مقالات الرأي

سورية داخل القسمة وخارج التقسيم

في دائرة الحرب المشتعلة التي أكلت أخضر سورية ويابسها، لم يكفِ الحديث داخل أروقة المؤتمرات وبين المؤتمرين، حول “وحدة سورية أرضًا وشعبًا”، لتكون بندًا من مخرجات أستانا، ومحطّ اتفاق بين الدول الضامنة “لمصالحها” ولوحدة الأرض والشعب، ونافذة لأسوار مؤتمرات العشائر والأقليّات المتشظّية، وخاتمة لجلسات المعارضة “الرسمية”، وتصريحًا لمعظم العاملين بالشأن السياسي السوري، وكأن هذه الوحدة تحوّلت -مع مجريات التصعيد وارتفاع الجدران- إلى مجرد لازمة ضرورية لا يجري تثبيتها كمعطًى أساسي يردم التشظّي الحاصل، على صعيد المجتمع والدولة السوريّة.

منذ بداية الحراك حتى يومنا، تغيّرت كثير من المعطيات والفرضيات والتوقعات، ومنها ما شاع حول احتمالات تقسيم سورية، طائفيًا وعرقيًا، والذي ازداد تواترًا مع تعقّد الصراع وارتسام حدود لدويلات خارجة من رحم انتشار السلاح ومناطق سيطرة الفصائل المسلحة، وقد كانت صحيفة (نيويورك تايمز) سبّاقة في طرح التقسيم، إذ نشرت، في أيلول/ سبتمبر 2013، خريطةً تقسم 5 دول عربية إلى 14 دولة، وقد خصّصت لسورية ثلاث دويلات: “علوية وسنّية وكردية”، ثم عادت مجددًا إلى المشهد، في آذار/ مارس 2016، من خلال تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، عن إمكانية فكرة تقسيم سورية إلى “كانتونات فيدرالية أو كونفيدرالية”، لتتغيّر معطيات هذه الواجهة العريضة للتقسيم، في إثر استعادة السيطرة على جميع مناطق حلب، بحلول كانون الأول/ ديسمبر 2016، التي قلبت القواعد والخرائط وأعادت التقسيم، وفقًا للمنطق الروسي في إدارة الصراع، ومناطق خفض التصعيد التي لم تكن مسارًا مُلزمًا لروسيا، وقد استطاعت من خلالها إعادة ضبط المناطق وإسقاطها واحدة تلو الأخرى، لتصل إلى المنطقة الأخيرة في الشمال السوري، بما تشكّله من إرباكات وتداخل بالمعطيات، بين الهجمة الشرسة من قبل النظام وداعميه على إدلب وريف حماة الشمالي والغربي، وبين ترتيبات المنطقة الآمنة التي يُحَثّ التوجّه نحوها برعاية واشنطن وأنقرة، وبين الوجود الكردي في شرق الفرات، ولكل منهم تفاصيل شديدة التعقيد وصعبة الحسم حتى الآن، وهي التي دفعت روسيا إلى رفع شعار وحدة سورية وسيادتها في مقابل التقسيم، بحسب ما جاء على لسان ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية، في أول تعليق رسمي على إقامة المنطقة الآمنة، بأنها بداية التقسيم لشمال شرقي سورية، ملحقًا بالتأكيد على سيادة سورية وبدعوة “الإدارة الذاتية” للحوار مع النظام.

وحدة سورية مقابل تقسيمها لا تقتصر على تقوّلات الفاعلين الدوليين، فالجملة الواسعة من التناقضات والانقسامات التي برزت بعد عام 2011، طالت كل المستويات من الأرض المقسّمة، بين مناطق حرقتها الحرب والجوع والحصار، ومناطق بقيت خارج لظى الحرب أو على أطرافها، انتقالًا إلى الأفكار والآراء السياسية والمجتمعية وطريقة النظر إلى سورية الدولة قبل الحرب وبعدها، وصولًا إلى التفاهمات الخارجية دولية وإقليمية، وانعكاساتها الداخلية على المستوى الشعبي، وكأن السوريين يسكنون في بقاع مختلفة جغرافيًا، ويرون من زوايا مختلفة، ليس على المستوى السياسي وحده بل على مستوى النظر إلى سورية الدولة في عمقها، والانقسام بين مؤيد للتقسيم، كحلٍّ ممكن، بحجج مختلفة أهمّها وقف الحرب والدماء، والشعور بانعدام إمكانية التعايش نتيجة العداوة والمظلوميات التي ارتفعت شحناتها مع أزيز الحرب، وبين متغنٍّ بوحدة سورية “أرضًا وشعبًا”، وهذا يطال الطرفين “الموالي والمعارض” بالمقدار نفسه، وكأننا في بداية التأسيس لدولة لم تقم لها قائمة من قبل، وهذه الحال تعيدنا لغياب معنى الدولة في أذهان السوريين، ولحالة الخلط بين النظام “السلطة” والدولة الناتجة عن عدم تمثّل فكرة الدولة بحمولتها القانونية، واختزالها في الجانب السلطوي التسلّطي، واندماج مؤسسات الدولة بالنظام التسلّطي، وخروجها من حيّز العمومية والوطنية لتحقيق مصالح الشعب ككل، إلى تحقيق مصالح فئة المتنفّذين، وهذا الأمر ليس وليد لحظة الحراك ولا ما تلاه من حرب؛ فسورية لم تكن دولة لكل السوريين بغياب وحدة المجتمع والدولة، وهي بشكلها الحالي المتشظّي مجتمعيًا وجغرافيًا والخاضع لإدارة الأطراف الخارجية ليست دولة ولا تؤسّس لدول، فلا حدود جغرافية ممكنة داخل دولةٍ بُنِيَت نتيجة قسمة سايكس بيكو، ولا تحتمل إضافات في التفتيت تسمح بحياة دولة أو دويلة على المدى البعيد، لاستحالة اقتسام الثروات، وتداخل السوريين حتى بعد حملات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي التي شهدناها في إفراغ المناطق من قبل معظم الأطراف، وعلى رأسهم النظام وحلفاؤه، وهذا ينسحب على معظم الأرض السورية. وبالتالي يكون الحديث عن وحدة سورية أرضًا وشعبًا، بوضعها السابق، محض زيف وإعادة تدوير للمشكلة، وكذلك الحديث عن التقسيم هو محض وهم وتصنيع لبؤر توتر مستقبلية.

خشية روسيا من التقسيم لا علاقة لها بالخوف على مستقبل الدولة السورية، بل تنبع من رؤيتها بأن فرض واشنطن لأمر واقع داخل الأراضي السورية سيشكّل ضغطًا عليها بخصوص التصعيد في إدلب، وسيسحب مسارًا تفاوضيًا من يدها، فهي تفضّل المباحثات على إقامة تلك المنطقة، بينها “كضامنة للنظام” وبين أنقرة، على أن تكون مع واشنطن، خصوصًا أن اتفاقية خفض التصعيد التي تقودها روسيا وصلت نحو خواتيمها، وإن أي تغيير بالتحالفات سيكون له أثره على العملية السياسية ككل وتموضعها السياسي في صيغة الحلّ النهائي، وفاعليتها في الملف السوري على المدى القريب والبعيد، وبالتالي يلغي مسعاها الحثيث للإمساك بكافة المعطيات وتحقيق انتصارها حتى بشكله المصطنع، وهي تدرك تمامًا أن مصالح الأطراف الفاعلة تقسم الخارطة إلى مناطق متفجّرة، إذا اختلّت التفاهمات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، وهذا لا يقتصر على الشمال الذي يشكّل عقدة الوصل بين جميع الأطراف المنخرطة في الملف السوري، بل يطال مناطق “النظام” والمناطق التي استعاد السيطرة عليها وتخضع فعليًا لإدارة الحلفاء “روسيا إيران وحزب الله”، أو لتدخّلاتهم التي برزت أخيرًا في البلبلة التي يثيرها جهاز الأمن العسكري و”حزب الله”، بحسب تصريحات “قوات شيخ الكرامة”، وكذلك في درعا التي لم تهدأ منذ اتفاق التسوية، فضلًا عمّا تعيشه جميع المناطق من أزمة اقتصادية خانقة وحالة فوضى أمنية وسياسية خطيرة. فسورية التي تخشى روسيا من تقسيمها الآن، هي بؤَر للأطراف المنخرطة في الملف السوري ولكل منه تصوّراته الخاصة لمستقبل تلك المنطقة، وأدواته للتصعيد فيها التي تجعل وحدة سورية وحدةً لتفاهماتهم، وتقسيم سورية خاضعًا لمصالحهم.

بالنتيجة؛ أي حديث عن تقسيم سورية هو تجاهل للمشهد السوري المعقّد والمتشابك بكافة مناحيه الجغرافية والديمغرافية، فعلى الرغم من أنها داخل القسمة في اقتسام النفوذ، فإنها ما تزال خارج التقسيم كحدود لدويلات، وأي طرح لوحدة سورية خارج وحدة الدولة والمجتمع هو إنكار لحقّ السوريين بدولة جامعة لهم، على أساس القانون والمواطنة، وبعيدًا من الضمانات الخارجية ككل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق