مقالات الرأي

بواعث اضطراب العلاقات العربية – الكردية سوريًا

العلاقات العربية – الكردية في سورية تعاني منغصّات وتهديدات، وعلينا أن نعترف بذلك. ولهذا الأمر أسبابه البعيدة والقريبة والآنية المستمرة؛ فالكرد ارتبط مصيرهم سياسيًا مع مصير الدولة السورية الحديثة منذ تأسيسها قبل مئة عام تقريبًا، وذلك بموجب اتفاقية سايكس – بيكو. هذا مع العلم أن الوجود الكردي في المنطقة قديمٌ يعود إلى العصور التاريخية القديمة، مرورًا بالإسلامية، ومن ثم العثمانية، وإلى يومنا هذا.

لم يستوعب الكرد في بداية الأمر طبيعة ما كان يجري حولهم، إذ استغربوا موضوع بقاء مدنهم في الجانب الآخر من الحدود التي باتت تفصلهم عن تركيا، وفوجئوا بقوة أجنبية جديدة تمارس سلطتها على مناطقهم التي أصبحت ضمن سورية الحديثة. سلطة تسلب زعاماتهم المجتمعية الدور والوظيفة، وتفرض عليهم كل ما كان يُعدّ جديدًا غير مألوف بالنسبة إليهم.

وبعد أن زالت الصدمة بعض الشيء، انضم الكرد إلى غيرهم من السوريين، ليطالبوا برحيل الاستعمار، على أمل أن تضمن دولة الاستقلال حقوق الجميع.

وسارت الأمور سيرًا حسنًا، في مرحلة ما بعد الاستقلال، وبرزت إرهاصات الوطنية السورية، التي كان من شأنها أن تكون أساسًا لدستور عصري يطمئن سائر المكونات السورية، على قاعدة احترام الخصوصيات والحقوق، والاشتراك في الموارد والإدارة.

ولكن الذي حصل، مع سيطرة حزب البعث على مقاليد السلطة في سورية في 8 آذار/ مارس 1963، هو أن قيادات الحزب المذكور وجدت في الأيديولوجيا القوموية منصة لها، لتشرعن سلطتها بين الأوساط الشعبية في المدن الكبرى، خاصة في دمشق وحلب وحمص وحماة وغيرها.

وانسجامًا مع ذلك، اعتمد حزب البعث، من اليوم الأول لسطوته، أسلوبَ فرض سياسة عنصرية ضد الكرد، ومارس الصهر القومي القسري من أجل التخلص منهم، وتمثّل ذلك في سياسة اضطهادية مزدوجة، تجسدت من جهة في حرمان الكرد من جميع حقوقهم القومية المشروعية؛ ومن جهة ثانية في تطبيق إجراءات ومشاريع تمييزية في مناطقهم، مثل الحزام والإحصاء والتعريب القسري؛ هذا إلى جانب التدابير التي قضت بمنع الشباب الكرد من دخول كليات الجيش والشرطة، وحرمان الطلبة الكرد من البعثات الدراسية الداخلية منها والخارجية؛ إلى جانب فرض إجراءات أمنية صارمة لمنع الكرد من الحصول على سندات الملكية، والموافقات الخاصة بالمشاريع الاقتصادية الخاصة. هذا فضلًا عن ترك المناطق الكردية عرضة للإهمال والنهب، على الرغم من كونها مستودع الحبوب وخزان النفط والماء لسورية كلها.

ما حصل مع الوقت، هو أن أعضاء حزب البعث، والمتأثرين بأفكاره وإعلامه، تعاملوا على مدى عقود مع موضوع الاضطهاد الذي تعرض، ويتعرض له، الكرد، وكأنه حالة طبيعية. فليس للكردي أي حق من الحقوق التي باتت في عالمنا من المسلّمات، بل من البدهيات.

استمرت الأوضاع المأسوية التي عاشها الكرد السوريون الذين عانوا، وما زالوا، من ظلم مركب: ظلم عام يسري على السوريين جميعًا، وظلم خاص يفرض عليهم بناءً على انتمائهم القومي المختلف، وفق محددات ومنطلقات حزب البعث، هذا الحزب الذي ما زال يعلن في برنامجه عدم القبول بالانتماءات الأخرى غير العربية، ويطالب بطرد من يصرّ على انتمائه القومي المغاير من “الوطن العربي” الذي يحدده بناءً على توجهات أيديولوجية لا علاقة لها بوقائع التاريخ والجغرافيا، والدراسات العلمية الميدانية الموثّقة وفق المعايير الأكاديمية المتعارف عليها.

واستمرت الأوضاع المأسوية التي عاشها الكرد في ظل حكم حافظ الأسد، وفي عهد وريثه بشار.

مع انفجار الغضب الكردي في ربيع عام 2004؛ أدرك السوريون من غير المسيسين، ومن المسيسين أيضًا، لأول مرة، وجود قضية وطنية كردية حقيقية في البلد، كان النظام يتستر عليها دائمًا، ويحاول نفي وجودها عبر تخريجات وتفسيرات وتسويغات واهية لا سند لها ولا أساس. وما زال الكرد السوريون يتوجهون بالعتب إلى المعارضة السورية، نتيجة عدم وقوفها إلى جانبهم، كما ينبغي في ذلك الحين، هذا مع الإقرار بصعوبة أوضاع المعارضة، والاعتراف بمحدودية إمكاناتها وتأثيرها.

مع بداية الثورة السورية، تحرك الكرد بحماس في معظم المدن والبلدات في مناطقهم، وكلنا يتذكر تظاهرات عامودا التي كانت تبث في مختلف وسائل الإعلام، بعد تظاهرات حمص. غير أن الذي حصل هو أن النظام كان مدركًا لحيوية وأهمية الدور الكردي أكثر من المعارضة، لذلك فعل المستحيل من أجل إخراج الكرد من معادلة الثورة. كما فعل مع العلويين والمسيحيين والدروز. وكانت صفقته مع حزب الاتحاد الديمقراطي، عبر حزب العمال الكردستاني والنظام الإيراني. فتسلّم الحزب المذكور المناطق الكردية بصلاحيات كاملة، شرط أن يبعدها من الثورة، ويقمع بكل الوسائل -بما في ذلك التغييب والاغتيال- الأصوات المؤيدة لها، والمتفاعلة معها.

ولم يتنبّه قسم من المعارضين السوريين -بكل أسف- إلى لعبة النظام، واستمروا تحت تأثير المنظومة المفهومية الأيديولوجية البعثية التي كانت تهيمن على عقولهم، وإن كان بصورة لا شعورية؛ فتعاملوا بفوقية مع الموضوع الكردي، وفي أحسن الأحوال، كانوا يقدمون المجاملات الخاوية التي لم تكن تقنع أحدًا.

وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذلناه، من أجل انضمام المجلس الوطني الكردي إلى المجلس الوطني السوري، ومن ثم الائتلاف، ونجاحنا في ذلك؛ كنا نصطدم من حين إلى آخر بمواقف غير مسؤولة من قبل المتطرفين العرب والكرد، كانت تعيد خلط الأوراق بطريقة لم تخدم الثورة السورية قط. فقد كانت التصريحات تُعزل عن سياقاتها، وتُحوّر وتُشوّه، لتأتي موائمة لتوجهات القوى التي لم تكن تريد تفاعل الكرد مع الثورة. وجاءت اعتداءات حزب الاتحاد الديمقراطي على تل حميس وتل براك وغيرها من البلدات العربية في منطقة الجزيرة. كما كان هجوم الفصائل المسلحة التي ادعت أنها تنتمي إلى الجيش الحر على سري كانيي/ رأس العين، ومن ثم الهجوم الداعشي على كوباني، وما حصل في عفرين من نهب وسلب وانتهاك للحرمات، وتجاوزات مصدرها سلوكية الغزو والعقلية الثأرية الحاقدة على الناس البسطاء، من قبل المسلحين الذين دخلوا مع الجيش التركي. هذا إلى جانب اشتراك المقاتلين التابعين لـ (ب. ي. د) ضمن إطار قوات (قسد) التي تضم بين صفوفها عناصر كردية وعربية وسريانية في القتال ضد (داعش) في محافظتي الرقة ودير الزور، بإشراف وتوجيه ودعم من جانب الأميركان. كل ذلك وغيره، سمّم الأجواء بصورة فظيعة، إلى درجةٍ تساءل المرء عندها حول إمكانية وجود إرادة دولية أو إقليمية ترمي إلى تفجير العلاقة العربية الكردية، بأي ثمن، تمهيدًا لمخططات سرية لا نعلم عنها شيئًا حتى الآن!

ولكن الأمر الذي نعرفه، ونشاهد نتائجه بكل وضوح، هو وجود فكر قوموي متطرف لدى العرب والكرد، يسوّق أصحابه أنفسهم بأسماء مختلفة، ويركزون على كل ما هو مقيت يثير الخلاف ويفرّق. يمارسون شعبوية سطحية مبتذلة عبر دغدغة المشاعر والعواطف، الأمر الذي يؤدي إلى هيستريا جمعية، تساهم في تعميق الهوة، وتهدد جسور التواصل التي ما زالت تقاوم، بالرغم من كل العواصف.

والضجة الأخيرة التي ظهرت حديثًا، نتيجة تغريدات أسعد الزعبي العنصرية بامتياز، هي واحدة من المظاهر السلبية التي لا بد أن يتوقف عندها المرء بجدية، هذا إذا كان حريصًا على ترسيخ مفهوم الوطنية السورية، عبر المحافظة على وحدة النسيج المجتمعي، على قاعدة احترام الانتماءات المختلفة، والاعتراف بخصوصياتها وحقوقها.

فمثل هذه التعبيرات والمواقف، من قبل أناس كانوا، أو ربما ما زالوا، في مواقع قيادية في المعارضة السورية، تثير الشكوك التي تجعل من مصداقيتهم وأهليتهم ومداركهم وقدراتهم موضع تساؤل، ولا توحي بأي حال من الأحوال بإمكانية أن يقدم هؤلاء مشروعًا وطنيًا يطمئن كل السوريين من دون أي استثناء أو تمييز.

فاللغة القدحية الحاقدة، سواء الشوفينية أم الطائفية التي نسمعها هنا وهناك، تسيئ إلى المكونات السورية جميعها، لذلك نرى أن الإدانة الحازمة العلنية لهذه التصريحات، التي تنشر روحية الحقد والكراهية، مسألة مطلوبة وضرورية إلى الحد الأقصى. أما أن يلتزم المرء الصمت، أو اللاأدرية، أو الإرجائية، فهو بهذا يشجع المتطرفين أكثر، ويمكنهم من التأثير السلبي بصورة أكبر، وكل ذلك لم ولن يخدم المشروع الوطني السوري الذي خرج من أجله شبابنا وشاباتنا، قبل نحو تسعة أعوام، مطالبين بمستقبل يضمن الكرامة والحرية والعدالة لجميع السوريين، بل إن هذه التوجهات تنذر بأسوأ الكوارث.

العلاقات العربية – الكردية تحتاج إلى المزيد من الحوار المعمق والصراحة وتبديد الهواجس. وهنا لا بد من أن نشيد بالأصوات الحرة النبيلة العالية من العرب السوريين الذين عبروا بقوة وعلانية عن رفضهم لما ذهب إليه الزعبي وغيره، ضد الكرد تحت ذريعة (ب. ي. د) الذي طالبْنا، مرات لا تحصى، بضرورة الفصل بينه وبين القضية الكردية في سورية. فهذه الأخيرة هي قضية وطنية عادلة، لا بد من أن تُحلّ بالحوار والتفاهم بين السوريين الأحرار. أما الحزب المذكور فقد دخل إلى سورية بأجندات النظامين السوري والإيراني، وهو اليوم جزء من الأجندات الإقليمية والدولية، ولكنه استغلّ عدالة القضية الكردية نتيجة ضعف أصحابها الفعليين، لأسباب كثيرة يطول حولها الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق