مقالات الرأي

أنماط الخطاب السوري الثوري المعادي للديمقراطية

لا يجادل أحد في أن الثورة السورية عندما اندلعت عام 2011 كانت ثورة تضع نموذج الديمقراطية الغربية مثالًا تريد أن تحتذي به، لما تحققه تلك الديمقراطية للشعوب التي تعيش في ظلها، من حياةٍ تقوم على العدالة والحقوق والمساواة، وإقامة دول تُحكم عن طريق القانون والبرلمانات المنتخبة، وليس عن طريق الدولة الأمنية، على حد تعبير الطيب تيزيني، من دون أن يعني ذلك أن السوريين غير مدركين لبعض السلبيات التي تظهر هنا وهناك في الأنظمة الديمقراطية.

وعلى الرغم من السنوات الثماني العجاف التي مرت بها الثورة السورية، وعلى الرغم من أنها كانت تريد أن تبقى ثورة حرية ضد سلطة طاغية دأبت على إغراق سورية في بحور الفساد والظلم وقلة الكرامة لعقود خلت، وعلى الرغم من الهجوم الذي تعرضت له هذه الثورة من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وخارجها، عن طريق تمويل الفصائل الإسلامية المسلحة؛ فإن بقاء خطاب متماسك يضمر العداء للديمقراطية، بين أوساط السوريين المؤيدين للثورة، يُعدّ من الأمور التي لا بد من التوقف مطوّلًا عندها، لما لهذا الأمر من تأثير سلبي على فكرة الثورة ذاتها، وخيانة للوعي بها من حيث هي ثورة تتجه نحو الحرية ومقاومة كل أشكال الاستبداد والاستقواء والتسلط على حقوق السوريين ومقومات حياتهم.

الهروب من الحرية، أو الخوف من الحرية -كما يسميه إريك فروم- يُعدّ من أعقد المشكلات التي تواجه المجتمعات الحديثة، لأنه خطاب يخفي خوف الإنسان من العيش على الضد من معتقدات وقيم مجتمعه، على الرغم من أن قيم هذا المجتمع الأخلاقية والسياسية والدينية هي قيم سهر المستبد على تأسيسها عبر عشرات السنوات لكي تساعده في الهيمنة على المجتمع وتوجيه تفكيره نحو تحقير قيمة الحرية.

لقد لجأ النظام الأسدي إلى تخويف السوريين من فكرة الديمقراطية، عبر عدة طرق ملتوية، يأتي في مقدمتها تخويف السوريين من الديمقراطية الغربية، بوصفها تكتلًا من القوى الإمبريالية والاستعمارية. ومع الأسف، فإن هذا الفكرة ما زالت موجودة وبقوة في ذهن السوريين المؤمنين بالثورة، وقد ساعد في استمرار هذه الفكرة مواقفُ الغرب عمومًا التي لم تكن على مستوى طموحات السوريين الذين كانوا يتوقعون أن يضغط هذا الغرب بشكل أكبر على النظام، للاستجابة لمطالب السوريين، والتوقف عن ارتكاب المجازر الرهيبة التي تعرضوا لها من النظام الأسدي.

وقد زاد الأمر تعقيدًا عندما بدأ السوريون المؤمنون بالثورة ببناء “نظرية مؤامرة” معاكسة، تقول إن الغرب “وصنيعته إسرائيل” هم من يدعم النظام السوري ويوظفه لتحقيق أطماعهم الاستعمارية في فلسطين والجولان، وبالطبع فإن هذه النظرية تضرب عرض الحائط بالفهم الحديث للسياسة الخارجية، من حيث هي صراع على المصالح والنفوذ، فالمسألة لا تتعلق بموقف الغرب من النظام الأسدي، لأن من الطبيعي، على الرغم من أنه نظام غير أخلاقي، أن يقف الغرب مع نظام مستعد لأن يقدم كل شيء للآخرين مقابل بقائه في السلطة، فالمشكلة في دول الفساد التي تجعل لعاب الغزاة يسيل، كما يقول ابن خلدون.

يُضاف إلى ذلك أن الخطاب الديني الشعبي الذي يسيطر عليه (شيوخ الجوامع، شيوخ الطرق الصوفية، مدارس تحفيظ القرآن، المفتون في المحافظات، رجال دين شعبيون، فقهاء، أصحاب أنشطة دعوية، دكاترة كلية الشريعة بجامعة دمشق، وهؤلاء كلهم تشرف عليهم الفروع الأمنية المنشرة في كافة المحافظات السورية) أسس خطابًا معاديًا للغرب، بوصفه غربًا فاسقًا أخلاقيًا، وغارقًا في حياة اللهو والجنس والموبقات، أو بوصفه غربًا يعادي المسلمين ويخاف من أن ينتشر الإسلام في ربوعه. هذه الصورة بقيت تحتل الصدارة عندما يفكر السوري بالديمقراطية الغربية حتى لدى الذين قادتهم الظروف إلى اللجوء للغرب، الأمر الذي سبب لهم مشكلات صعبة في الاندماج مع مجتمعاتهم الجديدة، حتى الخطاب الذي يعزو مشكلات اللاجئين العائلية وصعوبات تربية أولادهم إلى الحرية الموجودة في تلك البلدان الغربية، يُعدّ خطابًا طاغيًا على الأحاديث اليومية بين السوريين في بلدان اللجوء.

أصحاب الأيديولوجيات اليسارية، أيضًا، سواء كانوا مؤيدين أو معارضين، يعدّون الديمقراطية الغربية إحدى أهم التحديات التي عليهم مواجهتها، على أساس أنها ديمقراطية رأسمالية تعتاش على فائض القيمة الذي تحدث به ماركس، وتضع نفسها في النهاية رهن الأغنياء وشركاتهم العابرة للقارات.

تعود أسباب انتشار خطاب يضمر العداء للديمقراطية الغربية، بين أوساط السوريين المؤمنين بالثورة، إلى سببين رئيسين، الأول يتعلق برواسب التفكر القومي العنتري (نسبة إلى أبو عنتر) الذي ما زال يحلم بنموذج المستبد الطاغية الذي يوحد العرب ويبنى أمجادهم الضائعة، ويرجّع الأقليات الدينية والقومية إلى حجمها الحقيقي (مثال على ذلك البوست الذي ترحّم فيه أسعد الزعبي قبل أيام على صدام حسين، لأنه قتل الأكراد، من دون أن يفرق بين تنظيم (ب ي د) المصنف إرهابيًا، من جهة، وبين الأكراد كمجموعة بشرية تتقاسم العيش مع أهل المنطقة، وعانت الأمرين في سجون صدام حسين وحافظ الأسد، من جهة ثانية) أما السبب الثاني فيعود إلى أن غالبية السوريين لم يحسموا أمرهم في اختيار الديمقراطية، لأنها في النهاية نظام يتطلب العلمانية. أما تشكك السوريين بالعلمانية فيعود إلى الخطاب الديني التقليدي الذي يخوف الناس من العلمانية، من دون أن يكتشف هؤلاء أن التخويف من العلمانية أسبابه ليست دينية، وإنما تتعلق برغبة فئة رجال الدين والمستفيدين منه في المحافظة على مكانتهم التي يوفرها الدين لهم، لا أكثر ولا أقل.

اليوم، على الرغم من مرور ثماني سنوات من القتل والتهجير والتدمير الذي يعانيه السوريون، بقي التفكير السياسي للسوريين المؤمنين بالثورة يراوح في مكانه، ولم يشهد تقدمًا يُذكر بغية تكوّن خارطة ذهنية سياسية تحدد الأولويات، وتفرق بين الأسباب والنتائج، بين ما هو مزيف من صناعة مؤسسات النظام الثقافية والسياسية، وبين ما هو ضروري لكي ينظم السوريون بموجبه حياتهم الجديدة، التي تكاد تأكلها الظنون، وينهشها الترقب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق