تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الخلاف على الأولويات

تختلف الأولويات في الساحة السورية كثيرًا، فبينما يصر المجتمع الدولي على أن الأولوية هي القضاء على التنظيمات الإرهابية، يصر السوريون على أنه ما من وسيلة لتحقيق ذلك، قبل تغيير النظام.

تمدّد تنظيم “الدولة الإسلامية” في سورية، كالنار في الهشيم، واستطاع منذ الإعلان عن تأسيسه في سورية في نيسان/ أبريل 2013، السيطرة على نحو ثلثي مساحة سورية، وتمدد من دون أن يلقى مقاومة من قوات النظام السوري، وحصل ما يُشبه الاستلام والتسليم بين الطرفين، في كثير من المواقع، وأثار ذلك الأمر كثيرًا من إشارات الاستفهام حول العلاقة بين الطرفين.

اتّهمت المعارضة السورية (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) بانتهاج استراتيجية تخدم النظام السوري والنظام الإيراني، وحاول بعض المحللين السوريين والعرب والغربيين تشخيص هذه الظاهرة، منذ ولادتها حتى مآلاتها الحالية، وكثرت التحليلات والاستنتاجات، ونُشرت مئات المقالات والدراسات عن عنف هذا التنظيم وإرهابه، أكثر بكثير مما نُشر عن عنف النظام السوري، كما نُشرت كتبٌ كاملة حول نشأته واستراتيجيته وشرائعه، واستطاع هذا التنظيم حرف مسار الثورة السورية وأوشك أن يُطيح بها، وفرّق السوريين، وغيّر قناعات ورؤى كثير من الدول الغربية والعربية، وحدّ من دعمها للثورة السورية، بذريعة الخوف من الفوضى والإرهاب.

رحلة هذا التنظيم (القاعدي) أصله ونشأته، ليست سرّية، لكن الجهات التي تُسيّره ما زالت موضع شك، فالبعض يؤكد ببساطة أنه تنظيم إسلامي مُحدث متشدد عابر للقارات، يسعى لتطبيق الخلافة، تمرد على تنظيم القاعدة وانفصل عنه وأصبح أكثر عنفًا منه، فيما تشير بعض الدراسات إلى أن كثيرًا من قادته يرتبطون ارتباطًا وثيقًا ببعث العراق وبضباط الجيش العراقي المُنحل، بينما تؤكد دراسات أخرى، تدعمها المعارضة السورية بالأدلة، ارتباط هذا التنظيم بالاستخبارات السورية والإيرانية، وراحت بعض الدراسات تتحدث عن وجود علاقة بين هذا التنظيم والولايات المتحدة أو روسيا، وبالخلاصة لم يبق احتمال إلا وُجد من يتبناه.

من الصعوبة بمكان معرفة أسرار نشأة هذا التنظيم، وتبسيط تركيبته وأدواته واستراتيجياته، ومن الخطأ ربطه بجهة واحدة أو بنهج واحد، وهناك تناقض في توصيفه كتنظيم واحد هرمي متماسك، والقاعدة النظرية تقول إنه يمكن معرفة من يقف وراء هذا التنظيم من خلال معرفة من يستفيد من أعماله، ومعرفة المتضرر من حروبه الفكرية والعسكرية، ومن ذلك المنطق؛ يمكن استنتاج أن (داعش) عبارة عن شركة مساهمة مغفلة، للكثيرين حصة فيها.

لم يقم (تنظيم الدولة الإسلامية) و(جبهة النصرة – هيئة تحرير الشام) خلال سنوات الثورة بأي عمليات ذات تأثير واضح ضد النظام السوري، بل كانا عاملًا رئيسيًا في حرف أنظار العالم عن الثورة، واستغلهما النظام كذريعة لتبرير عملياته الحربية ومجازره، وحجّة لتدخل إيران في المنطقة، ومبررًا لإدخالها ميليشيات طائفية للوقوف في وجههما، وكان هذان التنظيمان عاملًا أساسيًا لإخفاق الجيش السوري الحر الذي حاولت المعارضة السورية تشكيله، وتسببا في تفرقة قوى الثورة، وأضعفاها من خلال استهدافهما لها، وصارا فزاعة لتخويف الغرب مما يجري في سورية، ومغناطيسًا لاستقطاب كل متطرفي الأرض إلى سورية، وهو الأمر الذي ناسب النظام السوري وأسعده، وصحيح أن ليس كل عمليات هذين التنظيمين تصب في مصلحة النظام، لكن نسبتها قليلة جدًا.

نتيجة ممارساتهما، أعلنت معظم الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن مكافحتهما له الأولوية، وتناست كليًا مطالب الثورة التي ضحى من أجلها السوريون بمئات الآلاف من الضحايا، فإسقاط النظام أو تغييره أو حتى إصلاحه، بات أمرًا ثانويًا غير مُلح بالنسبة إليها.

تشير أرقام المراصد الحقوقية السورية والدولية إلى أن الذي قُتل في سورية بيد النظام السوري بلغ أكثر من 92% من القتلى المدنيين، و0.8% قتلهم (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش)، و2.2% قتلتهم (جبهة النصرة)، وهذه النسب تؤكد أن مأساة السوريين الأساسية ناتجة عن عنف النظام.

المساهم الأكبر

نجح النظام السوري في خطته التي رسمها بدقة ومهارة، فخلال السنة الأولى للثورة، أطلق سراح معتقلين إسلاميين متشددين، من خلال ثلاثة مراسيم عفو، وسارع أولئك إلى تسليح الثورة وأسلمتها، وهم في غالبيتهم ممن كان يسمح لهم النظام بالذهاب إلى العراق لـ “الجهاد” ضد الأميركيين، بعد سقوط نظام صدام حسين، كما نجح النظام بخطابه الطائفي في جذب آلاف المجاهدين والمقاتلين المتشددين من كافة أنحاء العالم، وحرف مسار الثورة، وأرعب الغرب بالقوى المتطرفة، بحيث نسيت كل الانتهاكات التي ارتكبها بحق السوريين، وبات الجميع يبحث أولوية القضاء على التنظيمات الإسلامية المتشددة، وذهبت روسيا وإيران إلى مطالبة الغرب بالتشارك مع النظام السوري للقضاء على الإرهاب، ومنحه براءة من كل ما قام به من إرهاب ضد السوريين.

في المقابل، ما زالت دول عدة، عربية وغربية، تشدد على أنه لا يمكن أن يكون للنظام ورأسه أي دور في سورية، ولا يمكن أن يكون شريكًا في مكافحة الإرهاب، وتشدد على مسؤوليته عن كل الجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب السوري، وعن وجود (داعش) و(النصرة) وغيرها في سورية.

منذ ثماني سنوات، تتغير الخارطة السورية كل شهر، ومع كل تغيّر يقول المحللون السياسيون والعسكريون إن الاستقرار لن يأتي إلى سورية حتى يتم القضاء على التنظيمات المتشددة، وعلى التوازي تغيير النظام السياسي والأمني السوري، فالتنظيمات المتشددة تستخدم الترهيب والقوانين القروسطية لحكم السوريين، بينما يستخدم النظام الأسلحة الثقيلة للقيام بنفس المهمة، وما لم يتم تغيير النظام بالتوازي، فإن كثيرًا من السوريين يمكن أن يصبحوا وقودًا للتنظيمات المتشددة من جديد، فملايين المتضررين من عنف وحرب النظام ينتظرون أن تستعيد العدالة الانتقالية حقوقهم المهدورة، وإلا؛ فإن ضياعهم المستمر سيدفعهم إلى استرجاع حقوقهم بيدهم.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق