هموم ثقافية

نداء إلى المسرحيين

إن أشرس المدافعين عن المسرح هم أولئك الذين لهم سلطة تسيير سكنه في مُدننا. سيواصل هؤلاء إنتاج المئات من الأعمال المسرحية والإشراف على المهرجانات والتحكم في إشكالات هياكله وغيرها، وسيدعي أغلبهم -في المقابل- أن ما يُنجز من قبلهم هو فعلًا إنجاز مسرحي عظيم أو هو سردية بأكملها، دونها لم يكن ممكنًا تحقيق أي فعل مسرحي آخر. طبعًا، إنهم لن يتورعوا عن المزيد من ذلك، فلقد تم من قبل الإجهاز على أي إمكانية لمولد تجارب مغايرة أو مختلفة عن تجاربهم. ونحن ندرك جيدًا الأسباب؛ إذ ثمة مِلح رشه هؤلاء على تلك الأرض التي كان ممكنًا أن تنبت في تربتها بذور جديدة، ولم يعد ثمة فرضية تقول بإمكانية زراعة حدث مسرحي في أفق وجودنا، أمام شراسة المتكلمين اليوم باسم هذا الفن.

على هذا النحو من التورط الذي يسحبنا إلى الإقامة في معادلة هؤلاء، سنشهد يوميًا أكثر من كابوس مسرحي. إننا إزاء قدر عنيف يطلب منا الخضوع أو عقد ضرب من التمرد العدمي. في كل الأحوال سوف ننسى تدريجيًا المسرح، وبدلًا من ذلك سنظل في حديث دائم عن إشكالات وجوده الحالية، مع أننا نشهد موت المسرحيين تباعًا، جيلًا بعد جيل، وسوف ننسى الرهانات الأنطولوجية لهذا الفن، وبدلًا من ذلك سنظل نبحث لأنفسنا عن إقامة في وجوده، وسننسى أيضًا خاصيته (كإقامة في الوجود)، وسنصرّ على تسريد مقولة موته، لأنه لا موقع لنا -مسرحيًا- في مدينة تسيره باسم إرادة السياسيين، أو سنتحول إلى جنود وخدم تحت إمرة المتكلمين باسمه علنًا، نظفر ببعض الامتيازات المسرحية كهبات تأتي من قبلهم.

في الأثناء، سنتحول إلى ضرب من القتلة، إننا جد مهتمون بمعاركنا من أجل وجودنا كمسرحيين، ولا أحد منا تساءل عن وجود المسرح عينه، وعلى هذا النحو سيصبح من السهل جدًا أن يتسلل الكره بيننا.

قال نيتشه: “كن عدوي كي أستسيغك”، إن مطلب العداوة هذا لا يكشف عن حقد أو ازدراء أو غرور أو كره، إنما يكشف عن روح المنافسة التي تتطلب سقفًا نبيلًا من المعارك العظيمة، ولكن على ما يبدو، إن ما يحدث الآن ليس مطلب العداوة، بل مطلب الكره والضغينة والحسد، إذ نتحول إلى ما يشبه الكهنة وحفاري القبور، بعد أن أصبح كلّ منا ينتظر موت رفيقه المسرحي. إن الغرض من مطلب الموت ما هو إلا نتيجة دافع ذاتي للحصول على امتيازات الميت بعد موته، وإن لم يكن كذلك فإن مطلب التصفية الجسدية لن يتجاوز تلك النزعة السادية (من حيث تشغيل التشفي) وكأننا نصبح بهذا الشكل من جرده من الحياة بعد أن جردنا من إمكانية وجودنا المسرحي.

يمكن في حالة كهذه أن نسمع بنبأ وفاة أحد المسرحيين الكبار، وسيصرخ أحد منا بالقول: “نعم، لقد ارتحنا من أحد الكبار الذين لم يتركوا لنا فرصة للخروج إلى عالم الأضواء المسرحية”. طبعًا، إن هذا يحدث دائمًا بين المسرحيين، وإن بشكل مسكوت عنه. ثمة على ما يبدو ضرب من الحقد العنيف لم يجد ترجمته ضد شخص بعينه، إنما ضد جيل كامل من الآباء المسرحيين. وعلى أي حال، إن ذلك الحاقد هو أول من ستنزل دموعه من شدة الحزن، على الرغم مما تفوه به.

ما الذي جناه هؤلاء حتى يولد جيل جديد من بعدهم لا ينظر إليهم إلا بوصفهم مجرمين؟ هل لأننا ورثنا عنهم الكره بدل العداوة؟ لماذا كلّما اقتربنا من أحدهم دانَ ابنَ جيله الآخر؟ ولماذا تشهد المسارح والمعاهد والمؤسسات المسرحية برمتها بؤسًا مسرحيًا تسيره مسوخ من المنتسبين إلى هذا الفن، أو المتكلمين الجدد باسمه؟ علينا الانتباه إلى إن البعض من هؤلاء لم يتركوا الفرصة لأي كان، للخوض في الشأن المسرحي، وإن سمحوا له فستظل الريبة محاطة به وكأنه يهوذا الركح الدموي. أو لنقلها بصراحة: لقد تحول المسرح الآن إلى شكل من أشكال التوريث الجمالي! ولنا في المسرح الوطني التونسي -على سبيل المثال لا الحصر- دليلٌ على ذلك، من خلال بروز اسم آسيا الجعايبي ابنة الفاضل الجعايبي، هذه المتهمة اليوم باستغلالها فضاء المسرح الوطني ومعداته دون غيرها: هكذا يهمس خوفًا وسرًا البعض من المسرحيين في تونس. إن عدم جرأة هؤلاء على مواجهة الفاضل بشكل علني يكشف فعلًا عن قلق كبير إزاء الحياة المسرحية، ويكشف في المقابل عن حقد وضغينة وكره، كما يكشف عن خوفهم من السلطة اللامرئية لهذا الرجل. هم الآن يتلذذون بعذاب انتظارهم لموته أو عزله من منصبه، حتى تبوح حناجرهم بجمرة المواجهة المخفية.

هل ضاقت المدن المسرحية إلى هذا الحد؟ لماذا يبدو أفق المسرحيين ضبابيًا على هذا النحو؟ لماذا لا يستمد المسرحي وجوده إلا من خلال فشل الآخرين أو نجاحهم؟ لماذا لا ينعطف هؤلاء إلى اختراع آفاق جمالية خارج معارك كسر العظم؟ هل يرجع الأمر إلى نظرة تقول إنه في هذه الأمكنة فقط يمكننا أن نستل الاعتراف بصفتنا كمسرحيين؟ هل يعود الأمر إلى سيطرة بعض الأسماء والحيتان على كل الفعاليات المسرحية والمهرجانات الثقافية التي تحولت إلى ما يشبه المأدبة بين أشداق البعض دون البعض الآخر؟

يبدو أن أعظم سؤال يمكن أن نطرحه الآن هو الآتي: لماذا ليس ثمة مشترك بين المسرحيين؟ إن المشترك هو ما يدمّر نزعة التدمير. قال أحد الأصدقاء: “إن مسرحنا مبني على تشغيل الإثم”. وقال أيضًا: “كم ثمة فينا من مسرحي ترك جلده على الركح ومات؟ ولماذا يتجاهله التاريخ؟” ليس الإثم هنا جريمة يجب أن يُحاسب عليها شخص ما، وإلا فإننا سنبحث عن قضاة ينبشون في الأسباب التي جعلت هذا التاريخ لا يُكْتَبُ من جهة المهمشين. ولكن الإثم هو ألا يكون ثمة مشترك بيننا كمسرحيين، ألا يكون ثمة امتداد بين الأجيال، ألا يكون ثمة احتكار للإبداع، ألا تخضع الخبرة الجمالية إلى التوريث، ألا نحرم الآخر من الحلم والتجربة، ألا نجعل من المسرح عجلًا تحوم حوله سواطير القصابين.

يجب أن يكف بعض الآباء من المسرحيين، وقد شاخت تجربتهم، عن القول إنهم مثال النموذج الوحيد الذي يجب على الآخرين النسج على منوالهم. يجب أن يكف هؤلاء عن تشغيل رمزيتهم بتحولهم إلى ما يشبه رجال الأمن؛ حيث تكريس جهودهم كلها من أجل احتواء الآخرين. يجب أن يكف هؤلاء عن تدمير كل الإلكترونات المسرحية الحرة، تلك التي لا معلم لها في ما يخص باب التمرد المسرحي، يجب أن تنتهي سردية الأب الممتدة من فكرة لاهوتية تقول بربوبية هؤلاء.. وفي المقابل، على هذه الأجيال التي يروعها الآن الإحساس بالحيف والظلم الكفّ عن تمردها العدمي: ثمة ما يمكن سرقته من التجارب السابقة، وثمة ما يمكن أن يحرك السؤال التالي: كيف استنبت الأوائل وجودهم المسرحي داخل المدينة؟ وكيف ساهموا في تمدينها وفقًا للعبة المخاتلة التي جمعتهم مع السياسيين في نفس الملعب؟ ولكن هذا لا يغفل ضرورة تشغيل الغضب المسرحي من قبل هذا الجيل، إذا ما حوصر فعلًا. عليه –أيضا- أن يؤمن بأنه يعيش في قرية العالم المعولمة. إنه “ابن جديد لهذا العصر الإمبراطوري الذي لم تعد تحكمه مدينة اللاهوت التي تسيرها مصانع الملة والهوية والدين”. من هنا، يمكنه اختراع أفق لوجوده الخاص بعيدًا من حرمانه من صناعة المستقبل.

في الحقيقة، إن مسألة الكره والضغينة التي ينظر إليها من باب الصراع بين الأجيال، لا يمكن أن تمثل سوى معركة جد منحطة وبائسة ومقرفة، تبعدنا عن أهم مسألة يجب أن تطرق، ونحن نعقد ضربًا من الإقامة في مملكة الدازاين (الوجود). إنها مسألة الإبداع؛ إذ مثلما يمكن أن نجد حساسية إبداعية في تجربة الآباء، يمكن أن نجدها في تجربة جيل جديد. ليس ثمة سلطة زمنية وعمرية على هذا النحو، بل ثمة سلطة جمالية لا غير. لكن هذا الأمر لن يتحقق من دون مساواة إنتاجية، لأنها وحدها التي ستعقد تصفية جادة ونهائية ضد مناحات المظلومية أو تصدير الذات بوصفها الأعلى شأنًا إبداعيًا.

لذا، تجب الإشارة إلى موكب جنائزي نودع من خلاله فكرة الكره، كما تجب الإشارة إلى منعطف جديد ترعاه كلمة العداوة تلك، التي تعقد ضربًا من التنافس العظيم بين المسرحيين، في ما يخص تشغيل الفكر المسرحي إبداعيًا ونظريًا. لن يكون المسرحي مسرحيًا، وهو يعقد هجرته في الوجود دون عنب الروح الديونيسوسية، تلك التي تطرق تمعينها للحياة وللعالم من باب الألوهة وإرادة الصخب والعناد والانتصار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق