مقالات الرأي

هل تغيّر السوريون بعد ثماني سنوات من الثورة؟

نظام البعث ثم الأسد حفر عميقًا في عقول السوريين وقلوبهم وسلوكهم، وكرّس أشياء صاروا يمارسونها بشكل لا شعوري، واختلط العام بالخاص. فمن جهة يفتخر السوريون بتاريخ بلادهم الحضاري والإنساني الغني الذي تشهد له الأمم والموسوعات والمؤرخون، ولكن النظام الأسدي سعى دائمًا لاستغلال ذلك للترويج لنفسه وتلميع صورته، فعمل على تقديم السمات الشخصية المتميزة التي يتمتع بها أغلب السوريين، من شعور بالعزة والكرامة والإبداع، على أنها مرتبطة بالنظام وأيديولوجيته، بالرغم من أنه كرّس القمع والاضطهاد وحرمان الناس وتخويفهم وإهانتهم وتحويل الإنسان السوري إلى كائن مجرد من أي إمكانية للتعبير عن الذات، فهو مجرد رقم في “مزرعة آل الأسد”.

جاءت الثورة؛ ففجرت المشاعر والأفكار، وتحرر قسم كبير من السوريين، وبدؤوا يفكرون بصوت عالٍ معبرين عن طموحاتهم ومطالبتهم بحقوقهم في الحرية والكرامة، وبدؤوا يخططون لمستقبل بلادهم، في وقت بقي قسم آخر من السوريين يردد مقولات وشعارات عفا عليها الزمن، لكنها تؤكد أنهم كالعبيد الذين يقدسون أسيادهم، وهناك شريحة واسعة من السوريين يطلق عليها الفئة الرمادية أو الصامتة، فضّلت الصمت وألا تدخل في صراع مع أحد، وأن تعيش المأساة السورية في داخلها بلا دموع وبلا صوت. إنهم كبتوا ضمائرهم وهم ينتظرون الفرج، وبعضهم كما قال أحد تجار دمشق، عندما سُئل: أنت مع الثورة أم النظام؟ أجاب: “أنا مع من ينتصر”!!

في فضاء المعارضة والناشطين والثوار من كافة المستويات، شهدنا تدفقًا بشريًا من الأفكار والمشاعر والظواهر التي تعبّر بالفعل عن انعتاق حقيقي للسوريين وكسر لمملكة الخوف والصمت. ولكن!

في الثورة السورية، شهدنا نشاطًا ثوريًا حقيقيًا من قبل الناشطين الذين خرجوا إلى الشوارع وصرخوا بأعلى صوتهم من أجل الحرية والكرامة ومستقبل مشرق، وشهدنا نساء سورية ماجدات قدّمن كل ما يستطعن من مساعدات للثوار، فكانت المرأة السورية عونًا وسندًا حقيقيًا لهم. والأمثلة كثيرة. يكفي أن نذكر خنساء حوران أم الشهداء وأخت الشهداء، ودورها النشيط حتى اليوم في شحن الهمم وتذكير الثوار بعدم نسيان دماء الشهداء التي تنادينا جميعًا للمضي في مسيرة الثورة، فلا طريق آخر أمام شعبنا سواه، وإلا فالعبودية وحكم الشبيحة في انتظارنا.

حتى الأطفال السوريون ساهموا في الثورة، من خلال التضحيات والمآسي الكبيرة والمؤلمة المادية والنفسية التي تحملوها من جراء فقدان أهاليهم ومنازلهم ومدارسهم، ودخول المئات منهم في السجون وتلقي أبشع أنواع التعذيب، ولا ننسى أطفال درعا الذين كانوا السبب المباشر في إطلاق شرارة الثورة. ولا ننسى الشباب السوري من مختلف المناطق والمذاهب والقوميات والأديان. والأمثلة كثيرة على بطولات وتضحيات لم يشهد لها تاريخ سورية الحديث، سطّرها شباب سورية، مثل باسم شحادة المختص بالتصوير والسينما، الذي ترك حياته الهادئة والمريحة في الولايات المتحدة، وجاء إلى حمص عاصمة الثورة، ليصوّر المتظاهرين ويفرح معهم بشعارات الحرية والكرامة.

تشرد السوريون في العالم، ولكنهم أثبتوا في أصعب الظروف النفسية أنهم شعبٌ مبدعٌ، وأنه ليس عبئًا على الآخرين، لدرجة أنهم حيثما حلوا أصبحوا مصدر تطوير وتقدم وتنمية لتلك المجتمعات، باعتراف أهلها.

النزوع إلى الحرية والكرامة والإبداع وعزة النفس والسلوك الحضاري والإقدام على التضحيات من أجل الجماعة كلها ميزات لا تمتّ بصلة إلى نظام الأسد، الذي زرع الكراهية والتفرقة بين السوريين ومارس القمع والتعذيب والتخويف والإهانات بكافة أشكالها، لكسر إرادة السوريين وتحويلهم إلى قطيع في مزرعته يخدمونه إلى الأبد.

لكن السوريين، مستندين إلى تراثهم الحضاري الإنساني والثقافي المتنوع والمليء بصور العزة والإبداع والاستقلالية، أثبتوا أنهم أحرار وليسوا عبيدًا، وأكدوا للعالم أنهم شعب جدير بالحياة الإنسانية الكريمة، وقدّموا كمًا هائلًا من التضحيات، ولم يتراجعوا عن طموحاتهم. ولكن!

الثورة السورية بالفعل كانت كالتيار المتدفق بغزارة هائلة جرف الأخضر واليابس، وطفت على سطحه شوائب وأوساخ بدت للكثيرين على أنها “وجه الثورة”. لقد ابتُليت الثورة، وهذا شيء ليس خياليًا بل واقعي، بشرائح وأفراد استغلوا الثورة للانتقال من حالات التهميش والفقر والعطالة التي كانوا يعيشونها، إلى دفة قيادة المعارضة السياسية والمسلحة، حيث وجدوا ضالتهم فيها بحثًا عن أجندات شخصية لا تتفق مع أخلاق وطموحات الثورة.

لكن ثماني سنوات مضت من عمر الثورة، حيث كبرنا معها واستوعبنا دروسًا كثيرة، جعلتنا نميز أكثر بين الألوان. ففي مجال الفكر والسياسة، حدثت تحولات كبيرة بين السوريين. لقد تبين عقم الأفكار القديمة التي كانت مضرب المثل لبعض القوى السياسية، لأن الثورة فتحت نوافذ الحرية والتحديث، ولا يمكن أن يبقى الناس محصورين في أطر قديمة ضيقة مرتبطين بزعامات تاريخية أكل عليها الدهر، ولا بأيديولوجيات لم تعد تصلح لواقعنا الجديد، ولا بأطر تنظيمية وسياسية أصبحت ليس فقط عاجزة عن متابعة الثورة بل تأخرت عنها كثيرًا. وليس صدفة أن الحالة الثورية التي شهدتها سورية أدت إلى خلق شرخ في معظم الأحزاب السياسية التقليدية، وهذا تعبير موضوعي عن الصراع بين القديم والجديد بين التقليدي والثوري، مع أن نتائج تلك الاختلافات والانشقاقات -مع الأسف- لم تؤد إلى النتيجة المرجوة، بسبب توالد القديم واستمراره وعرقلته للجديد، بحسب قوانين صراع الأضداد أو الصراع بين الشكل القديم والمضمون الجديد الذي يتطلب أشكالًا جديدة في العمل السياسي.

أصبح مطلوبًا بإلحاح من السوريين تغيير الذهنية والعقلانية في التعامل مع الأشياء والظواهر، لأن ما قبل الثورة أصبح جزءًا من الماضي والتاريخ، وعلينا التفكير جديًا في خلق أطر ومضامين تتفق مع الحالة السياسية والفكرية والاجتماعية الجديدة، التي ننتظرها لسورية الحرة. وعلينا التمسك بأخلاقيات الثورة النقية الصافية غير الملوثة بالشوائب، ولكن مع إبداع أشكال جديدة للعمل والتعايش والتعبير عمّا نريد، كي لا يتسلل الانتهازيون من جديد، ويسرقوا الثورة ويجيّروها لخدمة مصالحهم.

أما في الحالة الاجتماعية والثقافية، فقد تراجعنا كثيرًا، وهذا مرتبط بعاملين أساسيين: أولهما أن فئة المثقفين بالفعل أغلبها انتهازية، ولم تساهم في الترويج للثقافة الوطنية السورية الغنية بتنوعها القومي والتاريخي والديني والحضاري، بل انطوى بعضهم على أنفسهم، وبعضهم كرّس قلمه لخدمة أفكار متطرفة دينية أو قومية بعيدة من مبادئ الثورة وخدموا أعدائها. ومن جانب آخر شهدنا أقلامًا وطنية ثقافية وفكرية، أبدعت في الدفاع عن الثورة وحمايتها من الانحرافات والشوائب، ولكنها -مع الأسف- لم تكن مسموعة من عامة الناس غير المتابعين لوسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام. وثانيهما الحالة الاجتماعية الخطيرة التي كرسها النظام، بمساعدة بعض الفئات المتطرفة والمتعصبة، وهي تكريس التفرقة بين الناس على أساس طائفي وقومي وديني، وهذه من المظاهر السلبية لسنوات الثورة.

وقد أبدع كثير من الفنانين والعاملين في مجال الفن والثقافة والموسيقى، حيث ضحوا بكل شيء من أجل القيم الإنسانية، وتركوا أوضاعهم المهنية الواعدة وأعمالهم ومكاسبهم التي حققوها بجدارة في الوسط الفني، ووقفوا مع شعبهم وثورته، وضحّوا، بالغالي والنفيس، من أجل كلمة الحق والعدل والحرية والكرامة. لهؤلاء نرفع القبعة، وأسماؤهم معروفة ونفتخر بهم.

أما السياسيون فكانوا أسوأ ظاهرة في الثورة السورية، حيث تفاءلنا خيرًا ببعضهم، واعتقدنا أنهم مخضرمون وسيكونون في الطليعة وسيقودون العمل الثوري، إلا أننا شهدنا إفلاسهم السريع نتيجة انغلاقهم على أفكارهم التي لا تسمح باستيعاب الجديد، واستمروا في عقلية التبعية العمياء لأفكار وأساليب عمل أكل عليها الدهر. وبصراحة أقول: أرى أن نشاط شاب ثوري، مثل حارس المرمى الشهيد عبد الباسط الساروت، يعادل نشاط قيادة حزب سياسي تقليدي لم يقدم للثورة كحزب أي شيء مهم، بالرغم من أن تلك الأحزاب انخرطت في الثورة بكامل قوتها، ولعبت دورًا ثوريًا حقيقيًا، لأنها عملت متحررة من هيمنة قياداتها التي أيّدت الثورة قولًا، ولكنها بقيت متمسكة بالماضي فكرًا وسلوكًا وممارسة.

ولا ننسى المواقف الإنسانية والوطنية للعاملين في مجال العلم والبحث الأكاديمي الذين انخرطوا، بكل طاقاتهم الفكرية والإبداعية والثقافية، لدعم ثورة السوريين، كونها ثورة حقيقية من أجل الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، عبّرت عن قيم الحرية والعدالة الإنسانية التي تربوا عليها في سنوات الشباب، وإن كان الأمر لا يخلو من مواقف انتهازية ووصولية بين ممثلي هذه الفئة أيضًا.

لقد كشفت الثورة عن حقيقة بعض الشخصيات والمجموعات العاملة في حقل السياسة والثقافة والمجتمع المدني، فالبعض -منذ بداية الثورة إلى اليوم- ليس لديهم همٌ سوى الترويج، بشكل مباشر أو غير مباشر، لأجندات سياسية وفكرية وثقافية خارجية، ويستميتون في التأكيد على بعض الأفكار والمطالب والمقولات الإشكالية والملتبسة لتكريسها بين السوريين، في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى التركيز على الثوابت الكبرى المشتركة بين أغلب السوريين الطامحين إلى الحرية، أما إثارة القضايا الإشكالية، فهي من حق طارحيها عملًا بمبدأ حرية الرأي والفكر. وأعتقد أن ذلك يبدو وكأنه نوع من “وضع العصي في العجلات”.

وأخيرًا، أصبح معظم السوريين اليوم على قناعة بأن سورية القادمة لن تكون كما كانت قبل آذار/ مارس 2011، لأن التاريخ لا يرجع إلى الوراء. فالنظام انهزم معنويًا وسياسيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا، ولن يلقى في المستقبل من يغامر ويمدّ له يد الدعم، بعد أن ساهم في تدمير سورية وضحّى بملايين الناس، ودمّر البنية المادية والاجتماعية لسورية، من أجل الحفاظ على سلطة آل الأسد.

ويبقى الأمل قويًا وثابتًا في بروز تيار وطني مستقل، يعكس إرادة الشعب السوري بصدق وموضوعية، من دون أجندات انتهازية وحزبية، فالسوريون جابهوا العالم كله، ولم يستسلموا، وكشفت الثورة كل الانحرافات والظواهر المعيقة لحريتهم، ولم يبق إلا بلورة ذلك التيار الصلب لقيادة الحراك الثوري، الذي يحق له استخدام كافة أشكال النضال المتاحة. فالعدو الأسدي وحاشيته المجرمة يجب أن يرحلوا من سورية، ويجب أن تتحرر سورية من كافة أشكال الاحتلال الأجنبي.

سورية الحضارة والتاريخ جديرة بأن تكون واحدة من أرقى الدول وأكثرها حرية وتقدمًا وازدهارًا، بجهود أبنائها المبدعين، بعيدًا من أي مظهر من مظاهر التعصب والتسلط والاستبداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق