اقتصادسلايدر

الحروب السبعة بين الصين والولايات المتحدة

كتب ثلاثة محللين اقتصاديين في صحيفة (لوبينيون) الفرنسية، عن الحروب القائمة بين الولايات المتحدة والصين، إذ يفوق الصراع بين القوتين العالميتين الإطارَ التجاري؛ ما يجعل الأمر أكثر خطورة على جميع الاقتصادات الأخرى، فالتوترات تزداد بين الصين والولايات المتحدة، وكل شيء بينهما ذريعة للعقوبات والتهديدات بالانتقام لأكثر من عام، إذ يتبادل البلَدان الاتهامات فيما بينهما بتعريض الاقتصاد العالمي للخطر، في حين يحاول بقية العالم الاختباء. فقد اتهمت واشنطن بكين أخيرًا بالتلاعب بعملتها، وحقق اليوان الصيني اختراقًا لأول مرة منذ عقد، حيث حقق سبعة يوانات مقابل الدولار الواحد، وأعلن أحد كبار مستشاري ترامب التجاريين أن الصينيين “يتلاعبون بالتدخل في سوق الصرف الأجنبي … مما يجعل صادراتنا تواجه صعوبات أكبر للبيع في الصين”.

تترنح العلاقات الصينية الأميركية بين التهديد والطمأنة، وإن مرّت فترات وئام لا تلبث أن تهب عاصفة أخرى بأثر رجعي، فالواضح أن الرؤية “الترامبية” في مواجهته للصخرة الصينية تتعمق أكثر فأكثر، فضلًا عن تراكم مواضيع الخلافات بين هذين العملاقين، أو الخصمين اللدودين، ومع ذلك فهما مترابطان بطرق متعددة، فقد تدفقت على الولايات المتحدة مبالغ ضخمة من الصين وأجزاء أخرى من العالم، “من الجميل مشاهدتها!”، بحسب تغريدة لترامب أخيرًا، أشاد فيها باستثمارات البنك المركزي الصيني في الدين العام الأميركي. لكن حرب الخنادق جارية بين الطرفين على سبع جبهات على الأقل.

  1. الحرب التجارية:

أراد الرئيس دونالد ترامب تخفيض العجز التجاري مع الصين، البالغ 400 مليار دولار أميركي (من إجمالي العجز التجاري البالغ أكثر من 600 مليار دولار)، فرفع بذلك التعريفات الجمركية، وقد أعلن ترامب بداية آب/ أغسطس 2019، أنه اعتبارًا من بداية أيلول/ سبتمبر، سيرفع الضريبة 10%، على 300 مليار من الواردات الصينية التي ما تزال غير خاضعة للضريبة، في حين أن 250 مليار دولار وصلت إلى 25%، ونتيجة لذلك أوقفت الصين شراء المنتجات الزراعية الأميركية، وقلصت منتجات بعينها بنسبة 1.9%، وهو أكبر انخفاض منذ آب/ أغسطس 2015، وأدى ذلك إلى هبوط الدولار أمام اليوان، فاتهم ترامب بكين بالتلاعب بعملتها، أمام فرض عقوبات جديدة.

يقول باتريك أرتوس، مدير الأبحاث في (ناتيكسيس): “إنها عملية طبيعية في عالم التبادل المرن”. حيث يتم تعويض الزيادات في الرسوم الجمركية عن طريق تخفيض سعر الفائدة، وبالتالي فهي غير فعالة، طالما كانت معتدلة، ويضيف الخبير الاقتصادي: “إن 30% إذا ارتفعت إلى 40%، فهي أكثر قابلية للتعويض، لكن إذا ارتفعت إلى 300% كما في الثلاثينيات من القرن الماضي؛ فهذا سيعني التدهور”.

في الوقت الحالي، لم يتكرر سيناريو الثلاثينيات، وبالتالي فالآثار المباشرة للحرب التجارية على التجارة والنمو العالميين محدودة. من ناحية أخرى، هناك بالفعل تأثيرات غير مباشرة، تقوض أشكالًا من عدم اليقين، وتهز الثقة لدى الشركات والمؤسسات التجارية، وتثقل كاهل الاستثمار، وتعطل سلاسل التوريد العالمية. يقول ستيفان ديو الاقتصادي، في (بي بام): “وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يمرّ نصف الأثر السلبي بالحرب التجارية عبر الثقة. إنها ليست حتى الحرب التجارية، بل هي طريق للحرب التجارية”.

  1. حرب العملات:

تتعامل الصين بعملتها، وهذا يُجبر واشنطن على الطلب من صندوق النقد الدولي وضع حد لهذه المنافسة غير العادلة، كما وعد وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين، الذي احتج على بكين واتهمها بالتلاعب بشكل غير معقول. فيما لا حول لهم ولا قوة لشركاء القوتين العظميين في هذا السباق، من حيث أسعار الصرف؛ فالعالم معتاد على السخرية من الولايات المتحدة، بحسب التعليق الشهير لجون كونالي (وزير الخزانة الأميركي في عهد الرئيس نيكسون) الذي قال: “الدولار هو عملتنا، وهذه مشكلتك”. ودونالد ترامب لا يخفي ذلك، فهو يريد صنع سلاح تجاري إضافي في خدمته، ويصر على معاقبة الصين، ما أدّى إلى انخفاض قيمة اليوان مقابل الدولار، ودفع باليورو مقابل الدولار، من خلال الوعد ببنك مركزي أوروبي أكثر ملاءمة، يجب أن يحاكيه البنك المركزي الأميركي. فالرئيس الذي يزدهر اقتصاده، بفضل القوة المستعادة لبلاده، يريد في الوقت نفسه عملةً أضعف لا تتدفق من المصدر.

إنها “حرب العملات”، وبعبارة أخرى سياسة تخفيض قيمة العملة التنافسية، التي تقودها قوة كبيرة، والتي قد تكون مدمرة للاقتصاد العالمي. فتخفيض قيمة عملة الفرد بشكل مفرط هو إجراء حمائي، يمكن أن يشجع الشركاء فقط على فعل الشيء نفسه، أو زيادة الحواجز التجارية أمامهم لحماية اقتصادهم، لكن من دون تجارة، أو نمو. حرب الورق تلك يمكن أن تدفع بكين نحو حرب محفوفة بالمخاطر، فالعملة هي القوة المركزية. وفي الولايات المتحدة يتم وضع سياسة الصرف الأجنبي تحت مسؤولية وزير الخزانة الأميركي، مما يجعلها أيضًا موضوعًا استراتيجيًا محتملًا. لا شيء مثل ذلك في أوروبا في ظل غياب وزير لماليتها. أما بالنسبة إلى البنك المركزي الأوروبي، فهو الوصي على اليورو، ولكن ليس لديه هدف تجاه سعر الصرف.

  1. حرب الديون:

“أنا أحبك، أنت تمسك بي”، لدى بكين وواشنطن موضوع آخر للصراع المحتمل وهو الديون؛ فالصين أول دائن أجنبي للولايات المتحدة. “أنت تزعجني في التجارة، أنا لا أموّل العجز الخاص بك بعد الآن”. يلقي هذا التهديد الصيني ثقلًا كبيرًا على الولايات المتحدة، لأن البنك المركزي الصيني يمتلك أكثر من 100 مليار دولار من القروض العامة، كما ذكر دونالد ترامب، وهو موقف شيدته الصين على مرّ السنين، عندما كان من الضروري إعادة تدوير الفوائض الخارجية الهائلة للبلاد. ومضاعفة بكين وطوكيو تمويلها لبلاد العم سام، أعطاها بعض القوة، ولكن المزيد من الالتزامات، حيث تمثل هذه المديونية ثلث احتياطات النقد الأجنبي الصينية، وبالتالي فالصين ملزمة بالحفاظ على قوة عملتها ومنع سقوط الدولار، فالارتفاع الحاد بأسعار الفائدة من شأنه أن يقوض قيمة هذا الأصل. وهذا يمنع بكين من جعلها رادعًا هائلًا في تعاملاتها مع الولايات المتحدة، باستثناء التخلص المفاجئ، وبالتالي الوقوع في خطر قد يسبب زلزالًا عالميًا.

وتميل الصين في الآونة الأخيرة إلى الحد من مقتنياتها من الدولار. فقد تراجعت في نيسان/ أبريل الماضي 2019 إلى أدنى مستوى لها في عامين، وتوقفت عند 113 مليار دولار. من الصعب أن نرى ذلك كإجراء انتقامي للعلاقات الصعبة بين البلدين، فالفائض التجاري الصيني في تناقص، لكن ليس مع الولايات المتحدة، لذلك هناك فائض أقل لإعادة التدوير. لكن تفاقم التوتر أخيرًا مع واشنطن وتراجع صرف اليوان الذي قررته بكين، يمكن أن يضاعف هذا الاتجاه. في العام الماضي، تراجعت الصين عن “توصية” من بنكها المركزي تدعو للتباطؤ، لتوقف عمليات الاستحواذ على الدين العام للولايات المتحدة، التي من الواضح أنها كانت تقلق الأسواق. ليحصل شيء سيئ وجيد في الوقت ذاته؛ ففي حال غياب القروض الأميركية، يمكن أن تتحول بكين إلى الدين العام الأوروبي. وبالتالي ستكون أسعار الفائدة السلبية أكثر سلبية.

  1. حرب التسلح:

أصبح تحديث الآلة العسكرية إحدى أولويات الحكومة الصينية في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، عندما أدركت الصين أن وضعها بات قوة اقتصادية رئيسية مؤكدة في مواجهة الغربيين. فتم إيلاء الاهتمام الكامل للبحرية الصينية لأول مرة، بسبب أهميتها في دعم المزاعم البرية، التي تعيد لبكين تأكيدها كأكبر قوة في هذه الفترة في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي. وللرد على هذه الاندفاعة الصينية، بدأت الولايات المتحدة زمن باراك أوباما تسعى لاستعادة مكانتها في آسيا التي تخلت عنها لصالح الشرق الأوسط.

ومع وصول “شي جين بينغ” إلى السلطة عام 2012، ودونالد ترامب إلى السلطة بعد أربع سنوات، تحتل القضية العسكرية مكانًا مهمًا للغاية، وتحفز القرارات الاقتصادية الأميركية إلى حدَّ كبير. أعلن الزعيم الصيني رغبته في امتلاك “جيش عالمي” بحلول عام 2050. ولتحقيق ذلك، حشد العديد من الوسائل. ففي عام 2019، زادت ميزانية الدفاع بنسبة 7.5% عن العام السابق. من الناحية الرسمية، تنفق الصين حوالي 300 مليار دولار على جيشها، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بمبلغ 750 مليار دولار، الذي أعلنه ترامب في كانون الأول/ ديسمبر 2018، لكن من المرجح أن الرقم الصيني أعلى، بسبب التعاون المهم بين الشركات الخاصة والقطاع العسكري.

وفي مدة زمنية قصيرة نسبيًا، حقق الجيش الصيني قفزة نوعية مثيرة للإعجاب. التطور مهم بما فيه الكفاية، حيث يعتقد البنتاغون، في تقريره السنوي الأخير إلى الكونغرس، أن الفجوة مع الولايات المتحدة تضيق من خلال مجموعة من القدرات التي تُضعف شيئًا فشيئًا الميزة الطويلة الأجل التي كانت لديها على المستوى التكنولوجي. بحيث “لا ينبغي أن يتم إبطاء سباق التسلح بين الخصمين”.

  1. الحرب التكنولوجية:

بينما يكرس الصينيون الكثير من الموارد لإغلاق الفجوة العسكرية مع الولايات المتحدة، فقد بدؤوا أيضًا بناء قوتهم بمجال التكنولوجيا، لأنهم فهموا أن العظمة لا يمكن ضمانها إلا من خلال التحكم في التقنيات المتطورة. فالصين هي أصل الاختراعات الأربعة الكبرى في التاريخ (الطباعة، والبارود، والبوصلة والورق). تريد الصين استعادة وضعها كدولة عظيمة مُبتكرة، من خلال الكشف عن خطة “صنع في الصين 2050” عام 2015، فإنها تريد أن تلعب دورًا رئيسيًا في عشر قطاعات تعدّ حاسمة بالنسبة إلى مستقبلها (تكنولوجيا المعلومات، المعلوماتية من الجيل التالي، الروبوتات، الفضاء، التقنيات البحرية المتقدمة، السكك الحديدية، المركبات، الطاقة المستدامة، المعدات الزراعية، مواد جديدة، والطب الحيوي). وبعد اعتمادها على التقنيات الأجنبية في تنميتها، تسعى الصين للحصول على القدرة الذاتية، وأن تكون في قلب الثورة الصناعية القادمة. هذا المنظور لا يغري الولايات المتحدة التي هيمنت دائمًا على الثورات الصناعية السابقة. وهذا يفسر إلى حدَّ كبير سبب شروع واشنطن في العام الماضي بحملة ضخمة ضد شركة (هواوي) الصينية، في عملية الفوز بمعركة الجيل الخامس.

على مدار العقد الماضي، أصبحت الصين ثاني أكبر دولة من حيث الاستثمار في البحث والتطوير في اليابان والولايات المتحدة. الهدف هو تخصيص 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبحث عام 2020، مقابل 2.05% قبل خمس سنوات. لأنه “لا يمكننا دائمًا تزويد غدنا بما أنتجه الآخرون بالأمس، ولا يمكننا تحمل التخلف في هذا السباق الحاسم” وفق الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي قال أيضاً: “يجب علينا اللحاق بالركب ومحاولة تجاوز الآخرين”، ويبدو أن الرسالة تسير على ما يرام، كما يتضح من العدد الكبير للشركات الصينية ضمن الشركات العالمية الأكثر ابتكارًا عامي 2018 و2019، مثل شركة ديروينت وكلاريفيت وأناليتكس. فقبل ثلاث سنوات فقط لم يتم إدراج أي شركة صينية، وفي عام 2017 ظهرت هواوي، ثم ظهرت شركة مصنعة للسيارات، وظهرت شركة كسياومي لتصنيع أجهزة الكمبيوتر المحمولة لأول مرة العام الماضي، في حين بقيت دول أخرى راكدة أو تراجعت.

  1. حرب الميزانيات:

في مواجهة التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي لا يمكن وقفه، تُعزز الصين والولايات المتحدة نشاطهما لدعم الميزانية. ولكن كم من الوقت يمكن لهذا أن يستمر؟ في نهاية 2017، فاجأ دونالد ترامب الجميع بإعلانه إعفاءات ضريبية بقيمة 1500 مليار دولار للشركات والأسر الأميركية، واعتقد أكثر من 90% من الاقتصاديين الخمسين أو نحو ذلك الذين شملهم الاستطلاع الذي أجرته وكالة (رويترز)، أن ذلك كان خطًا جسيمًا نظرًا إلى مستوى البطالة المنخفض للغاية.

من جانبها، تكافح الصين تباطؤ الطلب المحلي من خلال استئناف الاستثمارات العامة، وضخ السيولة في الاقتصاد، وكونها أقل صرامة في انتعاشها المالي. وفي العام 2019 توقعت انخفاضًا قدره 2 ترليون يوان (حوالي 260 مليار يورو) في الضرائب والرسوم الاجتماعية على الشركات، وزيادة في قروض الشركات الصغيرة جدًا من قبل بنوك القطاع العام.

بقية العالم يتابع هذا الاتجاه، يقول الاقتصادي باتريك آرتوس: “قرر العالم بأسره بعد عام 2008 أن الركود لم يعد مقبولًا، والسياسة النقدية توسعية في كل مكان”. ولكن لهذا عيوبه، لأن معدل البطالة أصبح منخفضًا في البلدان المتقدمة. وهذا الوضع يخلق أسعار فائدة صفرية وسلبية، مما يضعف البنوك، ويدمر العائد من المدخرات، وينهي بالتالي مستوى معيشة المتقاعدين في المستقبل، كما يخلق الفقاعات، بما في ذلك العقارات”. ويرى آرتوس أن “التهديد على المدى المتوسط للبشرية هو أننا قررنا بشكل جماعي، باستثناء البعض مثل ألمانيا، البقاء في سياسات توسعية ذات مستويات بطالة منخفضة”.

  1. حرب الأعصاب:

في معرض تلخيصه لشروط تحسين الوضع الدولي، في مؤتمر ميونخ الأمني في شباط/ فبراير 2018، تحدث وزير الخارجية الألماني آنذاك زيغمار غابرييل، حول الصين قائلًا: “يبدو أن الصين في الوقت الحالي هي الدولة الوحيدة في العالم التي طورت مفهومًا جيو-استراتيجيًا عالميًا حقيقيًا، وهي تتبعه في رسالتها. أنا لا ألوم الصين على عرض مثل هذا المفهوم وهذه الرغبة، فلدى الصين الحق في تطوير مثل هذا المفهوم. من ناحية أخرى، يتعين علينا نحن الغرب أن نتصدى للتوبيخ. فلم نضع استراتيجية لإيجاد توازن جديد بين المصالح العالمية المختلفة، التي ستكون قائمة على التوافق والقيمة المضافة المشتركة، وليس على مبدأ السعي من جانب واحد للمصالح”.

في مواجهة التصميم الصيني، الذي يجسده شي جين بينغ تمامًا، تفقد تغريدات ترامب قوة تأثيرها. أما بالنسبة إلى أوروبا، فإنها ما تزال فاشلة في تقديم رؤية موحدة وجبهة مشتركة. من الصعب في هذا السياق، معرفة أين ستتوقف حرب المناقصات بين القوتين العظميين في الكوكب. يعطي نهج الانتخابات الأميركية الرئاسية بصيص أمل في معرفة ضيف البيت الأبيض المقبل، وإلى أي مدى سيذهبون بعيدًا في الاستفزاز. فرط الحساسية في (وول ستريت) يمثل فرصة سقوط مؤشرات البورصة، التي عادة ما ستكون كافية لتهدئة دونالد ترامب، طالما استمر كسيد للبيت الأبيض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق