سلايدرقضايا المجتمع

الدولة الأسدية… دولة الانتهازات

يتساءل المرء مستغربًا عن وجود بعض الشخصيات والفعاليات الاقتصادية والدينية والسياسية والثقافية تؤيد نظامًا لم يترك وسيلة للتنكيل إلا وجربها بشعبه، ويزداد العجب حين تكون تلك الشخصيات والفعاليات تنتمي إلى ذات الحيز الجغرافي والديموغرافي للضحايا.

استطاع نظام الحكم الفاشي في سورية الصمود لسنوات طويلة في وجه أعظم ثورة في التاريخ المعاصر، ليس بفعل الدعم الخارجي فحسب، وإنما بفعل استغلال الانتهازات الداخلية أيضًا، وعلى سبيل المثال:

  • الانتهازية الدينية: حيث تنشط في سورية مجموعات من أتباع التقليد الصوفي التي تُحرِّم في مبادئها الخروج على الحاكم مطلقًا، وتحت أي ظرف من الظروف، ومهما فعل الحاكم، فهذا النوع من التدين يناسب بشار الأسد، إذ أنه لا يُشكّل تهديدًا له، بل اتخذ الأسد من هذه المجموعات ستارًا يُدافع بها عن نفسه مدللًا على أنه يحمي الوسطية ويُحارب الإرهاب، وقد استقبل الأسد مرارًا هذه المجموعات في قصره على مدار سنوات، وقدّم لهم كل خدمة ممكنة، وسمح لهم بافتتاح المعاهد والمدارس وحلقات التدريس في المساجد، وحمل قادة هذا التيار تصاريح خاصة من وزارة الأوقاف تساعدهم في التنقل من دون إزعاج الحواجز، فكانت الانتهازية متبادلة بين الطرفين، السلطة والمجموعات الصوفية، فالمجموعات الصوفية تريد حماية السلطة، والسلطة تستمد جزءًا كبيرًا من شرعيتها من هذه الجماعات والتنظيمات، وهكذا يتم تصنيف المسلمين السنة بأنهم قسمان، الأول معتدل والآخر متطرف، ويتم التعتيم على الطيف الواسع من أنصار الدولة المدنية والديمقراطية.
  • الانتهازية الاقتصادية: حيث أظهرت سنين الثورة الطويلة مجموعة جديدة من جيل الشباب شكّلوا طبقة انتهازية تُراكم الثروات على حساب الظروف المأساوية التي يعيشها الشعب السوري، منتهزين فرصة ضعف السلطة وحاجتها للالتفاف على بعض القرارات الدولية والعقوبات الاقتصادية التي قضت على الصف الأول من رجال الأعمال اللصوص الذين كانوا يغطون نفقات الحرب على الشعب السوري، فأتى الجيل الجديد كواجهة فقط للجيل الأول ومن طوائف مختلفة، ومرة جديدة يستخدمهم الأسد ليدّعي بأن الاقتصاد حر ومفتوح وليس حكرًا على آل مخلوف وشاليش الذين بدورهم يعملون لصالح الأسد شخصيًا، حيث ذكرت إحدى الصحف الروسية بأن ثروة الأسد قد بلغت في بنوك بيلاروسيا 281 مليار دولار، واستطاع الأسد بواسطة هذه الواجهة الاقتصادية المحدثة أن يستولي على عقود المعونات الإنسانية مع المنظمات الدولية التي تتعاقد مع تجار سوريين من أجل استجرار كميات هائلة من الطعام والدواء، وهنا أيضًا كانت انتهازية متبادلة بين تجار حديثي النعمة يسعون لربح سريع وكبير وبين سلطة الأمر الواقع التي قبلت أن ترمي لهم الفتات على مضض، مقابل قبولهم أن يكونوا واجهات مساهمة في تسيير الاقتصاد السوري ولو بالحدود الدنيا، فضلًا عن الأدوار القذرة التي لعبتها طبقة التجار الجدد من خلال الضغط على رجال الأعمال المقيمين خارج القطر من أجل شراء ممتلكاتهم بأسعار بخسة لا تصل أحيانًا إلى 10% من قيمتها السوقية تحت التهديد بمصادرة الأملاك بحجج ومبررات كاذبة مثل تمويل الإرهاب وغيرها.
  • الانتهازية الثقافية: ما إن انطلقت الثورة السورية حتى انحاز إلى صفوفها كبار الكتاب والمثقفين والأدباء في سورية، ونتيجة لملاحقة الأسد وأجهزته الأمنية هاجر بعضهم وبقي البعض الآخر في بيته ملتزمًا الصمت، مما شكل فراغًا كبيرًا في الساحة الثقافية، فكانت الفرصة مناسبة للكتاب المغمورين وصحفيي الدرجة العاشرة ومدوني الصفحات الصفراء لأن يقفزوا لملئ الفراغ، وأعلنوا استعدادهم للوقوف في صف السلطة، فكان النظام كعادته جاهزًا لانتهاز الفرصة، وتقديم هذه العينات كواجهة ثقافية جديدة للمجتمع السوري، محاولًا سد الفراغ الذي تركه المثقفون الحقيقيون، وفتح لهم الأبواب في التلفزيون والإذاعة والمراكز الثقافية ليقدموا صنفًا واحدًا من الثقافة وهو صنف التصفيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق