تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إدلب على أبواب شتاء جديد

اشتدت المعارك على نحو غير مسبوق، في مدينة إدلب شمال سورية، آخر معاقل المعارضة السورية المسلحة، وواصلت قوات النظام السوري وقوات (الفيلق الخامس) المدعوم من قاعدة حميميم الروسية، إضافة إلى ميليشيات تابعة لـ (حزب الله) اللبناني، تقدّمها العسكري -بغطاء جوي روسي- على مناطق استراتيجية في إدلب، وتمكنت من بسط سيطرتها، خلال الأسبوع الماضي، على العديد من البلدات التي تمتاز بأهمية استراتيجية، وعلى رأسها خان شيخون، التي تقع على الطريق الدولي الواصل بين حلب ودمشق واللاذقية (شمال وغرب وشرق سورية).

مطلع الشهر الجاري، أعلنت الأطراف الضامنة (تركيا، روسيا، إيران) هدنةً بين المعارضة والنظام السوري في إدلب وحولها، في نهاية الجولة 13 من اجتماعات أستانا، لكن النظام السوري وروسيا ضربوا عرض الحائط بوعودهم وبالهدنة، وشنوا هجمات جوية “جهنمية” للغاية ضد مناطق سيطرة المعارضة، واتبعت قوات النظام استراتيجية عسكرية جديدة، تتمثل بشن هجمات ليلية بدعم جوي روسي على عمق المنطقة، ما جعلها تحقق تقدمًا أكبر، لعدم امتلاك المعارضة إمكانيات للحرب الليلية.

حاولت فصائل المعارضة السورية الاستنجاد بتركيا، وعقد قادة فصائل اجتماعاتٍ مع ضباط أتراك لبحث التطورات في إدلب وتقدم قوات الأسد بدعمٍ عسكري روسي، لكن شيئًا لم ينتج عن هذه الاجتماعات، على الرغم من تصريح أكثر من مسؤول تركي، بأن بلدهم يرفض التصعيد الذي يقوم به نظام الأسد وروسيا ولن يسمح بإنهاء المعارضة السورية المسلحة في إدلب وحولها، إلا أن الروس ضربوا عرض الحائط بالموقف التركي، وحاول النظام السوري قصف رتل عسكري تركي، متجاوزًا خطوطًا حمراء يعرف أنه ليس بحجمها لولا الوجود الروسي.

الحرب بين الطرفين: النظام السوري وروسيا والإيرانيين من جهة، وفصائل المعارضة المسلحة من جهة أخرى، كانت قاسية، وقتلت هجمات النظام وروسيا الكثير من المدنيين، وهجّرت من المنطقة مئات الآلاف، ووصف مركز (منسقو الاستجابة في الشمال السوري) هروب البشر من تلك المنطقة بأنه “أكبر موجة نزوح تحدث في سورية” منذ بدء الثورة عام 2011، إذ بلغ عدد النازحين من شمال سورية خلال الأيام الأربعة الأولى للهجوم الأخير نحو 124,617 شخصًا، ضمن 19,231 عائلة، ليبلغ عدد الهاربين والنازحين من إدلب وحماة، منذ بداية الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري وروسيا (شباط/ فبراير الماضي) 853,416 نازحًا ضمن 131,354 عائلة.

بدأ التصعيد بعد اجتماع أستانا الأخير، الذي لم ينجح في تحقيق أي تقدّم في أي ملف، لا في العملية السياسية، ولا في تشكيل اللجنة الدستورية السورية، ولا في إطلاق سراح المعتقلين، ولا في فرض هدنة مؤقتة، فالمعارضة السياسية السورية لديها شروط لم يستطع الجانب الروسي تحقيق أيّ منها، مقابل استسهاله مع كل مطالب النظام السوري، ولهذا لم يكن الهجوم على إدلب مفاجئًا بالنسبة إلى المعارضة السورية التي كانت تتوقع أن يتم الضغط عليها، من خلال الحل العسكري على الفصائل التي ترفض نتائج اجتماع سوتشي التي تتبناها روسيا، وتريد تمريرها كبديل عن نتائج اجتماعات جنيف المتوافق عليها دوليًا.

رفضت الفصائل في إدلب اتفاق سوتشي، كما رفضت سحب سلاحها الثقيل لإنشاء منطقة منزوعة السلاح تضمنها وتُشرف عليها روسيا، على اعتبارهم “عدوًا وليس ضامنًا” بحسب وصف هذه الفصائل لروسيا، ما دفع النظام وروسيا إلى فتح معارك في إدلب، وهي فرصة أيضًا لمحاصرة هذه الفصائل أكثر والقضاء عليها، لكن التقدم بعد خان شيخون بدا بطيئًا، ومن المرجح أن يتوقف، ويبدو أن توازن القوى لن يسمح لأكثر من هذا التغيير الميداني، الذي سيستمر لفترة مقبلة غير محددة، ريثما يتبيّن للروس هل كان الدرس قاسيًا وكافيًا لتركيع المعارضة السورية وإرغامها على شروطه المتعلقة بنتائج ومسارات مؤتمر سوتشي أم لا، كذلك، فإن روسيا التي تعرف قدرات القوات البرية للنظام وللميليشيات الموالية له، من غير المتوقع أن تسعى لتوريطهم بما هو أكبر، وستسعى على التوازي لتطبيق ما حصل في الجنوب السوري من مصالحات وحلول مفروضة كأمر واقع.

ما يلفت النظر أن هذه الحملة العسكرية الشرسة لروسيا والنظام شمال غرب سورية، تزامنت مع ثلاثة أمور مهمة، يمكن استخلاص نتائج مهمة منها، الأمر الأول تزامنها مع مباحثات تركية أميركية لإنشاء منطقة آمنة شرق الفرات على طول الحدود مع تركيا، تضمن لتركيا ابتعادًا للأكراد “الانفصاليين” من حدودها، وتضمن أمنها القومي، وقد تكون مصلحة تركيا في بإبعاد الأكراد أهمّ بكثير من خسارتها منطقة في العمق السوري، في شمال غرب سورية لصالح النظام السوري وروسيا.

الأمر الثاني هو القمة الرباعية الروسية الألمانية الفرنسية التركية التي يسعى الأتراك لعقدها في تركيا مطلع أيلول/ سبتمبر المقبل، والتي ستبحث ملفات أمنية إقليمية وعلى رأسها سورية، ومن الممكن أن يكون هناك ترتيبات مطلوبة قبل هذه القمة.

الأمر الثالث هو أن تلك القمة الثلاثية، الروسية التركية الإيرانية، التي أُعلن أنها ستُعقد في 18 أيلول/ سبتمبر المقبل في تركيا، وسيكون على رأسها الملف السوري، وفق ما قال بعض المراقبين الروس، سيتم خلالها الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، ولتحقيق ذلك لا بد من أن تضمن روسيا أن تكون المعارضة السورية قد رضخت للمطالب الروسية بحلول هذا الموعد.

تُعطي هذه الأمور الثلاثة انطباعًا بأن نهاية المعارضة السورية في إدلب شمال غرب سورية قد اقتربت، وأن الروس سيُرضخون المعارضة للبدء بمسار حل سياسي وفق الطريقة البوتينية، وانطباعًا آخر بأن تركيا تتساهل في هذا الجزء من حدودها، مقابل ضمان الجزء الأخطر المحاذي لوجود الأكراد، وكذلك أن المعارضة السورية، السياسية والمسلحة، سترضخ بعد أن تخلى عنها كل الداعمين، لكن هذه ليست كل عناصر القصة في حقيقة الأمر.

ما لم يتضح حتى الآن هو الموقف الأميركي، وهو الموقف الذي يراقب ويُبرمج الحروب في سورية عن بعد، وعبر وسطاء ودول، بخيوط لا تكاد تُرى، لكنها في غاية القوة والصلابة، خيوط لا يستطيع أي طرف قطعها بسهولة دون أن يتعرض لمشكلات، وفي الوقت نفسه لا يراها بشكل واضح أحدٌ، بل تُرى نتائجها فقط.

من المستبعد أن يوافق الأميركيون على سيطرة النظام السوري وروسيا على شمال غرب سورية كلية، دون أن يكون هناك ثمن مرتفع لصالح الأميركيين، ومن هذا المفهوم، من غير الواضح ما هي حدود الصفقة، هل سيتم إنهاء المعارضة كليًا، أم سيتم تحجيم نفوذها لمنطقة أكثر هامشية، أم سيتم تسليم الإشراف عليها للروس.

أسئلة لم تستطع التحركات العسكرية الميدانية الإجابة عليها بعدُ بشكل واضح، فالمعارك مستمرة، وهناك بين الفينة والفينة كرٌ وفر، كما لم تستطع المعارضة السياسية السورية الإجابة عليها، لقلة المعلومات التي لديها وضحالة تأثيرها في المشهد، كما لم تُعلن الدول المتدخلة في الشأن السوري إجابة عنها، لكن من المرجح أن يصل الجواب خلال أيلول/ سبتمبر الجاري، قبل أن يدخل الشمال السوري في شتاء جديد.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق