مقالات الرأي

وسام الطير.. نموذجًا

يعيش كثير من الموالين الأصلاء للنظام، هذه الأيام، مشاعر خيبة أمل، حيال وضعٍ أفضل ظنوا أنهم سيحظون به بعد مواقفهم الشرسة الداعمة للنظام، التي كان لها دور بارز في بقائه واستمراره. تلك الشريحة التي نقصدها لا تضم أمراء الحرب وأثرياءها، بطبيعة الحال، بل تشمل الطبقات الوسطى والفقيرة من أنصار النظام، سواء من أبناء الطائفة العلوية، أو من الأقليات، أو حتى من أبناء الأغلبية السُنية، على اختلاف انتماءاتها المناطقية.

لكن ما سبق لا يعني أن علينا توقع تغيرات نوعية في مواقف هذه الشريحة الضخمة من الموالين، الذين ضحى الكثير منهم بالغالي والنفيس، ظنًا منهم أنهم سيحظون بأوضاع أفضل من تلك التي كانوا يحظون بها قبل اندلاع الثورة في العام 2011. وبخلاف ما حدث بُعيد أزمة الثمانينيات في سورية، التي أدت إلى ارتقاء أنصار النظام، حينها، إلى مواقع سلطة ونفوذ غير مسبوقة، لا يبدو أن من المتاح تكرار هذه الظاهرة، اليوم. فالنظام الذي استعاد جزءًا كبيرًا من التراب السوري، عليه ديون كثيرة يجب عليه سدادها، لأطراف دعمته، هي أكثر أولوية، بالنسبة إليه، من طبقة أنصاره الفقيرة التي كانت المصدر الرئيس للخزان البشري، الذي زود به جيشه وميليشياته في حربه التي لم تنتهِ بعد، مع المناوئين له.

لسنا واثقين كثيرًا من طبيعة الحوار الداخلي الذي يجريه موالٍ للنظام، فقَدَ ابنه في حرب النظام على أقرانه من السوريين، ولم يحظ بأي ميزة تقابل هذه التضحية الكبيرة، لكنه -من دون شك- مستاء. وربما يسكّن جرحه عبر تذكير نفسه بأن سقوط النظام كان سيعني فقدانه لمكاسب وميزات سابقة، كان يحظى بها، بغير وجه حق، بدفعٍ من قرابته المناطقية أو الطائفية لرأس النظام، ودعمه القديم في الثمانينيات له. وبالتالي، فإن معادلة الحفاظ على المكاسب ستكون مُسكّنًا جيدًا لألم فقدان الابن، أو قريب آخر، من دون مقابلٍ مُجزٍ.

ذلك التبرير المُسكّن ربما ينفع مع جيل عايش الثمانينيات وما قبلها، وعايش زمن التحول الكبير لفئة من السوريين، قفزت إلى مواقع نفوذ غير مسبوقة، بدفعٍ من انتصار النظام على معارضته اليسارية والإخوانية، في ذلك العهد. أما بالنسبة إلى جيل شاب، كان طموحه تحقيق مكاسب أكبر، أو ربما الارتقاء من وضعية سابقة متدنية في سلم النفوذ غير المشروع، المبني على العلاقة الزبائنية مع النظام، فإن خيبة أمل هذه الشريحة الشابة ستكون كبيرة للغاية. ويبدو أن “وسام الطير”، مؤسس شبكة (دمشق الآن) الإخبارية المحلية، نموذج لهذا الجيل ولخيبته المريرة التي وصلت إلى درجة الاعتقال والتغييب تسعة شهور، وصولًا إلى رواج شائعات عن موته تحت التعذيب، من دون أن تشفع له سنوات من الولاء الكبير والنشاط اليومي الحثيث، لدعم مساعي النظام للانتصار.

اليوم، تروج أنباء عن عفو “أسدي” عن “وسام الطير”. الأسد الذي بات أنصاره البسطاء يهمسون بمسؤوليته عن أوضاعهم المتدهورة، اقتصاديًا ومعيشيًا وإنسانيًا أيضًا، فيما يجاهرون بمسؤولية من حوله. ذلك الأسد ذاته حرّم على أنصاره هؤلاء حتى انتقاد حكومته بصورة جريئة. فأزمة الوقود في الشتاء الفائت كانت كفيلة بالكشف عن الوجه الحقيقي المجرّد لهذا النظام، الذي يمكن أن يستشعر الخطر على وجوده، من مجرد كلمة أو صورة.

اعتقال “وسام الطير”، قبل تسعة أشهر، وإخفاؤه، كان مؤشرًا صارخًا على أن النظام يستشعر خطر انتقال فئة واسعة من أنصاره، من حالة الاستياء الخافت، إلى حالة المجاهرة المباشرة والجريئة به. في وقت، كان النظام فيه عاجزًا عن القيام بخطوات نوعية لتحسين أوضاع معيشة هذه الفئة الواسعة من أنصاره. لذلك، قرر إشهار سيف الأمن في وجوههم، بعد أن كان مسلطًا على مناوئيه، طوال السنوات الثماني الفائتة.

أما “وسام الطير” ذاته، فهو ربما أبعد من ضحية الخشية لدى النظام من تفاقم الاستياء في أوساط أنصاره. قد يكون ضحية لطموحه الجامح الذي جعله يظن أن دوره البارز، كأقران كثيرين له، في دعم النظام باتجاه النصر على مناوئيه، كفيل بجعله فوق المساءلة الأمنية المعتادة. وربما أيضًا كان ضحية صراع مراكز القوى داخل النظام، فكان في الكفة الأضعف، تلك المحسوبة على عقيلة رأس النظام أسماء الأسد.

لكن بعيدًا من الجوانب الشخصية في قضية “وسام الطير”، يبدو الأخير تجسيدًا للمعادلة الجديدة المفروضة على أنصار نظام الأسد من “المعترين”. فمن لم يستطع منهم أن يجد لنفسه موطئ قدم في أحد التكتلات المحلية المدعومة إيرانيًا أو روسيًا؛ فعليه أن يقبل بالفتات الذي يهيله عليه نظام الأسد، حتى لو كان ممن فقد فلذة كبده في سبيله، من قبيل رأس غنمة أو دجاجة بيّاضة، أو ربما قرضًا يُوفّى على مدار عشرة أشهر، تسمح لهذا الموالي أن يوفر احتياجات العيد لأبنائه المتبقين، بعد التضحية في سبيل الأسد، فالأضحية التي قدّمها هؤلاء لم تُقدّر من جانب نظام الأسد، وراحت هباءً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق