تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

على عكس تهديدات (حزب الله)… المنطقة لن تشتعل

لا يكاد حسن نصر الله أن ينتهي من الظهور في مناسبة من مناسبات حزبه، حتى يظهر من جديد في مناسبة جديدة أو مستحدثة، ومنذ شهور يُكرر في كل خطاب له بأنه في حال تعرضت إيران لأي اعتداء؛ فإن المنطقة كلها ستشتعل.

لكن المراقب للمنطقة يرى أنها مشتعلة بالفعل، فماذا يقصد حسن نصر الله بالمنطقة، أو من يقصد في المنطقة على وجه التحديد؟ هذا واضح من خلال تهديد نصر الله المتكرر لـ “إسرائيل” وصولًا إلى تسمية مناطق بعينها في الداخل الفلسطيني المحتل، كأهداف محتملة لـ (حزب الله) في حال نشوب حرب على إيران، وحسن نصر الله لا يُهدد فقط بالقوة التي يملكها فعليًا في جنوب لبنان، بل بالقوة الموجودة في غزة، وفي سورية حديثًا، كأذرع للحرس الثوري الإيراني، بل إنه يهدد بالقوة النارية التي يملكها الحوثي في اليمن، حيث ثبت أن الحوثي يمتلك صواريخ تطال عواصم عربية وطائرات مسيرة، يمكنها إلحاق الضرر بدول مجاورة لليمن، ودائمًا تأتي تهديدات نصر الله متزامنة ومتناغمة مع تصريحات قادة الحرس الثوري في إيران التي تحاول بشتى الطرق فك الحصار الاقتصادي عن صادراتها من النفط والتعدين، العصب الرئيس في الاقتصاد الإيراني، وتزداد تلك التصريحات حدةً في تناسب طردي مع انهيار الوضع الاقتصادي التدريجي في إيران.

لكن هل فعلًا يستطيع حسن نصر الله أن يشعل المنطقة، متى أراد؟

الحرس الثوري الإيراني هو السلطة صاحبة القرار في الحرب والسلم في إيران، ويتصف بالمهارة الفائقة باللعب على عامل الزمن، والسير على حافة الهاوية، وترتفع حدة لهجة التهديدات والاستفزازات العملية، من خلال بعض العمليات الإرهابية ضد الملاحة الدولية في هذه المرحلة، لأن إيران واثقة من عدم وجود تهديد حقيقي بنشوب معركة، للأسباب التالية:

1 – الاستحقاقات الانتخابية، في كل من “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية، لا تسمح بشن معركة ضد إيران، ففي “إسرائيل” هناك إعادة للانتخابات التي فاز فيها أخيرًا بنيامين نتنياهو بفارق بسيط بالأصوات، وفشل في تشكيل الحكومة، فهو في وضع سياسي مهزوز، ولا يستطيع الدخول في مغامرة حرب جديدة في الفترة التي تسبق الانتخابات، أما في الولايات المتحدة فإن الرئيس ترامب أيضًا بدأ حملته الانتخابية لولاية رئاسية ثانية، وهو غير مستعد لخوض معركة تشغله عن الرئاسة، ويكتفي حاليًا بالحرب الاقتصادية الباردة على إيران، أملًا بأن تؤتي هذه الحرب أُكلها في إخضاع إيران للإرادة الأميركية.

2 – عدم اتفاق وعدم جدية الدول العربية، حتى المتضررة من سياسيات إيران، في دخول مواجهة معها كطرف في تحالف دولي، حيث إن هذه الدول ترى أن الحرب ستكون سببًا في زعزعة أنظمة الحكم فيها، وفي حدوث خراب كبير في مشاريعهم الاقتصادية المبنية في غالبيتها على مدخول النفط الذي سيشكل الأهداف الأولى لأي حرب قادمة في المنطقة، فعُمان والكويت وقطر تحاول إبعاد شبح الحرب، وإن مؤقتًا، والإمارات مترددة، والعراق وسورية ولبنان تقف إلى جانب إيران علانية، وموقف المملكة العربية السعودية ليس قويًا كفاية، وهي تعاني مشاغبات الحوثي اليومية.

3 – عدم وجود رغبة غربية في نشوب حرب ضد إيران، لأن الغرب سيدفع بشكل فوري ثمن أي حرب متوقعة، منذ اليوم الأول، حيث سيقفز النفط إلى أسعار خيالية لا تتناسب مع اقتصاديات الغرب التي تعاني أصلًا أزمات داخلية، فالحكومة الأميركية تحاول -منذ أكثر من شهرين- بناء حلف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن ردود دول العالم ما زالت خجولة، حتى تلك الدول التي وافقت نراها وافقت على استحياء.

بالعودة إلى (حزب الله) الذي يقرأ الواقع جيدًا، نجد أن الواقع الدولي يمنحه قوة إضافية لرفع وتيرة التهديد، إضافة إلى نقطة قوته الأساسية وهو اتخاذ لبنان -كل لبنان- رهينة، ففي حال الرخاء الإيراني يكون (حزب الله) هو الجهة الوحيدة الرابحة في لبنان، وفي حال الحرب يكون كل لبنان خاسرًا، لأن (حزب الله) يعمل بمنطق العصابة، وليس جيشًا نظاميًا يعمل بمنطق الدولة، فهذه العصابة لا تهتم بشكل من الأشكال بحياة الناس أو اقتصادهم، بقدر اهتمامها بتنفيذ مشاريع زعيمها وممولها، ولهذا سعت إيران إلى تكرار نموذج عصابة (حزب الله) في كل من العراق واليمن، وتحاول الآن فعل ذلك في سورية، فهذه العصابات تشكل الذراع الطويلة للحرس الثوري وليس الجيوش، حتى في البلدان التي تقع بالكامل تحت السيطرة الإيرانية، مثل العراق، سعت إيران إلى تشكيل ميليشيات موازية للجيش العراقي تدين بالولاء بشكل مباشر للولي الفقيه.

مما سبق نستدل على أن المنطقة ستبقى لفترة طويلة في ظل اللاحرب واللاسلم، في أوضاع غير مستقرة، محكومة بنتائج انتخابية في هذا البلد أو ذاك، أو بتغيّر داخلي في بلدان المنطقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق