أدب وفنون

لبنان: تاريخ أمّة لم تكتمل

يعكس كتاب (لبنان: تاريخ أمّة لم تكتمل) الصادر باللغة الفرنسية، الجرأة التي يتحلى بها الكاتب والباحث اللبناني عبد الله نعمان، في تناول موضوع انحاز من خلاله إلى لبنان الوطن، ولم ينحز إلى أي جهة أو تيار أو قوة سياسية، وحاول -في ثلاثة مجلدات- نبش ماضي لبنان وتسليط الضوء على حاضره، وخاض في تاريخ بلدٍ مرتبك حافل بالحروب والخلافات والانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية، وبالحروب الأهلية، من أجل تحليل العلاقة المعقدة بين المجتمعات المؤسسة له، وتشريح الأفكار وتحليلها والتفريق بين الأساطير والحقائق.

يُعدّ الكتاب مقاربة شخصية جريئة تخرق المحرمات التي يتفادى اللبنانيون الحديث عنها بذريعة عدم الرغبة في تقويض الصرح الهش القائم للبناء الوطني، فلبنان اليوم ليس كما يعتقد الآخرون، فهو بعيد من أن يكون مثالًا للتعايش الناجح، أو أن يكون ملاذًا للمساواة والحرية والإخاء، كما أنه أيضًا ليس دولة علمانية، وليس دولة قانون وتشريعات، بل هو محاصصات ومحسوبيات وجروح غائرة قد يصعب معالجتها في ظل الوضع الراهن والشخوص المؤثرين في الوضع اللبناني السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والاجتماعي.

يرى الكاتب أن المجتمع اللبناني -في بعض النواحي- مجتمع حديث، لكن نظامه السياسي، في واقع الأمر، ما يزال مُقيّدًا بالزعامات الإقطاعية التي تتربع على رأس السلطة حاليًا، تعززه الإقطاعيات التجارية المربحة، فضلًا عن الطائفية المتجذرة التي تسمح بتوريث المناصب والسلطة، وهناك شكوك في أن يفسح المجال للأجيال الشابة لتعزيز سيادة القانون والاندماج في قالب المواطنة.

والكاتب اللبناني الذي بقي ملحقًا ثقافيًا للبنان في فرنسا اثنين وأربعين عامًا (تقاعد مؤخرًا) عمل على إعداد كتابه نحو عشرين عامًا، وعاد لأكثر من ألف من الكتب والمراجع والمصادر وكتابات المؤرّخين والباحثين والرحّالة والمستشرقين والمجلات العلمية والمنشورات البحثية باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، وحوالي ستين مناقشة مع مفكرين وسياسيين لبنانيين، ليكتب نحو 2200 صفحة في كتابه هذا.

يدين الكاتب التلاعب بالأحداث التاريخية، ويكشف الانحرافات فيها، وكذلك القرارات السياسية التعسفية، ويُحاول استذكار الأحداث المنسية عمدًا، ويتلمس أسباب حذفها وتزويرها، ليس بأسلوب رواية بوليسية، بقدر ما هو تحليل منطقي لكل القضايا الشائكة والمتناقضات، ويقول: “إن ثلثي تاريخنا مبني على أساطير وأكاذيب”.

يناقش الكاتب المنشأ (الفينيقي والعربي) للبنان، وكذلك الطوائف اللبنانية التي تعتبر من المحرمات، والحالة المدنية والسياسية المعقدة وغير العادية، والمفاهيم الخاطئة، والتحيزات والمفارقات التاريخية التي ميزت تاريخ لبنان، منذ العصور القديمة حتى اليوم، ويبيّن منهجه بالقول: “أنا لستُ حكواتيًا، وكتابي ليس خيالًا، ولا تاريخًا شاملًا، لكنه مقاربة شخصية للمشاكل، ومناقشة مفاهيم محددة، ووثيقة لتفكيك الأساطير والتأكيدات القطعية التي شكلت رؤى مجزأة”.

لا شك في أن العنوان جريء إلى حد قد يصدم بعض اللبنانيين، ففيه إشارة واضحة إلى قصور وعجز لبنان عن الوصول إلى مستوى الدولة، أي أنه ما زال عالقًا في مرحلة وسطية تحتاج إلى كثير من الوقت والتغييرات ليصبح كذلك، وهو بذلك لم يكن متشائمًا بقدر ما كان هادفًا إلى وضع الإصبع على الجروح لمعالجتها، أو على أمل أن يثير ذلك حفيظة البعض ليتقدموا ليعالجوها.

تشير مقدمة الكتاب الصادر عن منشورات “غْليف” في باريس، إلى أنه يتناول “تاريخ بلد حديث جدًا وقديم جدًا في نفس الوقت، يُعاني لبلوغ النضج وسط لغط غامض في كتابات مؤرخين مأخوذين بماضيه المجيد، باحثين عن ظروف تكوينه، ملاحظين مأزق جذوره في بيئته الجغرافية والجيوسياسية، راصدين تطوّره المؤسساتي ورؤى مستقبله الذي يراه المراقبون الموضوعيون مستقبلًا غير مستقر”.

لا يُخفي الكاتب تشاؤمه أحيانًا خلال سرده لأوضاع البلد السياسية والاقتصادية وعلاقاته الاجتماعية المعقدة والمصلحية، ويُعرب عن خوفه أن يكون المستقبل أكثر سوداوية، إن لم يتم تدارك الأمر وتصحيح الأخطاء، ولا يتوانى عن القول إن لبنان على شفير الهاوية، أو على حد الانهيار، إلا أنه لم يفقد الأمل بإمكانية إنقاذه مما هو فيه.

يضم المجلد الأول (زيارة عصرية إلى الجاهلية) 14 فصلًا، يتناول خلالها مراحل متتالية زمنيًا، فاتحًا سِجِلّ الفينيقيين ومغامراتهم، ثم الدخول العربي والتغيرات الكبيرة الإيجابية التي رافقته، إلى المسيحيين العرب وأمجاد بيزنطة، فالدروز والسنّة، وينهيه بثبَتٍ للقبائل اللبنانية، أما المجلد الثاني (ولادة أمّة) وهو يضم 26 فصلًا، فيتناول فيه العروبة واللبننة وصولًا إِلى استقلال لبنان، وولادة اثنيات متخاصمة، تسبب غض طرف الآباء المؤسسين عنها في حروب منفجرة، وفي المجلد الثالث المؤلف من 14 فصلًا، يتناول موضوع العلمانية والطائفية وتوليد العنصرية القاتلة، والشقاق والصراع المجتمعي والانقسام، والمجتمع اللبناني الحديث والمعاصر الذي يعيش مسجونًا في نظام سياسي إقطاعي وراثي، ويحاول أن يبحث عن الهوية التي يمكن أن تُوحّد ولا تُفرّق، ويشدد على أن الحل العلماني الشامل (الدولة والمجتمع والثقافة والتربية) هو طريق الخلاص للبنان واللبنانيين من كل محنهم.

قال بعض المثقفين عن الكاتب إنه خاض مغامرة شديدة الخطورة، بكتابته تاريخ بلاده بجرأة وصراحة ووضوح، يفضح المستور، ويخلع عن الوجوه الأقنعة، من دون أهداف مُسيّسة، وبحياد كامل بعيد من أي انتماء سياسي أو طائفي.

ينتهي الكتاب بأسئلة مفتوحة تتمحور حول لبنان ومستقبله: هل يمكن أن يجد اللبنانيون طريق الخلاص؟ وهل يمكن أن يتخلى سياسيوه عن الحكم وعن النظام الطائفي وأنظمة الوراثة الشائعة في الأحزاب والتكتلات الدينية والسياسية؟ وهل يمكن أن ينبثق جيل جديد يبني دولة حـق ومساواة وعدل؟ أم سينساق لبنان إِلى الهاوية التي يسير نحوها منذ عقود؟

يُشار إلى أن عبد الله نعمان حاصل على دكتوراه دولة عام 1975، وتنقل بين النشر وتعليم اللغة الفرنسية في مدارس لبنانية وفرنسية، واستقر ملحقًا ثقافيًا في سفارة لبنان في باريس ما يقارب اثنين وأربعين عامًا (1974 – 2015)، وكتب ما يزيد عن مئتي مقال بالفرنسية والعربية، كما ترجم عدة كتب من الفرنسية إلى العربية، وألّف أكثر من 20 كتابًا في مواضيع متنوعة، وشارك آخرين في تأليف كتب بينها قواميس وموسوعات عن كتّاب الفرنكوفونية.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق