كلمة جيرون

لا يرون بقية المشهد

“يتمرجل” هذه الأيام المؤيدون للنظام السوري، ويستعرضون بطولات نظامهم وقدراته، ويدّعون أنه “انتصر” على كل من خرج عن طاعته، وأن كل من طالب بتغييره أو بإسقاطه “انهزم”، وصار على هامش التاريخ، وكل من سيُطالب بذلك مستقبلًا، سيستحق “الدعس” و”السحق” و”الإبادة” وسينالها، بفضل قوة و”عظمة” و”صمود” النظام وقواه العسكرية، و”وفاء” حلفائه، ويتباهون بـ “سقف الوطن المتجانس” الذي يعيشون تحته.

تصاعد حدةِ “مَرجلة” المؤيدين، وقناعتهم بتحقيق نظامهم النصر الساحق، لم تبدأ بعد “خان شيخون”، وإنما بدأت منذ أن استسلمت الفصائل المسلحة المعارضة في الغوطة، ثم في جنوب سورية، وحلب والقلمون وغيرها من المناطق، وبعد اندحار العمل المسلح، أمام آلة حرب النظام التي تدعمها روسيا بترسانتها الكاملة.

من الصعب التهرّب من حقيقة أن فصائل المعارضة السورية المسلحة قد انهزمت، إذ إن انهزامها كان أمرًا متوقعًا وملموسًا باليد منذ البدايات، فهي بالأساس لم تكن من صلب بنية الثورة، وتشكلت عشوائيًا واضطراريًا، ولم يقدها خبراء العسكرة، بل إنها لم تقبلهم أو همّشتهم عن عمد (لأن العملة الرديئة تطرد الجيدة من السوق)، ولم تنهج أسلوب “حرب العصابات” التي تعتمد على المباغتة والعمليات النوعية والخفاء وعدم الالتحام، واعتقدت أنها قادرة على مقارعة سلاح الدول، ولم تحصل على دعم متناسق ومبرمج ومتواصل، وبعضها لم يحصل إلا على فتات الدعم، وأهملت التمثيل السياسي، واعتقدت أن بإمكانها أن تحلّ محلّ الثورة السلمية، ومحل المعارضة السياسية والناشطين والثوار، وأن تفرض الأجندة الإسلامية عنوة، فقط لأن بيدها سلاح.

هذا الجانب من اعتقاد المؤيدين للنظام صحيحٌ، أي انهزام الفصائل المسلحة، لكن واقع الأمر أن هؤلاء قصيرو بصر وبصيرة، ولا يرون بقية المشهد الذي يقول إن الجميع خاسر، وعلى رأسهم هم والنظام، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، بشريًا وماديًا ومعنويًا وأخلاقيًا، وأن النصر لم ولن يتحقق لهم ولنظامهم الذي يدعمون، وأن “الدولة المنسجمة” التي أرادوها ستكون كارثة على سورية كلها، وأن النظام الذي يريدونه أبديًا سيطَؤهم بمنسمه في وقت قريب.

يتحدث هؤلاء عن انتصار نظامهم، ويتناسون أنه تسبب في مقتل ما يقرب من مليون سوري، وأن حربه خلّفت ضعف هذا العدد من الجرحى، ومثلهم من الأيتام، ومئات ألوف الأرامل والثكالى، وتسببت في دمار أكثر من نصف البنى التحتية السورية، من مدارس ومستشفيات وأسواق ودور عبادة، وتسببت في تهديم مئات المدن والقرى والبلدات، كليًا أو جزئيًا، وسوّت مئات ألوف المنازل بالأرض.

يتحدث هؤلاء عن انتصار نظامهم، ويتناسون أنه تسبب في أن غالبية السوريين باتوا يعانون أمراضًا نفسية اجتماعية وتربوية، وأنهم مُدمّرون من الداخل، بعد أن أشعل النظام الطائفية والمناطقية والمذهبية فيهم، والتمييز والأنانية والفساد، ورفض الآخر وإقصائه، وتتفيه الوطنية واستسهال التخوين، وأن غالبية السوريين يحتاجون إلى جيل أو جيلين ليُرمموا أنفسهم، ويتوازنوا، ويتعافوا من طاعون الحرب والقتل والدماء.

يتحدث هؤلاء عن انتصار نظامهم، ويتناسون أنه تسبب في انهيار منظومة الأخلاق والقيم والمثل، وأرغم السوريين على رفض مفاهيم الدولة الحديثة ودولة المواطنة والحريات والقانون والديمقراطية، وأرغمهم على نسيان مفهوم تداول السلطة والحكم الرشيد، وحرمهم من العدالة والمساواة، وأباح الفساد بكل أشكاله.

ما خلّفه النظام السوري بحربه كارثي، ولا يمكن أن يكون نصرًا بأي مقياس، وعلى الموالين له أن يعيدوا تقييم النظام الذي يدعمونه، بالنظر إلى أعماله ونتائج أعماله، ليكتشفوا بسهولة أن خمسة عقود من حكمه عمومًا، وحربه الأخيرة على وجه الخصوص، خلّفت دولة مريضة مُدمّرة بكل المقاييس، وشعبًا مريضًا يعيش عصرًا مأسويًا، وحقبة سوداء لن تزول من سماء سورية لعقود، وربما آن لهم، بعد ثماني سنوات عجاف، أن يروا بقية المشهد، أملًا بأن يستيقظوا من سباتهم العميق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق