تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اللجنة الدستورية حلقة جديدة في إدارة الصراع

“يمكننا الإعلان عن تشكيل لجنة صياغة الدستور في سورية، خلال الأيام المقبلة”، هذا ما صرّح به وزير الخارجيّة التركي، في إشارة واضحة إلى وصول الصّراع في سورية إلى مفترق جديد له ما بعده من تبعات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وصول الصراع إلى نهايته، فالنهاية ما زالت -وفق ما نرى- بعيدة، نظرًا لتعقيدات المشهد الدّاخلي من جهة، وكثرة اللاعبين الإقليميين والدوليين وتعارض مصالحهم من جهة ثانية.

وما سبق يجرّد إعلان لجنة صياغة الدستور المزمع من أهميته، فهو مجرد إعلان يطوي صفحة جديدة، ويضع الجميع على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد السّخونة للجبهات أكثر ممّا هي ساخنة، وقد نشهد تغيّرًا في التحالفات على الأرض، فاللجنة الدستورية ستولد ميتة وبلا مخالب، وستبقى رهينة للداعمين الذين شكلوها على مقاسهم، وثمّة مؤشرات عديدة تؤكد التوجه نحو هذا المنحى التّصاعدي، فالنظام -بمساعدة الرّوس- يكثّف قصفه للمدنيين، عقب الهزائم الكبيرة التي تكبدها على جبهات حماة وإدلب، من دون أن يحقق أيّ تقدّم ميداني ذي قيمة عسكريّة، فلجأ إلى المجازر بحق المدنيين، للضغط على الأتراك الذين باتوا في موقف حرج باعتبارهم ضامنين، وللضغط على اللجنة الدستورية لاحقًا، للقول إنّ الأسد باق، ولا مجال لمناقشة مستقبله دستوريًا.

وما يدلّل على محدوديّة فعاليّة اللجنة الدستوريّة، من قبل الأطراف أنفسها، التحضيرات التركيّة لعمليّة عسكريّة شمال سوريّة، ضدّ “قوّات الحماية الكردية” المدعومة أميركيًا، وبعيدًا من الخطاب الشعبوي للمسؤولين الأتراك، فإنّ تركيا -شأن النظام وروسيا- لا تستطيع التقدم مترًا واحدًا دون الحصول على موافقة الأميركان، فهي تتوعد الأكراد في شرق الفرات منذ سنوات، من دون أن تفعل شيئًا ملموسًا، وهذا ما دفع وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو إلى القول: “يجب أن نتوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة في أسرع وقت”.

إذا كان الأتراك يسعون للمنطقة الآمنة بعيدًا من اللجنة الدستوريّة، فإنّ الروس يسعون للتقدّم في ريفي حماة وإدلب، ضاربين عرض الحائط التفاهمات “خفض التصعيد” العسكرية مع تركيا، ويبدو من النتائج أنّه ليس مسموحًا للروس التقدم حاليًا، إنّما المسموح التدمير وحسب، فقد قالها المبعوث الأميركي واضحة للروس والأسد معًا: لن تسيطروا على إدلب أو شرق الفرات، وعليكم التفاوض. وليس المقصود بالتفاوض طبعًا “اللجنة الدستورية” التي تراها الولايات المتحدة ضربًا من العبث، فالتفاوض -وفق منظور الأميركان- له حسابات مختلفة تمامًا عن حسابات الأتراك والروس، فإيران وحقوق الأكراد السياسية في صلب أي مفاوضات مع الأميركان، إذ لا يمانع الأميركان بقاء النفوذ الروسي، شريطة إخراج إيران وميليشياتها نهائيًا من المشهد السوري، ويأتي ذلك ضمن الاستراتيجية العامة للولايات المتحدة في احتواء إيران وتحجيمها، كما لا تمانع الولايات المتحدة تأمين الحليف التركي لأمنه القومي، شريطة ألا يمسّ ذلك الكرد. فواشنطن وأنقرة ملتزمتان بعملية سريعة وملموسة، في ما يتعلق بخارطة الطريق لمنطقة منبج، وفق تصريح السفارة الأميركية، ولكن ما زالت المقترحات الأميركية دون المستوى الذي يطمئن تركيا، وفق ما قال وزير الخارجية التركي.

فالصراع في سورية، سواء شكّلت اللجنة الدستورية أو لا، ما زال يدور في طاحونة الموت السوري.
وخلافًا لما يعتقده كثيرون، فإننا نعتقد أنّ الروس والأسد وإلى جانبهم الإيرانيون يمثلون اليوم الحلقة الأضعف، فإيران تعاني أزمات سياسية واقتصادية خانقة معلومة للجميع، وروسيا تلمس يوميًّا هشاشة جيش النظام السوري وسلبيته، فهو عاجز عن التقدم شبرًا واحدًا، من دون إسناد جوي روسي كثيف، بل بات عاجزًا عن التقدم رغم هذا الدعم، وما تزال روسيا عاجزة وغير قادرة على إعادة هيكلة الجيش السوري الذي تحوّل إلى ميليشيات ومافيات.

اللجنة الدستورية حلقة جديدة لا تختلف جوهريًا عن الحلقات التي سبقتها، بل قد نشهد تطورات دراماتيكية ألمح وزير الخارجية الروسي لافروف إلى أحدها، ألا وهو إزالة جبهة النصرة “هيئة تحرير الشام” من قائمة الإرهاب، والتفاوض معها، وليس ذلك مستبعدًا في ضوء التجارب الحديثة وفي ظل المعطيات الميدانية، فالأميركان يتفاوضون مع طالبان، و(النصرة) تتغيّر، وإن بوتيرة ضعيفة، فالعناصر الأجنبية والمتشددة تغادر (النصرة) لفصائل أكثر راديكالية.

ويبقى المواطن السوري يدفع ثمن فاتورة إنتاج حلقات مسلسل الدمار من دمه، ريثما يتفق اللاعبون الإقليميون والدوليون على نهاية إخراجه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق