تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الولايات المتحدة وسورية… سبع مراحل وأربعة أسباب

اتّصف موقف الولايات المتحدة من الأزمة السورية، منذ الأيام الأولى للثورة حتى انزلاقها إلى حرب مدمرة، بالتردد والضبابية حينًا، وبغير المبالاة حينًا آخر، ولم يكن الدمار وتصاعد مآسي السوريين وارتفاع التكاليف البشرية والمادية للحرب سوى ورقة سياسية لها في المنطقة.

الموقف الأميركي المتردد ترك السوريين يتساءلون عن موقف واشنطن الحقيقي من النظام السوري، وأكّد أن الثورات العربية ليست متساوية لدى صنّاع السياسة الأميركيين، خاصة بالمقارنة مع وضوح موقف الولايات المتحدة وسرعته تجاه رؤساء مصر وليبيا وتونس.

سبع مراحل

مر الموقف الأميركي تجاه الأزمة السورية بسبع مراحل، بدأت المرحلة الأولى مع بداية الثورة في آذار/ مارس 2011، واستمرت نحو ستة أشهر، وفي تلك المرحلة المبكرة كان الموقف الأميركي يميل إلى مصالح النظام، ولم تكن الخسائر البشرية الكبيرة التي تسبب بها النظام تعني للولايات المتحدة شيئًا، وأكثر ما فعلته الإدارة الأميركية أنها تمنت على القيادة العسكرية السورية أن تُخفف من دموية حلّها الأمني، ودعت الأسد لقيادة إصلاح يعيد سيطرته على السلطة، ويلجم الثورة ويفتح نافذة على الديمقراطية، وبالرغم من الوصف القوي من قبل البيت الأبيض للفظائع الذي ارتكبها الأسد، فإن الموقف لم يتعد الكلام، وقال الرئيس أوباما خلال هذه المرحلة إن على الأسد “أن يقود انتقالًا إلى الديمقراطية، أو أن يفسح الطريق”.

انتقلت الولايات المتحدة مرغمة إلى مرحلة ثانية في طريقة تعاطيها مع النظام السوري، بعد رفض الأسد إجراء أي عملية إصلاح، وكذلك بعد ارتفاع عدد الضحايا المدنيين ليصبح بالآلاف، وتوسع رقعة الثورة من مدينة واحدة إلى كل أنحاء سورية، وشكّلت الولايات المتحدة (مجموعة أصدقاء سورية) وترأستها، وضمت لها 114 دولة، لكنها لم تقدّم أي دعم يذكر للمعارضة السورية سوى الوعود.

استمرت المرحلة الثانية حتى منتصف 2012، توقفت خلالها الإدارة الأميركية عن مطالبتها النظام السوري بإجراء إصلاحات، وبدأت تحمّل الأسد شخصيًا المسؤولية عن قتل السوريين، وبدأت تدعو القيادة العليا للتنحي طوعًا دون الإضرار بالبنية الأساسية للنظام، أي الأجهزة الأمنية والعسكرية ومؤسسات الدولة وأجهزتها السياسية والاقتصادية، وبدأت رحلة الضغط والعقوبات على أفراد من النظام، من أجل إضعاف ترابط شخوصه لتسهيل اختراقها، لكن تركيبة النظام الطائفية الأسرية الأمنية جعلته أعقد من أن يتم اختراقه.

صارت نقاط التظاهر نحو ألف نقطة في بعض الأيام، وبدأ العمل العسكري الثوري ونما بصورة متسارعة، وانتشرت الكتائب “الثورية” المسلحة في كل أنحاء سورية، ما دفع الولايات المتحدة إلى الانتقال إلى مرحلة ثالثة من التعاطي مع الأزمة السورية.

في المرحلة الثالثة، قررت الولايات المتحدة استنزاف الجميع، النظام والمعارضة وإيران و”حزب الله” وغيرهم، واقتضى هذا أن تستمر الثورة دون أن تنتصر، وأن يستمر النظام ضعيفًا دون أن يُهزم، وفي سبيل ذلك منع الأميركيون وصول السلاح الفعال إلى أيدي المعارضة، وتحفّظوا على مطالب المعارضة بحماية دولية أو مناطق حظر طيران أو ممرات إنسانية، ثم رفضوا كل هذه المطالب من دون أن يقدّموا بديلًا منها، ومنحوا النظام فرصة للحياة، بإطلاق مبادرات سياسية عربية ودولية لم يُكتب لأي منها النجاح ولو جزئيًا، وغضوا الطرف عن قصف المدن بالأسلحة الثقيلة، وأعلنوا أن الخط الأحمر هو السلاح الكيمياوي فقط.

المرحلة الرابعة في مواقف الولايات المتحدة استمرت حتى نهاية 2013، دعمت خلالها الولايات المتحدة مشروعًا يدعو لمشاركة جزء من النظام مع جزء من المعارضة في حكم سورية، وإنشاء نظام حكم جديد، وفي هذه المرحلة، ظهر إعلان جنيف الذي نقل الموقف الأميركي إلى المرحلة الخامسة.

بدأت المرحلة الخامسة بعد أن استخدم النظام السوري السلاح الكيمياوي، واخترق الخطَّ الأحمر الأميركي، لكن هذا الاختراق لم يدفع الولايات المتحدة إلى الإعلان أنها ستسقطه، وكان أقصى إجراء اتخذته أن هددت بأن تقوم بقصف جوي على مراكز حساسة للنظام، وقالتها صراحة إنها تريد إضعافه وليس إسقاطه، لأن الرئيس السوري أعلن فجأة -من دون استشارة البرلمان أو الحكومة أو الشعب كما يقتضي أي دستور- أنه سيحقق واحدًا من أهم المطالب الأميركية – الإسرائيلية، ووافق على تدمير أسلحنه الكيمياوية كلّها دفعة واحدة، فرحبت الولايات المتحدة بقراره، وتوقفت عن المطالبة بإسقاطه، وبدأت تضغط على المعارضة للقبول بحل وسط مع النظام، وأوقفت برامج تدريب المعارضة المسلحة عام 2014، وبدأت تنسى (أو تتناسى) الطرف الأساس الذي أدّى إلى انتشار الإرهاب والحرب والموت والدمار في سورية.

استدعى ذلك انتقال الولايات المتحدة إلى المرحلة السادسة، حيث قررت منتصف 2014 تركيز عملها على محاربة “تنظيم الدولة الإسلامية”، وشكّلت التحالف الدولي ضد تنظيم (داعش)، وصار الوجود الأميركي ملموسًا في عام 2015، وأنشأت الولايات المتحدة أول قاعدة عسكرية جوية كبيرة لها في سورية، وبدأت تُكثّف الدعم والعلاقة مع “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي وجناحه المسلح “وحدات حماية الشعب”، ووجدت في القوات الكردية حليفًا بديلًا من قوات المعارضة السورية.

مع بدء التدخل العسكري الروسي في سورية نهايات 2015؛ انتقل الموقف الأميركي إلى المرحلة السابعة، إذ وافقت الإدارة الأميركية على أن تضرب القواتُ الكردية المدعومة من قبلها فصائلَ المعارضة السورية و(داعش) في الوقت نفسه، وضمن تفاهم أوسع، غير مُعلن، غضت الطرف عمّا تقوم به روسيا في سورية، وأفسحت الطريق لها لتتدخل عسكريًا بشكل مباشر نهاية 2015، ووفق الوقائع وتسلسل الأحداث منذ ذلك الوقت، يمكن استنتاج أن الولايات المتحدة سلّمت روسيا الملف السوري لتنهيه بطريقة مُرتّبة بين الطرفين.

منذ عام 2015، ثبت الموقف الأميركي مُراوحًا في المكان، لا يتخلله سوى بعض التصريحات الهادئة تارة والنارية تارة أخرى، ويتخلله تحركات دبلوماسية أكثر منها عسكرية أو سياسية، ولا يكاد يُرى الموقف الأميركي في خضمّ مواقف الدول الكبرى والإقليمية المتدخلة بالشأن السوري، فيما تؤكد النتائج أن الولايات المتحدة تُنسق مع الجميع دون استثناء، من وراء ستار وبشكل غير مُعلن.

أربعة أسباب

أربعة أسباب تُفسر تردد واشنطن وإحجامها عن الدخول بقوة على خط الثورة السورية، أولها حساباتها الداخلية المتعلقة بالرأي العام الأميركي الذي عايش حرب العراق وأفغانستان، وأصبح ضد تفعيل الدور الخارجي لأميركا على حساب حل المشكلات الداخلية.

السبب الثاني يتعلق بمصلحة “إسرائيل”، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، التي تؤثر بقوة في القرار الأميركي، خاصة في ما يتعلق بالوضع الأمني لبلد يجاورها وتحتل جزءًا من أرضه، وتريد استمرار هدوء الجبهة معه كما كانت خلال عقود، ولا يخفى أن “أمن إسرائيل” هو الشغل الشاغل لأميركا والغرب، وأن النظام السوري استطاع حفظ هذا الأمن سنوات.

أما السبب الثالث فهو وضع سورية الجيواستراتيجي وارتباطاتها التحالفية المناهضة للسياسة الأميركية، وعدم رغبة الولايات المتحدة في فتح معركة طويلة ومعقدة مع أطراف محور يضم إيران والعراق ولبنان، وروسيا على رأسهم، وهو ما سيكلف الولايات المتحدة خسائر مادية يصعب تعويضها من بلد فقير بثروته النفطية كسورية.

أما السبب الرابع فهو الخوف من البديل الذي سيستلم سورية، إذا سقط النظام، وفشل المعارضة وأمراضها، وسوء تصرفاتها وقصر رؤاها، ووزن الإسلاميين عمومًا، والمتشددين منهم خصوصًا في السلطة المقبلة وموقفهم من الدولة المدنية.

يرى كثير من السوريين أن السياسة الأميركية وجدت في انتفاضة الشعب السوري فرصةً لتحقيق أهداف ثلاثة رئيسة وهي: المساهمة في إيجاد الظروف المناسبة ليدمّر السوريون بلدهم، ونزع السلاح الكيمياوي السوري، ومنع تسلح إيران بالسلاح النووي. أما ما كان الشعب السوري ومعارضته ينتظرونه من السياسة الأميركية، ومن السياسة الغربية عمومًا، أي مساعدتهم لإسقاط النظام وإقامة نظام جديد ديمقراطي تعددي تداولي للسلطة، فقد كان مجرد أمنيات سورية لا أرضية لها في السياسة الأميركية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق