مقالات الرأي

النظام السوري يبحث عن هوية تُرضي حلفاءه

يقول الكاتب اللبناني أمين معلوف، في كتابه (الهويات القاتلة) الصادر في بيروت 2015: “يوجد في كل العصور أناس يعتبرون أن هناك انتماءً واحدًا مسيطرًا، يفوق كل الانتماءات الأخرى التي يتجاذبها الفرد أو الجماعة، ويحق لنا أن ندعوه (هوية) وهذا الانتماء هو الوطن لدى بعضهم، أو الدين لدى البعض الآخر… إلخ”.

لا شك في أن معظم السوريين المهتمين بالشأن الوطني يقرّون بأن هناك أزمة هوية في سورية، وربما هي من أخطر الأزمات التي تعيشها سورية على الإطلاق، وتُعد من أهم المعوقات التي تواجه عملية الاستقرار السياسي في المستقبل. وهذه الأزمة ناتجة عن الاستبداد الذي مارسه النظام السوري على المواطنين السوريين كافة، حيث عمد إلى مصادرة حقوقهم كافة، بما فيها حق التعبير عن الهوية الخاصة بهم.

الحالة الطبيعية أن يبحث معظم السوريين المهتمين بالشأن السياسي والوطني عن هوية جديدة جامعة، نتيجة فشل هذا النظام -طوال نصف قرن من الحكم- في أن يبلور هوية ونظامًا سياسيًا يُجمع السوريون عليه. أما الحالة غير الطبيعية فهي أن يحاول النظام السوري البحث عن هوية جديدة، تناسب توجهاته السياسية الحالية والمستقبلية، على ألا يعترض عليها أحد من الحلفاء (إيران، روسيا)، و”إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية أيضًا، محاولًا تفصيلها وضبطها، كما يفصّل الخياط بدلة الزبون ويضبطها بما يناسب جسمه ومقاساته وطلباته.

جاء هذا التفصيل الجديد للهوية، من خلال مقال افتتاحي لرئيس تحرير جريدة (تشرين) محمد البيرق، كتبه أخيرًا، بعنوان: (من نحن بعد هزيمة الإرهاب؟) وقد تم تداوله في عدد من المواقع الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.

المعروف أن المقالات السياسية لرؤساء تحرير صحف النظام تعكس بالمطلق توجهاته السياسية، لكونهم لا يملكون الهامش لكتابة أي موضوع سياسي إشكالي دون موافقة مسبقة، هذا إذا لم يكتبوه بناء على توجيهات النظام السياسية المسبقة، وأي مخالفة سياسية لتوجهات النظام ستكلفهم مناصبهم وامتيازاتهم، كما حصل مع رئيس تحرير جريدة (الثورة) محمود سلامة، عام 2001، عندما كتب مقالًا افتتاحيًا هاجم فيه التيار المحافظ في النظام السوري الذي يقوم بعرقلة التغيير (ربيع دمشق) في سورية، على حد تعبيره؛ فكانت النتيجة إقالته بعد ساعات قليلة من نشر ذلك المقال الإشكالي.

بالعودة إلى المقال الافتتاحي لرئيس تحرير جريدة (تشرين)، نجده يبحث في العناصر الرئيسة للهوية المستقبلية الخاصة بالنظام السوري، بعد “انتصاره على الإرهاب”، على حد تعبيره، من خلال طرح بعض الأسئلة والإجابة عنها، بنعم ولا، في الوقت نفسه.

1- يبدأ الكاتب بالعنصر الرئيس الأول للهوية السورية، من خلال سؤاله: “هل نحن عرب؟”. مجيبًا بنعم، ولا، في الوقت نفسه. يقول: نعم نحن عرب، لأننا نتكلم اللغة العربية ولوجود تاريخ مشترك مع العرب، وهذا ما يناسب الهوية التي كان يتغنى بها النظام قبل 2011، ثم يجيب بلا في الوقت الحاضر، فنحن لسنا عربًا، على حد تعبيره، لأن أكثر العرب تآمروا على النظام السوري، في سنوات الحرب على الإرهاب، يقصد سنوات ثورة الشعب السوري 2011. والأهم أن الحليف الإيراني الأول الذي وقف إلى جانب النظام السوري في محنته لا يستهويه الحديث عن الهوية العربية، حتى الحليف الثاني الروسي يستاء من مفاهيم العروبة وما إلى ذلك. وبالتالي يجب التخلي عن عروبتنا في الهوية المستقبلية، حتى نضمن استمرار الدعم من الحلفاء الإيرانيين والروس، والوقوف إلى جانبنا.

2- العنصر الثاني في الهوية الجديدة، سؤاله: “هل نحن مسلمون؟”. وهنا أيضًا يعتمد الإجابة ذاتها، ويجيب بنعم ولا. نعم لأن أكثرية السوريين يعتنقون الإسلام دينًا، وهو عنصر أصيل في الهوية الحضارية، وفي الوقت نفسه يجيب بلا في الوقت الحالي، رافضًا أن يكون الإسلام عنصرًا من عناصر هوية النظام في المستقبل، كون علاقة النظام السوري لا تقتصر على المسلمين فقط، إضافة إلى أن الحضارة السورية أقدم من الإسلام بعدة قرون، على حد قوله، وبالتالي يمكن إزاحة الإسلام من هوية النظام السوري، والبحث عن إسلامٍ يناسبه ويناسب الحلفاء الإيرانيين والروس.

3- العنصر الثالث والغريب، في سياق الحديث عن الهوية المستقبلية، يتعلق بطبيعة العلاقة مع “إسرائيل” بالمستقبل، من خلال سؤاله: “هل إسرائيل عدو لنا”؟ وهنا أيضًا يجيب بنعم ولا. نعم لأن “إسرائيل” في فترة معينة كانت عدوًا، وما زالت تحتل بعض الأراضي السورية، ولا، في الوقت الحالي، أي ليست عدوًا، لأنه لا يمكن غض النظر عن موقفها المشترك مع النظام السوري بالوقوف إلى جانبه ضد الإرهاب، على حد تعبيره، إضافة إلى إمكانية الاستفادة من خدماتها السياسية والدبلوماسية بتحسين علاقة النظام السوري مع الولايات المتحدة الأميركية، التي تتواجد على الأراضي السورية، وفي أهم مناطقها حيث توجد حقول النفط.

4- أما العنصر الرابع والأهم في الهوية التي يبحث عنها السيد البيرق، نيابة عن النظام السوري، فإنه يتعلق بسؤاله: “هل نحن سوريون؟”. وكذلك يجيب بنعم ولا. نعم؛ لأن السوريين كافة يُكتب على جوازات السفر الخاصة بهم التي تستخدم في دول العالم كافة، أنهم سوريون، وفي الوقت نفسه يجيب بلا؛ لأن الحلفاء الإيرانيين والروس لا يرغبون في هذه التسمية، ففيها نوع من الاعتزاز بالوطنية، أو التركيز على الهوية السورية. وهذه دعوة لاستبعادها من الهوية المستقبلية.

5- الأهم، في تبرير السيد البيرق لهذه الإجابات المتناقضة (نعم، لا) في بحثه عن عناصر الهوية المستقبلية للنظام في سورية، أنه لا يجد أي أهمية في التمسك بقضايا “جامدة ونهائية”، كما يفعل التكفيريون والإرهابيون الذين يعدونها عناصر مقدسة، ولا يقبلون بتغييرها. وهم -بالنسبة إلى النظام السوري- كلُّ من يعارض النظام سياسيًا، أي معظم أجسام المعارضة السياسية للنظام السوري.

المطلوب -من وجهة نظر البيرق- المرونة في تحديد طبيعة وعناصر الهوية المستقبلية، التي يجدها بالعناصر التي تحمي مصالح النظام السوري، على حد تعبيره، التي من المفترض أن تتلاقى مع التغيرات اليومية في مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبهذه المرونة، نكسب (إيران، روسيا، إسرائيل، الولايات المتحدة الأميركية) وهذا كاف لاستمرار النظام السوري على سلطة الحكم بالمستقبل.

من خلال الإجابات السابقة، يبدو أن أفضل هوية للنظام السوري مستقبلًا هي “الأسدية” التي ترضي النظام والحلفاء. ولا غرابة في ذلك، حيث اشتغل النظام السوري على هذه الهوية، منذ الثمانينيات، بعد أن رفع شعار “سوريا الأسد”، و”قائدنا للأبد حافظ الأسد”، في مؤسسات الدولة السورية كافة.

أخيرًا، لا بد من الإقرار بوجود أزمة هوية في سورية، ناتجة عن غياب مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية، والانهيار الشامل في أنساق المجتمع السوري كافة، حيث الانقسام الهوياتي يتفاقم بشكل عميق، يلحظ ويعاش في التعبيرات السياسية الحادة من قبل بعض السوريين، تجاه الآخرين (قوميًا، دينيًا، مذهبيًا، طائفيًا، أيديولوجيًا، مناطقيًا…. إلخ) في الوسائل الإعلامية، ولا سيما في وسائل التواصل الاجتماعي.

للوصول إلى هوية سورية جامعة للسوريين كافة، لا بد من بلورة خطاب سياسي وطني ديمقراطي، من قبل السوريين المهتمين بالشأن الوطني، يتضمن عناصر الهوية السورية الجامعة التي تحتوي ألوان الطيف الحضاري والثقافي السوري كافة، باعتبارها هويات فرعية وطنية لسورية المستقبل، إضافة إلى الرابط الإسلامي والعربي الرئيس، إذ إن المواطنين في سورية هم سوريون، وإن اختلفت قومياتهم أو دياناتهم أو مذاهبهم.

هوية سورية المستقبل يجب أن تكون بعيدة من هيمنة أيّ قومية أو ديانة معينة، تقوم على التراث الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي أنتجته كافة المكونات السورية المؤسسة للبناء الاجتماعي السوري، وهذا لا يحصل إلا ضمن سياسات دولة المواطنة في المستقبل، التي تقوم على مبادئِ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وسيادةِ القانون، تلك هي الهوية التي يتطلع إليها معظم السوريين، مقابل الهوية التي يبحث عنها النظام السوري، التي تُرضي حلفاءه (إيران، روسيا).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق