنظام نصب أعينهم فتح الطريقين الدوليين الواصلين إلى دمشق واللاذقية، وهذا ما سيسمح بتنشيط المجال التجاري من جهة، وإنعاش النظام اقتصاديًا، ويسهّل تنقل القوات العسكرية وأمانها من جهة ثانية، أي أن له أكثر من فائدة، بالنسبة إلى النظام وروسيا على حد سواء.

أما الهدف السياسي، فإن روسيا والنظام السوري يستخدمان ورقة خان شيخون، كوسيلة ضغط لتمرير اللجنة الدستورية وشروط اجتماعات أستانا وسوتشي الأخرى، وما تزال روسيا متمسكة بدعم النظام السوري وتخليص المعارضة السورية من الأرض التي تُسيطر عليها، وقد نجحت في جنوب سورية ووسطها وغربها، وهي تنجح الآن في شمالها، وتقول إنها تُساعد النظام في التخلص من “الإرهابيين”، مع أنها نفسها تقوم بمفاوضة هؤلاء ودعوتهم إلى اجتماعات أستانا، وقد دعتهم إلى مؤتمر سوتشي، الذي نتج عنه اتفاقية المناطق الآمنة، التي لم يحترمها النظام السوري، ولم تأبه بها روسيا نفسها.

التطورات الميدانية المتسارعة التي شهدتها محافظتا إدلب وحماة شمال غرب سورية، تمهّد لتحوّل جديد في المشهد السوري بأكمله، وستكون مدينة خان شيخون علامة فارقة بين مرحلتين، وإن الأسبوعين اللذين يفصلاننا عن موعد انعقاد القمة الرئاسية الثلاثية لضامني أستانا (روسيا وإيران وتركيا) يعدان بتطورات حافلة قد تشكل مفتاحًا لمرحلة مختلفة عمّا سبق أيضًا، وربما تحسم القمة الثلاثية مسائل بالغة الأهمية، على رأسها حتمية البدء في تنفيذ الاتفاقات السابقة، وفق جداول زمنية واضحة ووفق الرؤية الروسية، خاصة أن المعارضة السورية باتت في أضعف أوضاعها، ولا يمكن أن تكون في موقف يسمح لها بالاعتراض على ما تريد روسيا فرضه.

تغيّرت معالم الخريطة السورية “المحررة” من النظام، كما تُسميها المعارضة السورية السياسية والعسكرية، وتقلصت مساحتها من نحو 60 بالمئة من مساحة سورية، قبيل التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية في أيلول/ سبتمبر 2015، إلى أقلّ من 5 بالمئة في الوقت الراهن، وتقاسم بقية مناطق سورية النظام وحليفه الإيراني بواقع 60 بالمئة، والولايات المتحدة وحليفها الكردي بواقع 35 بالمئة، بينما تراجعت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية إلى بقع جغرافية صغيرة وسط الصحراء السورية، لا تكاد تُذكر.

التدخل الروسي العسكري المباشر في سورية كان حاسمًا، بالنسبة إلى قلب كفّة الميزان، وبات انحسار سيطرة المعارضة السورية مستمرًا، حتى إن مواقفها السياسية بدأت تضعف تدريجيًا، بعد أن كانت متمسكة بإعلان جنيف 1 لعام 2012 الذي يدعو إلى هيئة حاكمة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وبدأت تميل مع الريح الروسية، وتُشارك في اجتماعات أستانا ومؤتمر سوتشي، وصارت توافق على هدن تصالحية، وعلى مناطق خالية من سلاح المعارضة، وتوقع اتفاقات مصالحة، وصولًا إلى مستوى تخلي بعض أطياف المعارضة عن فكرة الهيئة الحاكمة الانتقالية، ليصبح همهم تعديل الدستور السوري بوجود النظام السوري الحاكم الحالي ورئيسه والمسؤولين الأمنيين فيه.

يبدو أن السعي الروسي في أوج مراحله، ضمن عملية منهجية بدأها بالسيطرة على مختلف المناطق المحررة سابقًا وسط وجنوب سورية، ليصل إلى العقد الأهم، وهو الحصول على المنافذ البرية لسورية، وفي الوقت ذاته استغل الروس التفاهمات التركية – الأميركية، بخصوص المنطقة الآمنة، لتنفيذ مشاريعهم على حساب الوضع التركي – الأميركي المتأزم، في شرق الفرات شمال سورية.

ومن ناحية تركيا، أظهرت الأحداث الأخيرة في تركيا ضد اللاجئين السوريين، محاولاتها الحصول على مناطق آمنة أو غير مهددة بالقصف، لتأمين عودة السوريين إلى بلادهم، حيث حاولت تركيا طرح إنشاء منطقة آمنة في إدلب، إلا أنها لم تنجح أمام سعي روسيا لبسط سيطرتها وحليفها على الشمال السوري.

ما حصل في إدلب أخيرًا هو إعلان نهائي لموت وانهيار اتفاق سوتشي الذي نصّ على إنشاء منطقة خفض التصعيد، كما أنه بداية لمرحلة جديدة من الضغط الروسي على المعارضة السورية، لقبول حلول الروس السياسية، وهو أخيرًا تأكيدٌ على أن مصير سورية كلّها بات لعبة بين الأمم، وليس مصير إدلب وحسب، حتى تتوضح خطط الدول الكبرى المرسومة لسورية، وللشرق الأوسط عمومًا، وقد يطول انتظار السوريين لذلك بضع سنوات أخرى.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق