مقالات الرأي

“عطب الذات” وعطب القراءة

ستة أشهر مرّت على صدور كتاب برهان غليون “عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011 – 2012“، دون أن يستدعي ردات أفعال علنية، سلبية أو إيجابية، مِن معظم مَن يعنيهم الأمر في المقام الأول، أي ممن تصدّوا لمهمات تمثيل الثورة والمعارضة خلال سنتي 2011 و2012، على ما تضمنه في صفحاته التي تجاوز عددها خمسمئة صفحة! أما المقالات التي كُتبت حوله فقد كان أكثرها تنويهًا بصدوره أو إشارات وجيزة إلى مضمونه، وأقلها كان نقدًا لما جاء فيه. سوى أن هذا القليل من المقالات النقدية وقع -كما يبدو- في فخٍ ربما كان العنوان مسؤولًا عنه: (عطب الذات) انطلاقًا من أن الذات الجمعية لا تستثني الذات الفردية، أي ذات المؤلف نفسه. فراح كتابها يصبون جام غضبهم على المؤلف، لأنه تحدث عن أخطاء الآخرين ولم يتحدث عن أخطائه هو، الأمر الذي دفعهم إلى اعتبار ذلك “عطبًا رئيسًا” في الكتاب ينزع عنه لدى البعض مصداقيته، أو يسيء لدى البعض الآخر إلى قيمته وأهميته.

ولو أخذنا بعين الاعتبار عددًا كبيرًا من التعليقات السريعة التي حفلت بها صفحات شبكات التواصل الاجتماعي، والتي كانت في صياغاتها الجادة أو المستهزئة أو المستخفة تعكس مشاعر حب أو كراهية أو لامبالاة نحو المؤلف، ولا سيّما من قبل الذين لا يعرفونه إلا بوصفه شخصية عامة، أو الذين لم يقرؤوا الكتاب أساسًا، ربما كان مصدرها قناعات أصحابها الأيديولوجية أو مواقفهم الفكرية؛ لأمكننا التساؤل بحق عن وجود سوء تفاهم -أو ربما سوء قراءة- للعنوان أولًا، ولمرامي الكتاب ثانيًا، ولما احتواه الكتاب بالفعل في متنه ثالثًا.

لا بد قبل كل شيء من التذكير بأن العنوان عادة (إن لم يكن من اختيار الناشر لأسباب تجارية محضة) هو دليل الكتاب. وبوصفه كذلك، لم يكن عنوان كتاب برهان غليون يتضمن ما يشير إلى أنه وقائع سيرة ذاتية أو مذكرات شخصية يستعيد بها المؤلف سنوات حياته أو بعضًا منها. ذلك أن الجملة التالية من العنوان: “وقائع ثورة لم تكتمل – سورية 2011 ـ 2012” توضح -بما لا يترك أي مجالٍ للّبس أو لسوء الفهم- أن المؤلف سعى إلى تقديم سردية تاريخية لهاتين السنتَين اللتين شهد خلالهما وعاش الحدث الاستثنائي في تاريخ سورية المعاصر، وشارك فيه مفكرًا وناقدًا، من ناحية، ثم منخرطًا كليًا في الفعل السياسي الذي سرعان ما دفع به إلى موقع المسؤولية السياسيّة بوجه خاص، من ناحية أخرى. وربما كان من المفيد تذكير الشباب الذين اتَّقدَ وعيهم مع انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، بأن برهان غليون كان قد بدأ حياته كاتبًا ومفكرًا ملتزمًا، ولا سيما في حقل الاجتماع السياسي، قبل عقود أربعة من ذلك العام، وأن الإيماءة الموجزة في بداية الكتاب إلى مساره الفكري والنضالي على صعيد الكتابة، أو إلى المشاركة النضالية المباشرة في سورية مع بداية الألفية الثالثة، كانت تستهدف الإشارة إلى أنه لم يكن طارئًا، لا على النضال، ولا على الالتزام بقضايا وطنه الملحة، على الرغم من مغادرته سورية في نهاية ستينيات القرن الماضي. لكن السوريين، ومنهم بعض أصدقائه القريبين الذين عرفوه كاتبًا ومفكرًا طوال العقود الماضية، فوجئوا -والحق يقال- بانتقاله إلى حقل الممارسة السياسية المباشرة، حين قبِلَ توافقَ مؤسسي المجلس الوطني السوري عام 2011 على شخصه، كأول رئيس له. ها هو مثقف وأكاديمي يضيف إلى صفتيه هاتين صفة الرجل السياسي، بكل ما تعنيه هذه الصفة من معان متباينة تنطوي عليها مختلف اللغات، ومن ثمَّ مختلف المجتمعات شرقًا وغربًا. لم يكن هذا الأمر أيضًا موضوع الكتاب، وإن وجبت الإشارة وربما العودة إليه في مناسبة أخرى.

تقود قراءة كتاب عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل إلى أن المؤلف عمد، بصفته مفكرًا سياسيًّا وناقدًا، إلى أن يختصَّ السنتين الأوليتين من الثورة السورية -التي لم تكتمل- بسرد تحليلي ونقدي لوقائعها بما أنه كان، بخلاف معظم من كتبوا حتى الآن عن هذه الثورة، شاهدًا وفاعلًا، يملك من المعلومات وتفاصيل الأحداث التي عاشها أو المصاعب التي واجهها أو الخيبات التي عاناها ما لا يستطيع أن يقوم بمثله سوى أمثاله، ممن تصدّوا لقيادة الهيئات التي طمحت إلى تمثيل الثورة والحديث باسم السوريين، ولا سيّما الشباب منهم، الذين كسروا جدران الخوف والرهبة، وخرجوا يواجهون بصدورهم أعتى نظام استبدادي عرفته المنطقة العربية خلال الأعوام المئة الأخيرة.

لا شك أن من أولى واجبات من عاشوا هذه الفترة أفرادًا ضمن مؤسسات وهيئات الثورة، مناقشة موضوعات هذا الكتاب جميعها، ولا سيما منها سردية الأحداث التي كان من بعض نتائجها تدهور الثورة ودخول الفاعلين فيها، شأن الذين تصدوا لقيادتها أو لتوجيهها في متاهات أدت إلى ما عمل النظام الأسدي منذ البداية على تحقيقه، أي على إجهاض هذه الحركة النبيلة، بدعم ومساعدة حلفائه الإيرانيين ووكلائهم على الصعيد الإقليمي، والروس على الصعيد الدبلوماسي، خلال الفترة التي اختصها الكتاب. ذلك أنهم يملكون، هم أيضًا، من المعلومات ومن التفاصيل الخاصة بهاتَين السنتَين ما يمكن أن يسهم ربما في تصحيح أو على وجه اليقين في إثراء سردية هذا الكتاب.

لقد تناولت هذه الأخيرة بالتفصيل انطلاقة الانتفاضة السورية، ومخاض ثم ولادة المجلس الوطني السوري، وتشرذم المعارضة في هيئات مستقلة، وما جرى من تسويق لظاهرة العرعور الذي ما إن أدى الدور المرسوم له حتى اختفى من الساحة ومن الشاشة في آن واحد، مثلما عرض صراع “الأيديولوجيات المأزومة” بين الإسلاميين والعلمانيين. لكن من بعض أهم ما انطوت عليه هذه السردية الاستثنائية، كان تفاصيل الحوار/ الصراع مع العسكر ممثلًا في قيادة الجيش الحر، أو ما جرى على أرض الواقع من تحييد للعسكر وعسكرة للمدنيين. تلك أمور كان أوْلى بالذين تعرضوا للكتاب مسجلين مأخذهم الأساس على مؤلفه (غياب النقد الذاتي) أن يناقشوها، وخصوصًا منهم من كان في هيئات المعارضة موظفًا أو ناشطًا أو مسؤولًا، لا لدورها التخريبي في أثناء السنتين المذكورتين في العمل الثوري فحسب، بل بوصفها الآفة التي واجهت وتواجه وستواجه كل من يتصدّى للعمل من أجل دولة مدنية ديمقراطية لا هيمنة فيها إلا للشعب عبر المؤسسات التمثيلية التي تعمل تحت إرادته.

كان من الممكن على الأقل مناقشة ما يمكن أن يُطلق عليه آنئذ وبلا تردد “الغباء السياسي”، في فهم هذا الضرب من إدارة مثل هذه الهيئات، أو إن شئنا “استعجال الوصول إلى السلطة والولاية” في وعلى ثورة لم يكن لهم يد في إطلاقها على كل حال، وذلك حين اشترط ممثلو بعض مؤسسي المجلس الوطني السوري أن تكون مدة ولاية رئيس المجلس ثلاثة أشهر، ثم تنازلوا (بعد استشارة قادتهم) فمددوها إلى ستة أشهر! لم يكن بوسع برهان غليون أن يحاجج في الأمر تحت طائلة الاتهام بمرض السلطة، ولم تكن ثمة وراءه قوة سياسية تحاجج في الأمر موضوعيًّا، وتعفيه من السير في طريق كان منذ البداية محفوفًا بالعقبات والمزالق. كانت حجة القائلين بقصر مدة الرئاسة على ثلاثة أشهر تعكس هي الأخرى وبوضوح هذا الغباء السياسي أو هذا الجشع: فالتناوب على الرئاسة لا بد أن يكون قصيرًا، نظرًا لأن انهيار النظام لن يتأخر! والأنكى من كل ذلك أنَّ أحدًا يومئذ لم يتعرض لمثل هذا السلوك بالنقد أو بالرفض، ما دام “لا صوت يعلو فوق صوت الثورة”.

هناك أيضًا ما كان من الأولى أن يناقش من وقفوا عند غياب النقد الذاتي في الكتاب ما جاء فيه من تفصيل يخص طبيعة العلاقات التي كانت وجوه ومؤسسات المعارضة السورية ترتبط بها مع القوى الإقليمية والدولية. يروي برهان غليون في كتابه حادثة رفضه طلب المراقب العام للإخوان المسلمين رياض الشقفة حضور ممثل لوزارة الخارجية التركية بصفة مراقب، أول اجتماع للأمانة العامة للمجلس الوطني. ذلك ما حمله على أن يبين في كتابه أمرَين: “ضعف روح السيادة الوطنية عند النخب السورية” وأن “الانزلاق نحو التبعية لا ينجم دائمًا عن إرادة الهيمنة الخارجية، ولكن عن القابلية للتبعية وغياب روح السيادة والاستقلال”.

ألم يكن الأجدى التوقف عند هذه الثيمات وسواها مما حفلت به وقائع هذه الثورة التي لم تكتمل، بدلًا من انتظار أن يقوم المؤلف بالاعتراف بأخطائه التي لا بد من أن يكون قد ارتكبها، ما دام يحصي على الآخرين أخطاءهم؟

على أنه لا بد من الإشارة إلى أن قراءة الذين توقفوا عند غياب النقد الذاتي في الكتاب كانت، مع ذلك، قراءة عجلى، لم تنتبه إلى المرات العديدة التي كان المؤلف يشير فيها إلى الأخطاء الجماعية بضمير المتكلم، وإلى أنه كان الأوْلى بهم، بدلًا من مطالبة الكاتب بالقيام بهذا “الاعتراف”، أن يسجلوا له إن استطاعوا أخطاءه، مثلما سجل من ناحيته أخطاء الآخرين، بعد أن يثبتوا على الأقل أنهم قرؤوا الكتاب قراءة لا عطب فيها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق