هموم ثقافية

أزمة وتخلف الدراما الأردنية 

ربما يعتقد المشاهد الأردني أن الدراما لغزٌ من الألغاز الكونية، أو منحة إلهية حُرمنا منها، بناء على تركيبة ذهنية منحتنا إياها الطبيعة، لا تؤهلنا لنكون شيئًا يذكر ضمن خارطة الدراما العربية، حتى كاد المتفرج والمثقف والدولة أن يعلنوا صراحة أن لهجتنا الهجين، بين البداوة والحورانية والفلسطينية والمدينة، هي التي تعوق تطور الدراما الأردنية، وهي التي وضعتنا في هذا الدرك الساذج والمزري!

وتعددت الآراء، حتى أصبح لا يتفق اثنان على المشكلة الجوهرية، في تخلف الدراما الأردنية، وربما واصلت الدولة، ومعها قطاع واسع من المثقفين، القول إن من المستحيل الخروج من هذا المأزق، وإن الزمن قد تجاوز قدراتنا أو أننا قد تخلفنا، لدرجة بات فيها من المستحيل اللحاق بركب غيرنا. فهناك قطاعات واسعة، لم تعد تثق بما نقدم، بل لم تعد تستحسن المخرجات من أعمالنا الدرامية التلفزيونية، وبعض المحاولات الخجولة والبسيطة والمتخلفة في صناعة الفيلم السينمائي. وهناك قطاع آخر ما زال يتغنى ببدايات الصناعة الدرامية، التي كان لنا فيها حصة أكثر من كثير من الدول العربية، ثم غاب عن أذهاننا أن الكل في فترة البدايات كان يتهجأ هذا الفن وهذه الصناعة، فلم نكن طليعيين بل كنا نتشابه، في جميع البلدان العربية، وتفوقنا نحن، مؤقتًا، لأننا ملكنا محطة تلفزيونية وأستوديوهات قبل غيرنا، أقصد الدراما التلفزيونية وليس السينما، لأن السينما صناعتها الأولى كانت وما زالت في مصر.

وغاب عن ذهننا، ونحن نطرح قولنا، أن أول مسلسلات دريد لحام وفرقته انطلقت من الأردن، والحقيقة أنها انطلقت من المكان، وليس من خضم العملية الفنية الأردنية، بمعنى أن الكاتب والمخرج والممثلين لم يكونوا أردنيين، (نحن فقط أجّرنا الحاكورة لفلاح ليس محلي).

لا أريد الخوض تاريخيًا في هذه الإشكالية، بل أريد الحديث عن الواقع الحالي، وما آلت إليه الأمور، كنتيجة وصلنا إليها، وما هي الإشكالات التي نعيشها الآن، وربما في هذه المقالة، أترك الحديث عن الحل الذي هو ليس ضربة ساحر. والملفت للنظر أن الإشكالية (تخلف الدراما الأردنية)، تسوء سنة عن سنة، بالرغم من أن هناك كلّيتين لتدريس التمثيل والإخراج (اسميًا على صعيد جوهر التعليم، وشكليًا على صعيد الشهادات الأكاديمية).

لقد ارتبك الفنان الأردني، كاتبًا ومخرجًا وممثلًا، في تشكيل هوية محلية للهجة الدراما من جهة، ولطرح قضايا وحكايات تخص المكان والزمان الأردني، وقد وضع الفنان على نفسه رقابة ذاتية منذ الأحكام العرفية، وهي رقابة أشد قسوة من رقابة الدولة، فلم يشارك ضمن المطلب الاجتماعي للديمقراطية والحريات السياسية، وكان معزولًا على الصعيدين المعرفي/ الذهني، والتنظيمي، حيث كان خارج الحراك الشعبي.

إن الفنان وكاتب الدراما تحكمهما ظروف الإنتاج والريعية السياسية والاقتصادية، من خلال احتكار السلطة لهذا الفعل الفني الثقافي، الذي يحتاج إلى رأس مال خاص ومغامر. ولم يكن رأس المال الوطني يومًا سوى تابع يعتمد على التجارة والسمسرة، فهو ليس رأسمالًا أصيلًا مستقلًا (أتحدث عن البدايات).

الدولة في ذلك الحين لم تُرد أن تكون صاحبة شأن في هذا الموضوع، وكانت تفضل الابتعاد عن هذا الفعل الثقافي المثير لأسئلة الوعي العام، وأسست، في نهاية السبعينيات، شركة إنتاج حكومية، هيمنت عليها، وضخت أموالًا للرشوة الفنية وليس لتأسيس دراما وطنية، حرة، حيث كانت قصيرة النظر إلى مستقبل التطور التكنولوجي للبث الفضائي العابر للأوطان، والتطور الاقتصادي والفني لهذا الفعل، الذي أصبح فيما بعد يشكل هويات وطنية وسياحة محلية، تدرّ أموالًا قد تكون رافدًا ماليًا وطنيًا.

ولسوء الفهم العلمي للدراما، وجد الفنان والكاتب نفسيهما محكومين للمسلسل البدوي، الذي لا يلزمه سوى حكاية بسيطة وأحيانًا ساذجة، وإنتاج فقير وممثل يؤدي دوره بطريقة غير احترافية، وخاصة أنه لم يكن هناك مقارنات مع أعمال مجاورة أخرى. ثم لم يستطع الفنان أن يدرك، ومعه الدولة، التطور والقفزة النوعية التي طرأت على الفن الدرامي التلفزيوني في العالم العربي، من خلال عودة أكاديميين من الدراسة أولًا، والتطور التكنولوجي للبث التلفزيوني، الذي نقل إلينا خبرات العالم، فانشغل بما يعرف، وهرب من هذا التطور، لأنه يحتاج إلى علم ومعرفة ورأس مال وتجربة، وحرية في التعبير. فكان المسلسل البدوي أشبه ما يكون بالافتراض الغائب والبعيد من الواقع المملوء بالقضايا اليومية التي تُدخله قي إشكالات متعددة، أولها الدولة (سياسيًا)، وليس آخرها العادات والتقاليد الريفية والبدوية ضيقة الأفق في تقبل الفن كحالة تعرية ونقد، حتى المدنية منها وسطوتها كرقابة اجتماعية لم تعطِ الحرية لمجمل العملية الفنية.

وعلى الرغم من تطور الدولة، اقتصاديًا ومدنيًا، ونشوء وانتشار التعليم أفقيًا، بقيت الدراما في حفرتها العميقة الأولى.

في الجزء الثاني من هذه المقالة، لا بد من الحديث عن دور كليات الفنون في الأردن وربطها بالجامعات بشكل غير مستقل، والارتجال في وضع المناهج الدراسية، وأثر اللهجة الفلسطينية في لغة الدراما الأردنية، وضياع مفهوم الهوية الأردنية، من ناحية الموضوعات ومن ناحية المحتوى وسيطرة اللهجة العمانية الضائعة، من اختلاط اللهجات المتعددة الوافدة إليها، والاستغناء عن لهجتين أساسيتين في الأردن، وهما لهجة حوران ولهجة الكرك، وهما لهجتان مكتملتان، أصيلتان واضحتان، للعب الفني والقضايا الاجتماعية المتعددة للشعب الأردني. ولا بد من الحديث أيضًا عن تخلف الفنان، معرفيًا وأكاديميًا وتقنيًا، وعن دور شركات الإنتاج/ كإنتاج تنفيذي وليس أصيلًا، وعن تخلي الدولة عن مشروعها الثقافي العام، وعن دور الكتاب وتخلفهم في الانخراط في هذا الفعل الثقافي المؤثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق