مقالات الرأي

ربع الساعة الأخير قبل الثورة

لم تكن الثورة السورية فعلًا تمّ الاتفاق عليه أو التخطيط له، هذه حقيقة بات الجميع متأكدًا منها، فلا قوى سياسية نسقت لانطلاق تظاهرات، ولا أحزاب عقدت اجتماعات واتفقت على شعارات معينة، بل كانت الثورة فعلًا عفويًا، واستطرادًا -وإن كان الأمر يزعج البعض- كانت تقليدًا لما حدث في مصر وقبلها في تونس، الأطفال الذين كتبوا شعارات على الجدران في مدينة درعا، وما جلبه ذلك من ردة فعل عنيفة من قبل النظام وأجهزته الأمنية، وصولًا إلى تحول الحدث الصغير نسبيًا، والذي كان يمكن معالجته، إلى واحد من أكبر الأحداث في التاريخ المعاصر، لا في سورية فحسب بل في المنطقة بأسرها، ففي الوقت الذي استطاعت فيه الأنظمة طمس فكرة الثورة، سواء كما حدث في مصر، أم من خلال عملية سياسية ذكية كما حدث في تونس، أم من خلال جر البلاد إلى أتون صراع دموي كواقع اليمن وليبيا. وعلى الرغم من أن الحالة السورية أكثر دموية فإن فكرة الثورة ما زالت موجودة، وحيّة، ليست بتلك النضارة والحيوية التي كانت عليها قبل سنتين أو ثلاث سنوات، لكنها على الأقل ما زالت موجودة، فهي -كما أسلفنا- كانت حركة جماهير لم يتم التخطيط لها، ولعل هذا ما جعلها قادرة على الاستمرار، وإن كان الاستمرار معنويًا معلقًا على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في بعض المناسبات التي ينظمها سوريون مهجرون في أربع جهات الأرض، فالحقيقة أن مفردة الثورة لم تعد تُستخدم على نطاق جماهيري إلا سوريًا، فيما تم محوها كليًا في باقي أقطار الربيع العربي، وقد أعاد الحدثان الجزائري والسوداني الحيوية لمفردة “الثورة”، وأنعشا ذاكرة الجماهير بأن المستحيل ممكن، فهل هو ممكن حقًا؟

لكن هل فوجئ نظام دمشق بالثورة ضده، كما فوجئ السوريون أنفسهم؟! لا، أبدًا، فعلى الرغم من نفي رأس النظام، في مقابلة مع (وول ستريت جورنال) نشرت قبيل الثورة بأيام، احتمال أن تندلع تظاهرات في سورية كما حدث في مصر وتونس، فإن النظام كان مستعدًا تمامًا لأي احتمال، بل إنه أعد خطة الحرب مبكرًا، وقد ركزت الاجتماعات التي عُقدت قبل آذار/ مارس، سواء أكانت إعلامية، وهذا ما أستطيع الحديث عنه، أم مخابراتية، على أن أيّ حراك جماهيري، أيًا كان حجمه أو وزنه، ينبغي التعامل معه وفق منطق الحرب، فقد أكد وزير الإعلام الأسبق محسن بلال، في اجتماعات متلاحقة مع مسؤولي وزارته -أتيح لي الاطلاع على مضمون بعض تلك الاجتماعات بحكم عملي وقتذاك رئيس تحرير بالوكالة لموقع وزارة الإعلام الإلكتروني- أنّ الرد الإعلامي يجب أن يكون حربيًا، عسكريًا، هكذا حرفيًا، فسورية “تخوض حربًا شرسة”. فلم يكن مستغربًا بعدها أن تُطل المستشارة الإعلامية لرأس النظام بثينة شعبان، في مؤتمر صحفي، لتعلن أن ما يحدث هو “حرب”، تهدف إلى إشعال فتنة طائفية بين مكونات الشعب السوري. وكانت التظاهرات حينذاك تقتصر على محافظة درعا وبعض المناطق المتفرقة شرقًا وشمالًا، ولم يكن ثمة تنسيق بين المتظاهرين، بل كانت فعلًا عفويًا. ولن يتأخر رأس النظام عن إعلانه الشهير: “إذا كانوا يريدون الحرب فنحن لها”. ليُستقبل بعاصفة تصفيق من أعضاء مجلس الشعب، الذين كان معظمهم لا يعي حقيقة ما يحدث ولا ما تم التخطيط له. وسوف يعود وزير الإعلام اللاحق عمران الزعبي ليؤكد، في اجتماع مع إعلاميين، أن المطلوب من الإعلام أن يكون شبيهًا بما تقوم به الفرقة الرابعة، والمعروف أن الفرقة الرابعة تعدّ أشرس التنظيمات العسكرية في قوات النظام، ويرأسها شقيق رأس النظام ماهر الأسد.

الحرب، هي المفردة التي تمّ التسويق لها باكرًا إعلاميًا، فيما لم يكن المتظاهرون السوريون قد وصلوا بعد إلى تنظيم صفوفهم استعدادًا للمعركة التي فرضت عليهم، سواء إعلاميًا أم عسكريًا، وقد انتشرت الجثث في الشوارع عن سابق قصد وتصميم، وبأمر عمليات مباشر. ناقشتُ وقتها أحد المسؤولين الإعلاميين، الذي ما يزال يعدّ نفسه محايدًا، حول معنى استخدام مفردة “الحرب” بين الدولة وبين الشعب، فقال، حرفيًا: “نحن، ببساطة، لا نتقن التعامل إلا بمنطق الحرب؛ لاحظْ أننا نقول الحرب على الجهل أو الحرب على الفقر، والحرب على المرض. والقيادة كانت واضحة جدًا، فما يحدث هو حرب”.

وبما أنها حرب، كانت أدواتها واضحة وغير خفية أبدًا، قال شاهد من مدينة دوما، في لقاء على التلفزيون الحكومي، في نيسان/ أبريل 2011: “كان هناك مقاتلون منتشرون على أسطحة الأبنية العالية، وكانوا يطلقون النار بشكل عشوائي على المتظاهرين”. أولئك المقاتلون، الذين أطلق النظام عليهم تسمية «عناصر غريبة» كانوا بكل بساطة عناصر من القوات الأمنية، وكانت مهمتهم الأساسية إشعال الحرب، القتل سوف يقود الثورة إلى ساحة المعركة سواء شاءت أم أبت. ويعترف نائب رأس النظام فاروق الشرع، في لقاء مع صحيفة السفير اللبنانية كانون الأول/ ديسمبر 2012 أنه “في بداية الأحداث كانت السلطة تتوسل رؤية مسلح واحد أو قناص على أسطح إحدى البنايات”. ولأن ذلك لم يتحقق لها فقد عمدت إلى وضع أولئك المسلحين بنفسها، فالسلطة تجيد صناعة الحرب بكل تأكيد. حتى إن الدعوة إلى جلسات حوارية للوصول إلى حلّ لما بات يسمى «الأزمة» لم تكن سوى عمل دعائي هزيل لم يقنع أحدًا، لأن السلطة كانت قد حسمت أمورها وانطلقت تحارب.

في ربع الساعة الأخير قبل الثورة السورية، والتي ما زال السوريون مختلفين على يوم انطلاقها الأول: هل كانت في الخامس عشر من آذار/ مارس أم في الثامن عشر منه، كانت السلطة جاهزة تمامًا، أعدت أسلحتها كاملة، وما استطاعت من رباط الخيل أيضًا، فيما كانت الثورة حالمة رومانسية، تبحث عن وطن سُرق منذ عقود… انتصر منطق الحرب إلى حين، وهُزم منطق الثورة إلى حين أيضًا. تستطيع الثورة أن تعيد ترتيب أوراقها، لأن منطق الثورات لا يُهزم، أما منطق الحرب فلا بد أن يُهزم يومًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق