تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل ينجح الروس في إعادة هيكلة الجيش والأمن الأسدي؟

منذ انقلاب حزب البعث عام 1963، بدأت بنية الجيش السوري بالتغيّر، وتبدلت تركيبته على أسس طائفية، وبعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 تم تكريس الطائفية في هذا الجيش، واستخدمه المجرم بشار الأسد بعده في تثبيت حكمه، وكان العلويون في الجيش هم الأداة الرئيسية التي مزقته ودفعته قسرًا إلى الوقوف على ضفتين متناقضتين، الضفة الأولى هي الضباط العلويون وهي تسيطر على القرار، والضفة الثانية هي الضباط من باقي مكونات الشعب السوري من السنة والمسيحيين والدروز والتركمان والشركس، الذين لا قرار لهم ولا صوت سوى تنفيذ الأوامر.

وفي الوقت الذي شارك الأسد الأب في تنفيذ المجازر خارج سورية وداخلها، لم يتوان الأسد الابن عن استخدام هذا الجيش بشكل طائفي ضد السوريين، متسترًا بالشعارات القومية والعلمانية التي يرفعها هو ومن حوله دائمًا، لكن التطور الأسوأ في هذا السياق هو استجلاب ميليشيات شيعية متطرفة من خارج الحدود للقتال معه، بعد اندلاع الثورة السورية المباركة، في إعلانٍ صريح وواضح لطبيعة الحرب التي يخوضها، فبدا اليوم ما كان يسمى “الجيش العربي السوري” عبارة عن ميليشيات طائفية تتقاذفها الولاءات والاصطفافات.

وأمام هذا الواقع وهذا الفشل الكبير لتلك الميليشيات في التقدم الفعلي في معارك الشمال السوري الحالية؛ يحاول المحتل الروسي إدخال إصلاحات في بنية ميليشيات الأسد، فعمل على توجيه بشار الأسد إلى تسريح المئات من الضباط الذين لهم ميول إلى إيران، وأصدر بعدها نشرة تنقلات لكبار ضباط الأجهزة الأمنية (جهاز الأمن السياسي، وشعبة الأمن العسكري، وإدارة المخابرات الجوية، وإدارة أمن الدولة) بما فيهم رؤساء هذه الأجهزة الذين يجمعهم الولاء للمحتل الروسي، وتم تعيين رئيس جديد لمكتب الأمن الوطني، كما قام بترقية عدد من الضباط إلى رتب عالية كرتبة لواء ورتبة عميد، وقام الأسد، بناء على تعليمات من المحتل الروسي أيضًا، بتعيين قادة جدد للفرقة الأولى، ونائب قائد للفرقة الثالثة، ونائب قائد للفرقة 18 مدرعة، وقائد للمنطقة الجنوبية، وقائد للقوات الخاصة، كما قام بنقل كثير من الضباط إلى وظائف إدارية ورفد الجيش وأجهزة المخابرات بعدد من الضباط الموالين للمحتل الروسي، وكان الأسد قد أجرى في منتصف الشهر الماضي حركة ترقيات رديفة في سلاح الجو، شملت تعيين قادة جدد لمطاري (الناصرية) و(الشعيرات) الذَين يُعدّا من قطعات القوى الجوية، ومن خلال تلك الإجراءات، حاولت روسيا تفكيك المنظومة الموالية لإيران في الجيش والأمن، وبخاصة الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد الحليف القوي لإيران، الذي تربطه علاقة وثيقة بقائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي يقوم بتقوية هذه الفرقة عبر تسليحها ودعمها لوجستيًا.

ويهدف سليماني من تلك العلاقة إلى الحفاظ على الشبكة الواسعة من المقار العسكرية ومصانع إنتاج وتخزين الصواريخ، وأيضًا دمج آلاف المستشارين والمهندسين والفنيين والضباط الإيرانيين في هذه المقار تمهيدًا للسيطرة على القواعد الرئيسية للجيش السوري، وقد نجح سليماني في مسعاه، إذ بتنا نشاهد كتائب مرتبطة عضويًا بألوية وفرق الجيش السوري، وجميع أفرادها من الميليشيات الطائفية، وخير دليل على ذلك الكتيبة 1010 هي كتيبة دفاع جوي تتبع للواء (137) مشاة التابع للفرقة 17، وكانت هذه الكتيبة تتمركز في محيط مدينة دير الزور قبل الثورة، حتى العام 2012، وكُلفت الكتيبة بالانتشار حول مطارها العسكري للدفاع عنه لكن هذه الكتيبة واجهت ضربات موجعة من فصائل الجيش الحر، ثم ضربات من جبهة النصرة.

وفي فترة سيطرة تنظيم (داعش) على ريف دير الزور، حُلّت تمامًا بعد مقتل غالبية عناصرها والاستيلاء على عتادها وسلاحها وذخيرتها بالكامل، ولم يبق شيء في الجيش اسمه الكتيبة 1010، وأصبحت فيما بعد تندرج تحت بند كتيبة منسقة، وبتاريخ 02/05/2019 أصدرت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة قرارًا، يقضي بإعادة تشكيل الكتيبة 1010 دفاع جوي التابعة للفرقة 17 مشاة، وأشار القرار إلى التوجيه بفرز 250 مقاتلًا من مديرية التجنيد العامة، إلى الفرقة 17، ليتم إلحاقهم بالكتيبة، وأشار القرار أيضًا إلى توجيه بتسليح الكتيبة وتسليمها وسائط دفاع جوي، من إدارة التسليح وإدارة الدفاع الجوي، بناءً على قرار القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة.

كما أن المُفرزين إلى ملاك الكتيبة 1010 لم يكونوا من المدنيين الذين التحقوا في خدمة العلم، بل كانوا من عناصر الميليشيات الشيعية، ومن المعلوم أن إدارة التجنيد العامة تسلمت لوائح تضم ما يزيد عن 3000 آلاف اسم من مقاتلي الميليشيات الشيعية (زينبيون، فاطميون، لواء أبو الفضل العباس ومجموعات سورية شيعية أخرى) جميعهم يحملون الجنسية السورية (نصفهم مجنسون بعد العام 2012) واعتُبر هؤلاء كبقية السوريين المكلفين بالسوق إلى خدمة العلم، ويمكن أن نقول: إن هذا هو السبب الحقيقي وراء كل ما قامت به روسيا في هذا الاتجاه، وهذه هي العقبة الأولى التي تواجه روسيا في إعادة إنتاج الجيش السوري.

أما العقبة الثانية، فتمثلت في فشل روسيا في دمج فصائل المصالحات ضمن ميليشيات الأسد، وعلى الرغم من كل خطوات موسكو تلك، فإنها عجزت -حتى الآن على الأقل- عن تحقيق تقدم ملموس في هذا المضمار، بل إن ما فعلته زاد في الانقسام، ويمكن أن نقول: إن أهم أسباب هذا الانقسام هو استخدام جيش الأسد سلاح الطائفية بين صفوفه، منذ نصف قرن، هذا السلاح وهذه هي العقبة الثالثة في وجه المحتل الروسي لإعادة إنتاج هذا الجيش، بالاعتماد على التوازنات الطائفية لرفع تهمة الطائفية عن هذا الجيش الذي يتقلد أكبر المناصب والمراكز الحساسة، وفيه ضباطٌ من الطائفة العلوية، وهذه العلة لا يمكن تجاهلها، إذا أرادت موسكو أن تعيد هيكلة هذا الجيش الممزق.

أما العقبة الرابعة في وجه المحتل الروسي في إتمام هذه المهمة فهي استشراء الفساد بين صفوف الجيش على نحو كبير وواسع، ابتداء من القمة حتى القاعدة، وهذا ليس وليد اليوم بل كان الفساد والإفساد سياسة أصحاب القرار في سورية قبل الثورة وطوال حكم الأسد الأب، وازداد بشكل كبير ومرعب في عهد الأسد الابن، وساعد بشكل كبير في ترسيخ ذلك الفساد بعد قيام الثورة القيادة اللامركزية التي أنتجت مافيات رؤساء الفروع الأمنية، وقادة القطعات العسكرية وعصابات الحواجز المنتشرة في كل مكان، وكان لقائد أي حاجز أو قطعة عسكرية أو رئيس فرع حرية اتخاذ القرار إلى درجة قرار إعدام أو اعتقال أو التنكيل بأي مواطن من دون الرجوع إلى القيادة، وهذا فكّك التراتبية العسكرية وطمس الانضباط العسكري، وأضعف القبضة الحديدية التي كانت مستخدمة على الجيش والأمن قبل الثورة، وبدا كل واحد من هؤلاء هو صاحب القرار النهائي في كل ما يتعلق بمنطقة عمله، وأصبح هذا الجيش عبارة عن ميليشيات تتطابق مهامها ووظيفتها مع الميليشيات الطائفية التي جلبها الأسد إلى سورية، وهذا سبّب للروس كثيرًا من المشاكل والعقبات في طريقهم لإعادة إنتاج الجيش السوري، ولعل العقبة الخامسة التي تواجه المحتل الروسي، في إعادة إنتاج جيش الأسد، هي ضعف الخبرة الإدارية والقيادية للصف الثاني من القيادات العسكرية والأمنية، وهذا سببه اعتماد الأسد الأب والابن من بعده على أشخاص محددين يتمتعون بالولاء المطلق، وجميعهم من الطائفة العلوية بل من الدائرة المقربة جدًا من عائلة الأسد، وهذا سبّب مشكلة كبيرة للروس أثناء بحثهم عن شخصيات تتمتع بالقدرات القيادية والإدارية من خارج الدائرة الضيقة المحيطة بعائلة الأسد، وبخاصة من الضباط السنة.

إن ما تقوم به روسيا في مسعاها لإعادة إنتاج جيش سوري يمثل كل السوريين، بحسب ادعائها، هو مهمة مستحيلة، على الأقل في هذه المرحلة، وأعتقد أن العقبات التي تواجههم، إن كانوا صادقين في مسعاهم، وأنا شخصيًا لا أعتقد أنهم يسعون لهذا، فكيف لروسيا -وهي جهة احتلال أجنبي- أن تقوم بإعادة هيكلة جيش هذا البلد، على أسس وطنية؟ عن أي وطنية يتحدث هؤلاء؟ ومن المؤكد صعوبة التغلب على تلك العقبات، في ظل التغلغل الإيراني في سورية على كافة الأصعدة، وفي ظل السيطرة الكاملة للعلويين على المؤسسات العسكرية والأمنية، ولهذا يعمل الروس على محاولة إعادة ترتيب أوراقهم في هذا المجال، وعلى المدى البعيد، من خلال استقطاب بعض الشباب وبعض الضباط من الرتب الصغيرة، وزجهم في دورات مكثفة، لاستخدامهم كبدلاء لمنظومة الأسد الأمنية والعسكرية، إن لم يستطيعوا إعادة إنتاج الأسد من جديد، وما تجربة “جيش الشرق” في بداية القرن الماضي سوى مثال على التحضيرات الجارية الآن للسيطرة على سورية لمدة مئة عام قادم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق