أدب وفنون

رحلة القمح من التدجين إلى الثورة

تعني كلمة “دجنَ” باللغة الإنكليزية (domesticate)، وقد أتت هذه الكلمة من أصلها اللاتيني (domus) ويعني (سَكَن)؛ أي نقل القمح وتحويله من نبات بري عشوائي النمو إلى محصول زراعي، يسهم في الأمن الغذائي، ويشكل انطلاقة الثورة الزراعية التي غيرت شكل العالم ونمط الحياة البشرية، من نمط الصيد والجمع، إلى نمط الفلاح المزارع، قبل عشرات الآلاف من السنين. وتشير البحوث إلى أن القمح وحيد الحبة قد نشأ شمال شرق تركيا في تلال كاراكاداج التي تبعد مسافة ثلاثين كيلومترًا من تل (كوبكلي تبه) شرق مدينة أورفا، والذي يعني تل السرة أو جبل السرة أو تل الخاصرة، ويدل الاسم في واحد من معانيه على خاصرة الأرض التي انطلقت منها ومن جوارها -في ماري وإيبلا- الحضارةُ والثورة الزراعية، من سهول ميزوبوتاميا في بلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات) إلى باقي أرجاء العالم.

أثبتت الكشوف الأثرية في هذا التل (كوبكلي تبه) دوره الحضاري في تدجين القمح وحيد الحبة، وتحويله إلى محصول زراعي، سيكون له دور أساسي في تحويل حياة الإنسان الصائد/ الجامع، إلى إنسان فلاح أو مزارع، يستوطن القرى والمدن، ويزرع أراضي الأرياف، ويسقيها، ويحميها ويدافع عنها بدلًا من الهجرة والتنقل الدائم لجمع الثمار ومطاردة الطرائد وحيوانات البرية وطيورها؛ ولذلك يرى بعض الباحثين -على سيبل المجاز- أن القمح هو الذي دجن الإنسان أولًا، وغيّر نمط حياته كليًا ثانيًا، وربما حوّله إلى وحش مفترس بعض الأحيان؛ فقد اضطر الإنسان عبر التاريخ إلى تأمين الأراضي الزراعية واستصلاحها بالتنظيف والحراثة والعمل الدؤوب فيها، لتبقى بيئة صالحة لزراعة القمح وإنتاجه، حرصًا على أمنه الغذائي أولًا، وللاستفادة من قشها وتِبْنِها في تغذية طيوره ومواشيه التي راح يدجنها نوعًا تلو الآخر، بدءًا من تدجين الكلب، بوصفه صديقًا وفيًا وجهاز إنذار وحماية شخصية له ولأسرته وممتلكاته، مرورًا بتدجين الطيور الداجنة والأغنام والماعز والأبقار والخيول وغيرها…

ومثلما شكل القمح جذوة الثورة الزراعية، وكان السبب الرئيس لتشكل القرى التي تحوّلت إلى مدن وممالك ودول عبر العصور المتلاحقة، وأسهمت في تغيّر أنماط المعيشة البشرية من الاستقرار على سواحل البحار، أو مطاردة الطيور والحيوانات لاصطيادها، أو الهجرة بحثًا عن مصادر المياه والكلأ والعشب، إلى تأسيس المدن الحديثة، واستملاك الأراضي ولا سيّما بجوار الأنهار والمياه العذبة، وهذا ما زاد في أهمية القمح، فإضافة إلى كونه أحد أهم أسباب الأمن الغذائي صارت الأراضي التي يُزرع فيها أحد أهم أسباب الحروب والصراعات السياسية بين الممالك والدول المتلاحقة عبر التاريخ، ولا سيما تلك الدول والممالك التي نشأت في سهول بلاد الرافدين وشرقي البحر المتوسط، كممالك بابل وماري وإيبلا والآشوريين والفينيقيين والكلدانيين وغيرها.

أقامت الدول والممالك القوية القديمة شبكة واسعة من التلال الممتدة بكثافة، في سهول سوريا القديمة وبلاد الرافدين وجنوب شرق تركيا، ويمكن تسمية هذه التلال بتلال الحضارة التي أقامتها الممالك والدول القوية، لتكون هذه التلال بمثابة سياجات أو حاميات عسكرية لسهول الممالك وأراضي الدول التي يشرف أبناؤها على زراعة أراضيها، والحفاظ على أمنها الغذائي، في حين يقيم على بعض تلك التلال الأكثر ارتفاعًا رجالُ الرصد والاتصالات، للإبلاغ عن أي خطر خارجي مداهم، وظلت هذه التلال تقوم بدورها الريادي في رصد الأعداء الخارجيين وحماية أراضي المملكة، في زمن الثورة الزراعية الممتد أكثر من عشرة آلاف سنة، ولم تتراجع أهميتها الاستراتيجية إلا بُعيد الثورة الصناعية التي قدمت أجهزة الاتصالات الحديثة، كالهواتف أولًا ثم الأقمار الصناعية والجوالات ومواقع التواصل الاجتماعي لاحقًا، مثلما قدمت أسلحة حربية متطورة تحمي حدود الممالك والدول، كالمدرعات والطائرات والصواريخ المضادة للدروع والطائرات.

ومع قيام الدولة الحديثة، لم يعد من الضروري أن يرصد رجال الاتصال الأعداء الخارجيين فوق التلال، إذ تلخصت مهمة الدولة الأساسية الأولى في حماية مواطنيها، واقتصرت الأهمية على تلال الرصد الأكثر استراتيجية دون سواها. ومع أن تدجين القمح جلب الأمن الغذائي من جانب، فإنه جلب للفلاح المزارع بعض الأمراض المرتبطة بالعمل في الحقل والحصاد والزراعة، كآلام العمود الفقري والمفاصل والروماتيزم، إلا أن الفلاح ظل سعيدًا على طول الأيام، يعمل في أرضه، ويغنّي لنفسه وللعمال والخصب والنماء آملًا بموسم وفير عند الحصاد الذي سينسيه آلامه كلها، على نحو ما غنى الفلاح الشاعر لنفسه ولحقله ولموسه حين قال: ميم…. فلاح الغيبِ وساقية الأسرار…. يحرث أحيانًا في الحقل… ويحفر حينًا في الآبار.

لكن تحول حقولِ هؤلاء الفلاحين إلى أهداف مباشرة، لشذاذ الأرض والآفاق من المستعمرين والمستغلين والسماسرة المنتفعين، زاد الأمراض المرتبطة بالعمل الزراعي في حقول القمح والشعير سوءًا، وحوّل ضريبة العمل فيها من ضريبة جسدية صِرفة إلى ضريبة جسدية نفسية اقتصادية اجتماعية مضاعفة، يدفعها المزارع غُصة في قبله، وهو يرى الدخان يتصاعد من حقله، بعد أن يُضرم الشذاذ فيها ألسنة اللهب؛ فتذرف عيون الفلاح دموعها الحرى، التي تأمل أن تكون نهرين، كنهري دجلة والفرات؛ لتطفئ حرقة كبده أولًا، وتنهي أُوار النار المشتعلة، ولسان حاله يتذكر قول السياب:

وفي العراق جوع…

ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع….

وينثرُ الغلالَ فيه موسمُ الحصاد….

لتشبع الغربان والجراد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق