قضايا المجتمع

حقول الزيتون والشاحنات ملجأ النازحين في إدلب

شهدت مناطق ريف إدلب الجنوبي، خلال الأيام الماضية، موجة نزوح غير مسبوقة، نتيجة الحملة العسكرية التي بدأها النظام عقب إلغائه الهدنة، إذ تسببت الغارات الجوية بتهجير المدنيين من مناطقهم، إلى أماكن أقل خطورة نسبيًا في ريف إدلب الشمالي، على الحدود السورية التركية، وسط أوضاع إنسانية صعبة، أهمها عدم وجود مأوى، ومبيت معظم النازحين على الطرقات الرئيسية، وعدم توافر أدنى مقومات الحياة.

يقول الناشط الإعلامي محمد العلي لـ (جيرون): “تُعدّ موجة النزوح هذه، هي الأكبر منذ بداية حملة التصعيد العسكرية، على مناطق إدلب وحماة في شباط، حيث شهدت الطرقات الرئيسية الواصلة، بين مناطق ريف إدلب الجنوبي ومناطق شمالي إدلب، خلال الأيّام الماضية وحتى اليوم، ازدحامًا كبيرًا للسيارات المحملة بأمتعة النازحين، الفارّين من القصف نحو المناطق الحدودية في بلدات (سلقين، سرمدا، الدانا، أطمة، قاح)، ومعظمهم يفترش أراضي العراء تحت أشجار الزيتون، وبعضهم يقيمون في شاحناتهم لعدم توفر الخيام”.

وأشار العلي إلى أن “الوضع كارثي جدًا، وبخاصة في ظل غياب خطة الاستجابة الإنسانية الدولية عن آلاف النازحين، ومعظم المنظمات المحلية غير قادرة على استيعاب احتياجات النازحين، لضعف إمكانياتها وعدم قدرتها على إنشاء مخيمات مؤقتة، وتوفير مستلزمات النازحين الأساسية”.

وبحسب تقرير أصدره (منسقو الاستجابة في الشمال السوري) مؤخرًا، بلغت أعداد النازحين من مناطق إدلب وحماة، منذ بداية شباط/ فبراير حتى 10 آب/ أغسطس، أكثر من 112123 عائلة (728799) نسمة، بينما بلغت نسبة نزوح العائلات خلال الفترة الواقعة مابين 11 حتى 19 آب/ أغسطس الجاري، أكثر من 21789 عائلة (141193) نسمة، وسط مخاوف من ارتفاع أعداد النازحين من المنطقة، إلى أكثر من مليون نازح، مقارنة بحجم الأعمال العسكرية العدائية على المنطقة.

خالد الحسين، نازح من الدير الشرقي في ريف إدلب الجنوبي، إلى المناطق الحدودية في شمالي إدلب، يقول لـ (جيرون): “نزحت مع عائلتي إلى مناطق حدودية أكثر أمنًا، إذ لم نجد مكانًا نقطنه، وليس هنالك منازل للإيجار، وإن وُجدت فأسعارها مرتفعة كثيرًا، بالإضافة إلى أن المخيمات مكتظة بالنازحين ولا مكان لنا فيها”.

وتابع: “اضطررت أنا وعائلتي للجلوس في العراء تحت أشجار الزيتون، على أمل أن تقوم إحدى المنظمات الإغاثية، بنقلنا إلى أحد مراكز الإيواء”، لافتًا إلى “وجود أكثر من 150 عائلة نزحت من مناطق متفرقة في ريف إدلب الجنوبي، معظمهم يبيتون في شاحناتهم الزراعية”.

وقال محمد حلّاج مدير (منسقو الاستجابة في الشمال السوري) لـ (جيرون): “قمنا بإحصاء أعداد النازحين من مناطقهم، إلى أماكن أكثر أمنًا، وأماكن توزعهم، وقيّمنا احتياجاتهم الأولية، لرفعها إلى المنظمات الإنسانية بهدف تأمين متطلبات النازحين وفق الإمكانيات المتاحة”، مشيرًا إلى أن “الاستجابة كانت ضعيفة من قبل المنظمات، لعدم توفر الدعم الكامل الذي يستوعب أعداد النازحين الكبيرة، حيث أن هذا الأمر يتطلب خطة استجابة سريعة، من المنظمات الدولية والأممية التي تمتلك إمكانيات كبيرة، وقادرة على تقديم المساعدات للنازحين، الخدمية والطبية والمعيشية”.

ومن جهة أخرى، قال مصطفى الحاج علي مدير الدفاع المدني في إدلب لـ (جيرون): “إن فرق الدفاع المدني العاملة في المنطقة، تعمل على تأمين المواصلات للعائلات، من مناطق ريف إدلب الجنوبي إلى شمالي إدلب، وتقوم بتأهيل المخيمات العشوائية، كشق الطرقات لتسهيل العبور، وإقامة حفر للصرف الصحي، وتأمين مياه صالحة للشرب”.

لم تقتصر معاناة الأهالي على النزوح فقط، بل زادت معاناتهم في ظل غلاء إيجارات المنازل، وتحكّم تجار الأزمات من أصحاب المكاتب العقارية، بالأسعار التي وصلت إلى أكثر من 250 دولار أمريكي شهريًا، الأمر الذي اضطر العائلات للمبيت في العراء، لعد قدرتهم على دفع الإيجار”

أبو إدريس، نازح من ريف إدلب الجنوبي إلى أطمة شمالي إدلب، قال لـ (جيرون): “بعد أن وصلت مع عائلتي إلى أطمة، على الحدود السورية التركية، كان وضعنا سيئًا للغاية، فبعد فشلي في استئجار منزل بسبب ارتفاع الأسعار التي وصلت لـ 250 دولار أمريكي، بالإضافة إلى أجرة السمسرة وهي 100 دولار أمريكي، قررت المبيت في سيارتي على أمل أن تنتهي الأزمة وأعود لمنزلي قريبًا”.

ودفعت هذه الأزمة “حكومة الإنقاذ”، الذراع المدني لـ (هيئة تحرير الشام) لإصدار قرار لضبط إيجارات المنازل، ومنع أصحاب المكاتب العقارية من استغلال النازحين، الفارين من مناطقهم نتيجة الحملة العسكرية العدائية.

وألزم قرار “حكومة الإنقاذ”، المكاتب العقارية بتحديد أجور المنازل وفقًا للأسعار المتعارف عليها قبل موجة التهجير، ويتقاضى أصحاب المكاتب العقارية عمولة تساوي إيجار نصف شهر فقط مهما تمّ تمديد العقد، ومصادقته من قبل المجالس المحلية التابعة للهيئة. كما ألزم القرار تأجير البيوت الفارغة أو فتحها للمهجرين، أو توكيل من يقوم بذلك نيابة عنهم، تحت طائلة (التأجير الجبري بأجر المثل).

وتزامنت موجة النزوح هذه، مع استمرار حملة التصعيد الجوية والعسكرية البرية من قبل قوات النظام والميليشيات المساندة له، على معظم مناطق ريف إدلب الجنوبي، منها مدينة خان شيخون والقرى المحيطة بها، التي شهدت حركة نزوح، نتيجة القصف المتواصل الذي أسفر عن دمار منازل المدنيين، والمنشآت الحيوية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق