تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تساقط “المناطق المحررة” بيد النظام.. الأسباب والنتائج

في خضم الأحداث المتلاحقة على الساحة السورية، والكوارث التي تعصف بالثورة السورية من خلال سقوط أغلب “المناطق المحررة” في أيدي نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، وفي ظل إصرار من يقوم على مؤسسات الثورة ويمثلها على الاستمرار في مشاركته في اجتماعات أستانا، والتلاعب بمصير الشعب، نشاهد الحالة المزرية والخطيرة التي وصلت إليها الثورة السورية، على مختلف الأصعدة العسكرية والسياسية والاجتماعية، فمن الواضح أن هناك تفاهمات واتفاقات من تحت الطاولة يتم تطبيقها على الأرض باتفاق كافة الأطراف المشاركة في اجتماعات أستانا، وبمباركة دولية، وبخاصة من الولايات المتحدة التي على ما يبدو تُدير الأمور عن بعد، من خلال الروس والإيرانيين والأتراك، ويحاول كل منهم الحصول على أكبر قدر من المكاسب عبر محاصصة للأرض السورية ومقدراتها.

هذا ما نلمسه من خلال الجولات الماراثونية الجارية منذ عام 2014 بين هذه الدول، في ظل غياب تام للسوريين نظامًا ومعارضة، وارتهان هؤلاء كل إلى قرار مشغليه، فالأسد وما تبقى من نظامه مرتهن بشكل كامل للروس والإيرانيين، إلى درجة أن هاتين الدولتين تتنازعان فيما بينهما السيطرة على مؤسسات الدولة السورية، بخاصة الجيش والأمن، أما ما يسمى مؤسسات المعارضة فقراراتها مع الأسف مرتهنة إلى جهة واحدة فقط، هذه الجهة مرتهنة عقديًا لتحالفات إقليمية من ألد أعداء الشعب السوري ومنها إيران، وهي المسيطرة على مؤسسات الثورة وقراراتها، ومن الواضح والجلي، لجميع المتابعين لتحركات هؤلاء، أن همّهم الأول تحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة، وثبت أن هؤلاء لا تهمهم مصالح الشعب الذي من المفروض أنهم جزء منه، ولا شلالات الدماء النازفة على أرض الوطن الذي من المفروض أن يكون وطنهم، على أمل أن يكون لهم دور في قيادة الدولة السورية المستقبلية، متناسين أن الأسد وحلفاءه لم يتنازلوا، ولم يقبلوا أن يشاركهم أحد في حكم سورية عندما كان “الثوار” يسيطرون على أغلب الأراضي السورية، فكيف لو نجح الأسد وحلفاؤه في السيطرة على كافة الأراضي السورية؟

من هنا، يمكن القول إن هؤلاء تم تكليفهم بلعب هذا الدور، بعد أن مهدت لهم الطريق أجهزة المخابرات الدولية والعربية والإقليمية، للسيطرة على مؤسسات الثورة، وأبعدت القادة الحقيقيين للثورة، بل كلفت هؤلاء بالتخلص من فجر الثورة، تارة بالاغتيالات، وتارة أخرى بالتضييق عليهم وإبعادهم من الأراضي السورية، وأحيانًا بإثارة الشائعات والدعاية السوداء حولهم، وبهؤلاء استطاع حلفاء الأسد السيطرة على القرار السياسي والعسكري والإعلامي الرسمي للثورة بشكل غير مباشر، وبدأ مسلسل الهزائم وتسليم المناطق تباعًا، بحجج واهية وتمثيليات مكشوفة، مستخدمين الكثير من قادة الفصائل المقاتلة، بعد أن مكنوهم وفككوا أغلب الفصائل الثورية ذات التوجه الوطني، وأصبح التوجه العام للفصائل جهادي المظهر أسدي الهوى، وقد ساهمت أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية والعربية في دعم وتقوية هذه الفصائل، لتثبت صحة ما صرّح به الأسد وأركان حكمه، من بداية الثورة، بأنهم يحاربون الجماعات الإرهابية، وأصبح هؤلاء يتحكمون في سير المعارك على الأرض.

ومن اللافت للنظر، أن عددًا من قادة هذه الفصائل مجهولو النسب والهوية، وبعضهم أصحاب سوابق جنائية، أو ممن خدم هو وعائلته الأسد ونظامه منذ نعومة أظفاره، بل كان من أشد أدوات بطش الأسد وأجهزة مخابراته بالشعب السوري، فكيف تنتصر ثورة يقودها أمثال هؤلاء الذين جمعتهم مصالحهم الضيقة مع المتسلقين على مؤسسات الثورة وقراراتها السياسية؟! وعلى الرغم من أن الطرفين يُظهران العداء لبعضهما، فإن نتائج عملهم تدل بشكل واضح على تعاونهم لإتمام هدفهما الذي جمعهما عليه مشغلهما وداعمهما. لقد اتبع هؤلاء أساليب شيطانية لإبعاد الشرفاء والقادة الثوريين الحقيقيين، ومن المفيد أن نعرف أن من أهم هذه الأساليب تهجير عشرات الآلاف من المقاتلين إلى مناطق (درع الفرات) أو إلى تركيا، وملاحقتهم بتهم ملفقة وباطلة من قبل أجهزة أمن الفصائل، وبخاصة الفصائل الراديكالية، ومن المفيد أيضًا أن نعرف لماذا يتم التضييق على المجموعات والفصائل الثورية الأهلية والمحلية المسلحة، ونهب سلاحها وعتادها وملاحقة أفرادها، كما يجب أن نعرف لماذا يقبع أكثر من عشرة آلاف مقاتل، من مختلف التوجهات الفكرية وبخاصة الوطنية منها، في سجون ومعتقلات الفصائل ذات التوجه الجهادي المرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بمن يغتصب المؤسسة السياسية للثورة، ومن حق السوريين أن يعرفوا لماذا يصرّ قادة الفصائل المسيطرة على الساحة في المناطق المحررة على الإمعان في الانفلات الأمني المدروس والمخطط، كالاغتيالات والتفجيرات والخطف والنهب والسلب الهادف إلى ترويع المواطنين في هذه المناطق، أليس من أجل إفقاد الحاضنة الشعبية في المحرر الأمن والأمان؟ ومن المفيد أيضًا أن نعرف لماذا تتوغل قيادات الفصائل في التحكم والسيطرة على جميع المؤسسات الخدمية في المحرر، من مشاف ومجالس محلية وجمعيات خيرية، وتسليم هذه المؤسسات إلى فاسدين وأصحاب شبهات وإبعاد أصحاب الاختصاص من هذه المؤسسات.

وإذا أردنا أن نعرف أيضًا أهمّ الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، علينا أن ندقق في دور الأعلام الحربي في الأراضي المحررة، وبنظرة ومتابعة سريعة، نجد أن قيادات الفصائل تُسيطر وبشكل شبه كامل على هذا الإعلام، وبخاصة المراصد والإعلاميين الميدانيين الذين تم الاعتماد عليهم بعد أن تمّ إبعاد أصحاب الخبرة والاختصاص، هؤلاء الذين يقلبون الحقائق ويزورونها، بجعل الهزيمة انتصارًا، وتجميل قرارات القادة بالانسحاب من المناطق، لا بل أصبح هؤلاء يدافعون عن قادة الفصائل وأمرائها بشكل أعمى، ويبدو أن بعض الفُتات الذي يرميه لهم هؤلاء القادة أعمى بصرهم وبصيرتهم عن الحقيقة المرة التي كان من واجبهم الوطني والديني إظهارها لأهلهم وشعبهم المكلوم بهم وبقادتهم الذين باعوا كل شيء يمكن أن تطاله أياديهم بثمن بخس.

لم تكن هذه الممارسات هي وحدها من أوصل الثورة السورية إلى ما هي عليه الآن، إنما كان هناك قرارات اتُخذت في الغرف المظلمة لسحب السلاح الثقيل والنوعي والفعّال من أرض المعركة، ومن المُحزِن والمخزي في آن معًا أن يتم بيع هذه الأسلحة والأعتدة إلى عصابات الأسد والتنظيمات المتطرفة، وتسليم قسم كبير منها إلى تركيا. وإذا أردنا أن نتعمق أكثر يجب أن نعرف لماذا يتم منع فتح أي عمل عسكري ضد الأسد وحلفائه على جبهات، من الواضح أن قواته فيها قليلة ويمكن اختراقها وإعادة السيطرة من خلالها على كثير من هذه المناطق التي سقطت في العامين الأخيرين، ولماذا يتمّ حصر المعارك على المحاور والجبهات التي يفتح المعارك فيها العدو الأسدي فقط، ضمن مناطق عمل الفصائل الرافضة لأستانا والحلول الاستسلامية؟

من الواضح أن السبب الحقيقي لهذا العمل هو التخلص من “الثوار” الذين رفضوا العمل تحت راية الداعم، وفضّلوا البقاء مدافعين عن أهلهم وشعبهم وأرضهم، بما يملكون من عتاد وسلاح وذخيرة، ومن المفيد أن نعرف أيضًا لماذا لا يقوم قادة الفصائل بالرد على من يستهدف أهلهم وحاضنتهم الشعبية منذ سنوات بكل أنواع الأسلحة حتى المحرمة دوليًا، على الرغم من امتلاكهم إمكانية الرد على هذه الجرائم في عمق مناطق الحاضنة الشعبية للأسد وعصاباته؟ ويمكن أن نذهب إلى أبعد من تلك الممارسات إلى أهمّ الطرق والممارسات الخبيثة التي فتكت بالثورة، وأوصلتنا إلى هذه الحالة المزرية، وهي تضييق المعيشة إلى أبعد الحدود على المواطنين في المناطق المحررة، عبر فرض الضرائب العالية على كل نشاط تجاري أو صناعي أو زراعي مدني، وإضافة إلى ذلك ملكية القادة والأمراء لتجارة المواد الأساسية للحياة وخصوصًا المستوردة أو التحكم فيها، وهذا خلق مزيدًا من الفقر والتمايز بين طبقات المجتمع، وأصبح من يتحكم في قوت أهلنا في المناطق المحررة هم أنفسهم من اغتصبوا القرار السياسي والعسكري للثورة، وقد أدى ذلك إلى نفور الحاضنة الشعبية من هذه الفصائل وممن يمثل الثورة.

خلاصة القول إن هذه الممارسات التي قام بها من يمثل الثورة سياسيًا وعسكريًا أدت إلى كوارث كبيرة، دفعت كثيرًا من الثوار المقاتلين إلى الاعتكاف والابتعاد من المشاركة في المعارك، خوفًا على أنفسهم وحرصًا منهم على أن لا يكونوا شهود زور وأدوات تفتك بثورتهم وشعبهم الذي خرجوا من أجل الدفاع عنه. فكيف لهم أن يكونوا الخنجر المسموم في صدر هذا الشعب الذي تاق إلى الحرية والكرامة والتحرر من الظلم، ودفع من أجل ذلك النفيس والغالي من دماء ومعاناة وقهر وحرمان، ليأتي من فقد بصره وبصيرته وأعمته مصالحه الشخصية والحزبية الضيقة عن نصرة أهله وشعبه وثورته التي لن تموت طالما يوجد من يدافع عنها بكل الوسائل المتاحة. ولعل بداية عودة الثورة إلى طريقها الصحيح تكون بالقيام بثورة على هؤلاء المرتزقة تجار الدم، وإبعادهم بكل الطرق والأساليب المتاحة من التحكم في قرار الثورة، لتعود الثورة نقية إلى أبنائها. ولنا أمثلة كثيرة عبر تاريخ الثورات الوطنية في العالم التي بدأت تتعافى وتعود إلى خطها الوطني الحقيقي، من لحظة إبعاد قادتها الذين تسلقوا عليها وخطفوها، ولعل هذه الخطوة تكون الأولى على طريق دحر الغزاة وطردهم، لتتحقق الحرية والكرامة واستقلال القرار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق