مقالات الرأي

“من تحت الدلف إلى تحت المزراب”

خلال السنوات الأخيرة، التي امتدت على امتداد المقتلة السورية، نجح كثيرٌ من المعارضين السوريين، وخصوصًا من تبوّأ منهم مناصب رسمية، في هيئاتها أو مراكز مهمة في أدواتها الإعلامية، في إثبات القاعدة “الفلسفية/ الشعبية” التي لا مناص من الرجوع إليها، والتي تتلخص بمقولة “من تحت الدلف إلى تحت المزراب”. وصار الحديث الممجوج عن إيجاد البديل والذي أطنبت به مؤسسات السياسات الخارجية الغربية، عند كل لقاء أو نقاش يتطرق للملف السوري، حديثًا واقعيًا مستندًا إلى دعائم وشواهد، لا مناص من الاعتراف بدورها السلبي الذي يتجاوز ما يحاول البعض منا تحميل مسؤوليته “للآخر” أيًّا كان، بسنوات ضوئية.

فذاك “الإسلامي”، ظنًّا منه أنه يُرضي سلطانه المتخيل في أنقرة، أو عقيدته المتخيلة التي تُحَبّذ الأمة على الوطن، لن يتوانى عن شتم ملايين اللاجئين السوريين في تركيا، وتعميم نظرة عنصرية بامتياز عن تجاوزات يقومون بها لا تحترم صيغة الضيف خفيف الظل، وليأتوا بعد ذلك يشتكون من مضيفهم الكريم العظيم. وبعد أن يُثير هذا الكلام مشاعر الملايين، سيتبرأ منه قياديو مجموعته السياسية، موعزين له في الآن ذاته بإصلاح ذات البين، مما يدفع به إلى الاعتذار وإيضاح سوء الفهم الذي تخلل تصريحاته. حسنًا، فالاعتذار نتيجة الضغط الشعبي هو من مظاهر الديمقراطية في أسذج تعبيراتها ولا ضير فيه، بل على العكس، هو مؤسس لثقافة مستدامة ربما تعالج الكثير من الممارسات السياسية والإدارية الموبوءة بأمراض عصر ما قبل الاعتذار.

وذاك “القومي” الذي يروعه انتقاد بعض ممارسات ما يسمى بالفصائل الإسلامية، وهي مجموعات إرهابية تخطف النشطاء وتفرض الإتاوات وتسرق ما تيسر لها من على سطح الأرض وما يمكن أن يختزنه باطنها. عصابات، لم ولن تتوانى عن عقد الصفقات التخاذلية المشبوهة مع الأقوى، وهي المؤهلة قبل سواها لأن تكون عصب الميليشيات المحلية التي سيعتمد عليها المنتصر، في بسط سلطانه على مناطق نفوذها الحالي. ذلك “القومي”، في محاولة مستميتة للدفاع عن هذه المجموعات غير المصنفة أخلاقيًا، سينهل من مخزون تمتزج فيه روح “البعث” الإقصائية مع نفحة دينية مُكتشفة. وسينجم عن هذا المزيج المتفجر نزعة طائفية فجّة، تمنح المصابين بعوارضها كل المفردات التي ستضع من ينتقدهم في موقف دفاعي أو تبريري، في سعي بريء للتملّص من تهم تحظى بشعبية ورواج في الفضاءات الافتراضية التي أضحت مدماك التكوين التحليلي والنقدي لفئات كبيرة من الرأي العام.

يمكن أن تمتد القائمة إلى اللانهاية، لما تحتويه المقتلة السورية من مظاهر تفشي القيح المتراكم والمتقادم والمتفسخ، منذ تولي الاستبداد الإقليمي بداية، ووصولًا إلى المحلي وانتهاء بالوراثي، زمامَ الطغيان بالبلاد وبالعباد. لكن هذه المسؤولية التاريخية والمثبتة والموثقة لا يمكن أن تبرئ من يدّعي التصدي لها من المساءلة، ومن المحاكمة العادلة، لما اقترفه عديد منهم من انتهاكات أخلاقية بحق المبادئ الأولى للاحتجاجات الشعبية التي سعت للتخلص من نير الاستبداد، لا لاستبداله باستبداد تمتزج فيه القروسطوية والطائفية والفساد المشرّع بالاختباء وراء نصوص مقدسة.

آخر ما حُرر، ما كتبه المدعو أسعد الزعبي، وهو ضابط “منشق” تبوّأ -ويتبوأ- مناصب تفاوضية مهمة في مؤسسات المعارضة السورية، بحق المكون الكردي، مستعينًا بمتلازمتي المبيدات الكيميائية وصدام حسين. وعلى الرغم من الاختباء الساذج وراء تسمية فصيل مسلح لا يعبّر عن مجمل المجموعة السكانية المهمة التي يتعرّض لها هذا العسكري لتبرئة الذات من شتم كل الكورد؛ فإن الإشارة إلى المبيدات وصدام حسين تكفي بذاتها لإدانة عقلية عنصرية متمسكة برمز من رموز الطغيان الأشد فظاظة في تاريخ المنطقة الحديث. وعلى الرغم من أن كثيرًا ممن ادعى وصلًا بالثورة السورية يعتبر أن صدام حسين هو رمز يُفتخر به، فقد كان يمكن تبرير هذا الميل بالإشارة إلى مزيج من الجهل والشعبوية والحقد وتراكم الخيبات والبحث عن الفارس الوهمي الخيالي الذي سيعيد الأمور إلى نصابها. بالمقابل، لا يمكن أن يبرر مثل هذا الكلام لمن ادعى أنه يمثل طليعة ثورةٍ، خرجت من أجل الكرامة والعدالة والحرية والاعتراف الكامل بحقوق كل المكونات والفئات.

لقد دعت بعض صفحات التواصل الاجتماعي إلى محاكمة رمزية وأخلاقية لهذا التصريح ولصاحبه. ودولة القانون، وإن لم تقم بعد في سورية، يجب أن تكون أحد أهداف من بقي مؤمنًا بمبادئ ربيع سورية المجهض. وإن لم يُحاكم، بشكل عادل وشفاف، “أهل الصبي” على ما اقترفوه من جرائم أخلاقية في أقل تقدير، كما على انحرافاتهم المتراكمة، لأنهم الأولى بالمعروف، فلا حجة لمن يدّعي قربًا من مبادئ الثورة بعد اليوم بالمطالبة بمحاكمة من اقترف بحقه، من موقع السلطة، أشد وأقسى وأقذر الممارسات. وعلى الرغم من أن إقحام النسبية والتناسب في هذا الحقل قد تؤدي إلى إجهاض الموقف المطالب بمحاكمة أهل البيت؛ فإن مثل هذا الموقف الأخلاقي، مهما كان مثاليًا، سيُعيد على الأقل شيئًا من مشروعية النضال الوطني الديمقراطي الذي اعتقد به جزء من السوريين بمختلف مكوناتهم يومًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق