أدب وفنون

في بيروت.. أربعة أفلام روائية قصيرة اثنان منها من سورية

الفوتوغرافي والمقاتل والولادة والجنس على الأرض السورية

في بيروت، خصص مهرجان (كرامة لسينما حقوق الإنسان) هذا العام، إحدى لياليه للأفلام الروائية القصيرة. وقُدّمت في عروض هذه الليلة أربعة أفلام: اثنان من فرنسا وبلجيكا، وفيلمان من سورية. تنوعت الموضوعات بين القضية الفلسطينية، علاقة الفوتوغرافي والمقاتل المتشدد في أرض المعركة في سورية، وموضوعتي الولادة والجنس في الحال السورية الراهنة.

“هل سنكون يومًا ما نريد؟”

فيلم (وقّعت على العريضة)، مهدي فليفل، مصنوع بلفتة ذكية، يتابع فيه المتلقي اتصالًا هاتفيًا يجري بين صديقين (مهدي) في برلين، و(فارس) في لندن. لقد وقّع (مهدي) على عريضة تطالب فرقة (راديو هيد) الشهيرة، بإلغاء حفلتها المقرر إقامتها في “إسرائيل”. لكن (مهدي) بعد أن وقع العريضة، شعر بالقلق حيال وضع اسمِه على لائحة سوداء من قبل السلطات الإسرائيلية، مما سيمنعه من السفر والدخول مجددًا إلى فلسطين، إنه ينقل قلقه ومخاوفه إلى صديقه (فارس) في لندن، ويستشيره في الأمر: أأخطأ أم لم يخطئ بتوقيعه على العريضة.

في محاولة الإجابة عن هذا التساؤل، يقدم (فارس) رؤيته للحال الفلسطينية الإسرائيلية، بينما يعرض الشريط الصوتي سلسلة من الصور المتنوعة، لترافق الحديث الجاري بين الطرفين عبر الهاتف. تعرض الصور مشاهد من الاعتداءات الإسرائيلية على أحياء في مدن فلسطينية عتيقة، وغرف في منازل فارغة. تركيز الفيلم يبقى على الرؤية التي يقدمها (فارس) لتاريخ القضية الفلسطينية، وهي تكتسب أهمية خاصة من قدرته التحليلية الدقيقة، واطلاعه على تفاصيل الوضع الفلسطيني الإسرائيلي، وتحليله للوضع السياسي العالمي وانعكاسه على القضية.

خلال 10 دقائق، يشرح (فارس) حالة عدم التوازن في موازين القوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ويحلل السياسات الإسرائيلية التي تستعمل منطق القوة، غير آبهة بالقوانين الدولية، ويذكّر محدثه بعمليات التطهير العرقي التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية، ويخبره بأن الفلسطينيين هم الخاسرون في النظام العالمي الحالي. ويؤكد لصديقه (مهدي) أن اسمه سيكون على اللائحة السوداء التي ستمنعه من الدخول إلى فلسطين مرة أخرى. يقول فارس: (إنه نظام يحاربك منذ زمن، فلماذا الاهتمام بوسيلة جديدة من وسائله القمعية؟)

جدوى المقاطعة الثقافية لـ “إسرائيل”، هي موضوعة التحليل في الحديث الهاتفي بين الصديقين، يحلل (فارس) بأنه لم يعد هناك من وسائل يستعملها الفلسطينيون في نضالهم، هذا ما يؤدي إلى زيادة الشعور بالظلم، وبالتالي الميل نحو العنف عند المظلومين. تحليل دقيق يقدمه الفيلم لهذه القضية السياسية والتاريخية المعقدة، وبلغة بسيطة ومفردات واضحة، يضع المتحدث صديقه أمام حقائق تاريخ القضية الفلسطينية والمآلات، والوضع الإنساني الحالي المترتب عليها. وفي نهاية الحديث، حين يسأل (مهدي) صديقه: (هل سنكون يومًا ما نريد أن نكون؟ كما قال الشاعر محمود درويش)، يجيب فارس: (الآن اعذرني، عليّ الرحيل للإجابة على اتصال آخر، وأعتقد أن هذه هي أفضل خاتمة لحديثنا)، وينتهي الفيلم عند هذه العبارة، هل سنكون يومًا ما نريد أن نكونه؟

القواسم المشتركة بين المصوّر والقاتل:

تجري أحداث فيلم (ضاع في المنتصف) للمخرج البلجيكي (سين ديهانشتوتر)، في سورية. يبدأ الفيلم بمطاردة، حيث يلاحق مجموعة من المسلحين المتشددين، الصحفي (ستيفن) الهارب بكاميرا على رقبته، إننا في أرض المعركة في أحياء إحدى المدن السورية، وحين يختبئ (ستيفن) خلف آلية.. وحده (عبدل) من المجموعة المسلحة من يلحظ وجوده، هذا التواصل في العيون بينهما يفتح حكاية الفيلم على ماضي كل منهم.

(ستيفن) مصور بلجيكي، تأثر بما رآه في الإعلام عن سورية، فقرر التوجه إلى هناك للتصوير، لكن حبيبته تعارض مغامرته القاتلة هذه، وتطلب منه عدم الرحيل. يصر (ستيفن) على الانتقال إلى سورية. أما (عبدل) فهو –أيضًا- يعيش في بلجيكا، تعمل والدته في تنظيف المنازل، مشهد استعادي يشرح لنا شعوره بالحقد الطبقي، وحين يعلم عن الصراع في سورية، يودع والدته متوجهًا إلى هناك، ليلتحق بجماعات مسلحة متشددة. (ستيفن) حمل كاميرته، و(عبدل) حمل البندقية، وكما برع (ستيفن) في مهنته بالتقاط الصور، يبرع (عبدل) أيضًا في القتال والتصويب على الأجساد. كل يسعى للنجاح في استعمال الآلة التي اختارها، ها هو القدر يواجه بينهما على أرض المعركة.

يكتب المُخرج سين ديهانشتوتر: (ستيفن وعبدل، شابان من بلجيكا يذهبان إلى سورية، أحدهم كصحفي، والآخر كمقاتل. رغم ذلك، لديهما الكثير من القواسم المشتركة)، حين تلقي المجموعة المسلحة القبض على المصور (ستيفن)، يتم اختيار (عبدل) للقيام بنحره، يكتشف (عبدل) أن (ستيفن) أيضًا من بلجيكا، وينتهي الفيلم في اللحظة التي يُجبر فيها (عبدل) على نحر (ستيفن)، دون أن يصوّر المشهد على الشاشة. هو سيناريو محكم عن شخصيات مختلفة الخيارات، تضطر إلى المجابهة في مصيرها النهائي، حيث يسود العنف والكراهية.

الولادة في حارة الحرب:

اللقطات الأولى من فيلم (الحبل السري) إخراج الليث حجو، تبين لنا صعوبة عيش الزوجين (وليد وندى) في منزل محاصر بنيران قناصة، في أحد الأحياء السورية، حيث يمنع القناص تنقلهما من جهة إلى أخرى في ذلك الحي. يرسل لهم أهالي الحي رغيفًا من الخبز عبر سلك غسيل رُبط بين البناء المجاور ومنزلهم. يستهدف القناص حتى رغيف الخبر العابر في سلك، في إشارة إلى الحصار التام الذي يرغب أن يعيش تحته الزوجان.

يعاني الزوج وامرأته الحامل من شح المياه والطعام، فتقص (ندى) شعرها لندرة المياه اللازمة لتغسيله، بينما يدخن (وليد) من نباتات جافة بدلًا من السجائر، طعامهما هي نباتات مزروعة على نافذة المنزل وفي حديقته الصغيرة. يلف (وليد) رغيف الخبر بخصلات من النعنع ليطعمه لزوجته الحامل، التي ما تلبث أن تشعر بضرورة إخراج الجنين.

يحاول (وليد) إقناع القناص بالسماح له بالعبور وزوجته، لكي تضع مولودها بمساعدة النساء اللواتي تجمعن عند الطرف المقابل من الحي، لكن القناص يطلق النار عليهم ليمنعهم من الخروج. يتعاضد أهالي الحي مع هذا الزوج والمرأة الحامل، ويقفون عند الطرف المقابل من الحي لتقديم المساعدة لهم، في لحظات الولادة العصيبة. تضع ندى مولودها في صندوق السيارة، وتعلم القابلة من طرف الحي (وليد) كيفية مساعدتها على وقف النزيف.

قصة بسيطة يقدمها المخرج الليث حجو في هذا الفيلم، عن صعوبة العيش في ظل أوضاع القصف والحروب، وبموسيقى تصويرية لـ (حازم العاني)، يحاول المخرج إظهار التناقض بين حال الحرب والقتل وحادثة ولادة طفل جديد إلى العالم. يقول المخرج عن الفيلم: “هو دعوة للتفاؤل، وإظهار لدور المرأة التي تجلب الحياة رغم الحروب”، بينما يقول كاتب الفيلم رامي كوسا: “الفيلم هو مشروع ولادة يتم خنقها، ولكن الحياة تنتصر في النهاية”.

فيلم المخرج سيف شيخ نجيب، بعنوان (خيمة 56)، حكاية تجري أحداثها في مخيم للاجئين تابع لمنظمة الأمم المتحدة، في الخيم الضيقة والمكتظة بالأطفال، يصعب على الأزواج الوصول إلى خلوة حميمية لممارسة الجنس. تفشل كل محاولات (أبو سعيد) المستمرة في التقرب من زوجته (صبا)، أما (أبو رجب) فهو يلجأ للحظيرة، إلى جانب الدواب، لممارسة الجنس مع زوجته (أميرة).

تجتمع الزوجات على اقتراح الطلب من القائمين على المخيم بإقامة خيمة خاصة للخلوات الحميمية بين الأزواج، على أن يتم التناوب عليها بين عائلات المخيم، كلٌ في اليوم المخصص له، بحسب البرنامج. تتباين مواقف الرجال من هذا الاقتراح، فبينما يتردد (أبو سعيد) في الإسهام بالمشروع خجلًا، نجد (أبو رجب) منخرطًا في كليته للحصول على هذه الخيمة. يتحول الفيلم إلى حكاية هذه الخيمة، الخيمة 56.

في الليالي الأولى، تجري الأمور حسب ما خطط لها، فيتناوب الأزواج على الخلوة في الخيمة، لكن ما تلبث الخيمة أن تصبح عرضة لتلصص الأطفال، ومن ثم تطير على أثر عاصفة هوائية قوية تضرب المخيم، فيعود الخلاف بين الزوجات على دور أيٍ منهن في استعمال الخيمة بين الليلة والأخرى. وفي إحدى لحظات الأزواج الحميمية، وبينما الزوجان داخل الخيمة منهمكان في الغرام، تقع الشمعة على الأرض لتحرق الخيمة 56 بالكامل. في المشهد الأخير من الفيلم، نجد أهالي المخيم يتساعدون لإعادة نصب خيمة 56 مجددًا وتزيينها، في إشارة إلى حاجة بشرية جمعية لممارسة الجنس، والتواصل الحميم بين الأزواج.

كاتبة الفيلم سندس برهوم اختصاصية اجتماعية، وتقول: “هو عن حق مسكوت عنه، خلوة ممارسة الجنس. هي حاجة مسكوت عنها في واقع المخيمات السورية”، بينما بيّن المخرج سيف شيخ نجيب أن الفيلم صوّر في مخيم حقيقي، أما عن الموضوعة فقد قال: “هناك العديد من الحاجات التي تعاني المخيمات من نقصانها، لكنا ركزنا على هذه الموضوعة، والحاجة الجنسية إحدى الاحتياجات الرئيسية للإنسان”.

الفيلمان السوريان هما نتاج مشروع من دعم الاتحاد الأوروبي، لتمكين المرأة العربية في الدراما السورية، في النقاش الذي تلا عرض الأفلام، قالت ملاك سويد مديرة المشروع: “كانت فكرتنا -كمجتمع مدني سوري- هي تمكين المرأة في الدراما السورية، وقد تم التواصل مع المخرجين لتقديم فيلميهما تحت هذا الإطار”. لكن الفيلمين لا يرقيان إلى مستوى الموضوعات التي تقدمها السينما السورية المستقلة في المرحلة الأخيرة، حيث قدمت السينما موضوعات أكثر جرأة وأكثر تعقيدًا في التعبير عن المرحلة السورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق