سلايدرقضايا المجتمع

هموم السويداء الآن

تعاني السويداء الآن ثلاثة هموم مركزيّة، نتيجة غياب دولة المؤسسات عن السويداء من جهة، وحضور “الدولة الأمنيّة” بأدواتها المحليّة، بإضافة إلى العوامل الإقليميّة من جهة أخرى.

أمّا هذه الهموم فهي:

  • همٌّ أمنيّ يتجلى في قطع طريق الشام وما يمثله من شريان أساسيّ للمحافظة، كما يتجلى في الخطف وطلب الفدية وتبعاته من خوف ودفع مبالغ كبيرة، ويتجلى أيضًا في انتشار السلاح واستخدامه عشوائيًا في الجنائز والأفراح وفي افتعال معارك وهميّة لترهيب الأهالي، وفي استخدامه لغايات شخصيّة تتعلق بالمال والمخدرات والتهريب والخطف والنبش عن الذهب والآثار…
  • همٌّ إنمائيّ ماثلٌ في غياب المشاريع الإنمائيّة عن السويداء، التي يساعد حضورها في زيادة القوة الشرائيّة وإيجاد فرص العمل، وذلك في ظل ضرب أسعار موسم التفاح وموسم الحمص والحاجة إلى مادة المازوت للزراعة.
  • همُّ تشويه صورة السويداء عند الرأي العام، والإساءة إلى عائلاتها ومكوناتها وتاريخها بوصفها منطقةً آمنةً تاريخيًّا، وبوصف خياراتها الأساسيّة كخياراتٍ وطنيّة (مثل مقارعة الاستعمار والتضحية من أجل الوطن)، وقوميّة (كالانحياز إلى قضية فلسطين والوحدة العربيّة)، وليست طائفيّة (كالانفصال والتقسيم والتعالي على الشعب السوريّ وتشكيل خنجر في خاصرته الجنوبيّة). فلصالح من يتم تشويه صورة السويداء أمام الرأي العام؟ أعتقد أنها محض مرحلة تمهيديّة لإخضاع السويداء من جديد للسلطة الغاشمة.

أمّا العوامل التي مهدت الطريق لهذه الهموم فهي:

  • غياب كامل لدولة المؤسسات عن مقتضيات الأمن، مع حضور لها، في درجاته الدنيا، من ناحية الخدمات.
  • حضور غير مباشر للنظام (السلطة) بمعنى الأجهزة الأمنيّة؛ لإدارة هذه الفوضى المدمِّرة إدارةً خلفيّة.
  • دور إيراني من خلال الحرس الثوري وشراء ولاء بعض المرتزقة التخريبيّ، ودور لبنانيّ من خلال حزب الله ووئام وهاب وطلال أرسلان ووليد جنبلاط للاستقواء بالسويداء ضمن حاجاتهم، ودور إسرائيلي ماليّ يضع الأمور في غير نصابها عن طريق موفق طريف وعلي معدي.
  • تلاشي فكرة الإدارة الذاتيّة وذلك من خلال عدم تطوير أية مؤسسات بديلة لمؤسسات الدولة سواء كان في مجال الأمن والحماية الذاتيّة، أو في مجال القضاء والمحاسبة والردع، أو في مجال التنظيمات والأحزاب والمجتمع المدنيّ.
  • بؤس مشيخة العقل الروحيّة من جهة، وبؤس القادة الزمنيين التقليديين من جهة أخرى.

وهكذا، تتداخل وتتشابك الأدوات الفاعلة، وهي فصائل محليّة تعمل بأوامر من النظام ومن الدول الإقليميّة، في خلق مثل هذه الهموم؛ وذلك بممارستها لفوضى السلاح، وتجارة السيارات المسروقة أو السيارات التي من دون نمرة (وهي ما يُصطلح عليها “لفة رسن”)، وتجارة المخدرات وتعاطيها وتهريبها، وتجارة التعفيش، والخطف وطلب الفدية، والقتل بغير حق وخروج عن القانون، وتهريب المازوت والبنزين والأغنام… إلى أخر ما هنالك من موبقات. كما تتداخل وتتشابك أيضًا العوامل الفاعلة في هذه الهموم والمنتجة لها، وهي إقليميّة، بحيث جعلت مثل هذه الهموم الفوضويّة ممكنة. وأيضًا تتداخل وتتشابك أدوار الدولة والسلطة والنظام في تعميق هذه الهموم، بحيث بات الفصل بين هذه المقولات واجبًا أخلاقيّا وسياسيًّا.

وفي ظل هذه الحالة الخطيرة، تنمو مطالبة المجتمع الأهليّ أنْ يتصدى لمثل هذه الهموم، بمقابل إعفاء دولة المؤسسات من دورها على اعتبار أنّ النظام أو السلطة لا تريد ذلك، إنْ لم تكن هي وراء كل ذلك.

والحق يُقال، إنّ تجاوز مثل هذه الهموم في السويداء هو حصيلة تشاركٍ بين دولة المؤسسات وبين أهالي المنطقة، وليس الاتكال على أحد الطرفين كما هو حاصل في المطالبات. فمن دون جمهور وأهالي تمتثل للقانون وتمده بالشرعيّة، ومن دون دولة شرعيّة تُطبق القانون، يستحيل التعايش في المجتمعات الحديثة، إنّ مطالبة المجتمع الأهليّ بالقيام بتطبيق القانون هو انتكاس إلى المجتمعات البدائيّة والصغيرة، ولا ينتمي إلى مجتمعات اليوم الحديثة والكبيرة.

فهل يستطيع المجتمع الأهليّ ضبط الفوضى؟! لا يستطيع؛ لأنه لا يمتلك شرعيّة أو تفويضًا للقيام بذلك. ففي حين نجد أنّ كلمات مثل عيب وحرام وغلط لا تعطي أية نتيجة ملموسة، فإن استعمال القوة الأهليّة لتوقيف الخارجين عن القانون والمجرمين، ونزع سلاحهم ومحاكمتهم، يفتقد إلى الشرعية والتفويض، بينما مؤسسات الدولة تمتلك مثل هذه الشرعيّة المفقودة عند المجتمع الأهليّ، ولا تبادر إلى ذلك، لأن السلطة تمنعها، بل إنّ السلطة تمدُّ الحبلَ على الغارب لكل المجرمين.

لنفرض جدلًا أنَ أحدًا من الأهالي أقام حاجزًا وحاول أنْ يوقف أحدًا ما، أو أن يفتشه أو أن يصادر سلاحه، فإن أول ما يعترضه هو مسألة الشرعيّة، بأي حق تفعل هذا؟ من فوضّك؟ من أين تستمد شرعيتك؟ وهذا سيجعل من الاقتتال بين الأهالي وبين الفصائل المحليّة على الطالع والنازل، فماذا لو قتلَ فردٌ من الأهالي أحدَ المجرمين؟ فإنّ جماعته المسلحّة وعائلته ستثور لقتل أحد أفرادها. فميزة دولة القانون أن يمتثل الجمهور والأهالي إلى شرطي واحد، أو قاضٍ واحد لامتلاكهما الشرعيّة. بينما الجمهور ليس منوطًا به تطبيق القانون، بل الامتثال له، لأنّه فاقد لشرعيّة تطبيق القانون.

إذًا علينا الفصل بين الدولة وبين السلطة أولًا، ومطالبة الدولة مطالبة مستمرة بتحمل مسؤولياتها الأمنيّة والتنمويّة والخدميّة ثانيًا، كما علينا مطالبة الأهالي باحتضان الدولة لا السلطة ثالثًا.

أليست السويداء جزءًا من الدولة؟ أم إنها جزء من النظام والسلطة فحسب؟ وهل من بديل عن الدولة؟  إنّ السويداء جزء من الدولة لا من السلطة، ويحق لها أن تنعم بفضائل الدولة، ولا بديل عن الدولة إلا الدولة، وإنّ تغيير الدولة يتم بمنطق الدولة لا بمنطق المجتمع الأهليّ، فنحن في السويداء أمام معضلة، هي أنّ مؤسسات الدولة تستطيع ضبط الفوضى ولكن السلطة لا تريد ذلك، في حين أنّ المجتمع الأهليّ لا يستطيع ضبط الفوضى، على الرغم من أنّه يريد ذلك، ويريد إعفاء الدولة من مهامها لتطابقها مع السلطة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق